Abdullah  Al-Hourani

 

 

عبد الله الحوراني: شهادة موضوعية

 بقلم : أحمد دحبور

-1-

لأمر ما، تلتقط هذه الشهادة مدخلاً لها من أحد أيام عام الهزيمة، 1967.  كنت بسنواتي الإحدى والعشرين حريصاً على الاحتكاك بالعاملين في الإذاعة والتلفزيون.  أهي أوهام الشهرة؟  أم الرغبة في الإعلان عن الذات؟  أم هو التباهي البرئ بعدد لا يستهان به من الفلسطينيين العاملين في أهم المؤسسات الإعلامية في دمشق؟.. كنت أشعر بدفء الاعتراف والاهتمام، لمجرد وجودي بين أولئك المشهورين.  وفجأة سمعت من المذيع الفلسطيني ، الكبير، المرحوم داود يعقوب، جملة ذات وقع مختلف عن السياق:

-       لقد استقال عبد الله الحوراني..

رنت الكلمات في أذني رنيناً غريباً، والكلمات جرّت كلمات سرعان ما تحولت إلى جدل بين الحاضرين:

-       من هو المجنون الذي يستغني عن منصب المدير العام لهيئة الإذاعة والتليفزيون؟

-       يضحك في عبه، لقد تقلد هذا المنصب وهو دون الثلاثين..

-       لكن علينا أن نعترف .. لقد نجح في عمله بشكل لافت..

-       وهل يستغني عن النجاح  والمنصب؟

-   بل إنه يريد أن يقدم مثالاً بشخصه في تحمل المسؤولية.  ليس هو المسؤول عن هزيمة العرب، ولم يكن هو من وضع خطة الخطاب الإعلامي العربي للحرب، ولكنه يؤكد موقفاً مبدئياً، أساسه ألا أحد مبرأ من المسؤولية، وأن تحمل المسؤولية لا يعني كلمة تقال بل لا بد من ثمن ملموس..

-   هكذا افتتحت معرفتي بعبد الله الحوراني، من غير أن أنسى طرفة على لسان الشاعر محمد الماغوط، هي أنه سيكون سعيداً بتحرير فلسطين، لا حباً بفلسطين بل للتخلص من عبد الحوراني وصرامته في إدارة الإذاعة والتليفزيون. فقد يعود إلى بلاده ونستريح.

     فمن هو هذا الذي تقلد أعلى المناصب وهو في مقتبل العمر، واستطاع أن يقود المؤسسة بحسم يشكو من صرامته كبار المثقفين، ثم استقال لأسباب مبدئية لا تمسّ تاريخه النضالي؟  بل تعززه وتتحول إلى رصيد له سمعة وأخلاقاً؟

-2-

سينتقل أبو منيف بعد ذلك  إلى معهد الإعداد الإعلامي مديراً.  ثم يتولى تحرير مجلة "الطلائع" الأسبوعية الناطقة باسم منظمة الصاعقة.  وخلال صيف 1970 ، عندما وافق الرئيس الراحل جمال عبد الناصر على مبادرة وزير الخارجية الأمريكي وليم روجرز، قامت قيامة الفصائل الفلسطينية، وبولغ بالتنديد والقذف والتطاول، حتى إن إحدى المنظمات وضعت بالمقلوب، مجسماً يمثل الزعيم عبد الناصر على ظهر حمار وانتهت بإحراق المجسم في شارع السلط بعمان.   كان عبد الناصر يريد أن يشتري الوقت، فهو مشغول بتجهيز منصة الصواريخ الاستراتيجية التي كان لها أثر إيجابي بعد وفاته، في حرب 1973.  ولهذا كان معنياً بعدم توتير المنطقة وهذا سبب موافقته على المبادرة التي أغضبت الفصائل الفلسطينية إلا استثناءات نادرة مثل موقف أحمد زعرور رئيس منظمة فلسطين العربية.  ود. عصام السرطاوي رئيس الهيئة العاملة لدعم الثورة، و... عبد الله الحوراني الذي انفرد بكتابة افتتاحية مثيرة لمجلة الطلائع بعنوان "التناقض الرئيس لم يتغير ، وعبد الناصر مازال قائداً لحركة التحرير العربي"، وهي مقالة عقلانية دعت إلى قراءة سياسة الرئيس عبد الناصر في سياقها التاريخي المتصادم مع الاستعمار .  ويمكن القول إن هذا الموقف – الذي كان رمزياً بسبب تيار الرفض الجارف يومذاك – هو الموقف الوحيد الذي تطابق مع رؤية المفكر العربي د. الياس مرقص الذي اعتبر الصراع المفتعل مع عبد الناصر يعني إنهاء الوضع العلني للفدائيين في الأردن.  فعبد الناصر كان الغطاء، والتخلي المجاني عنه يعني الانكشاف حتى التعري والفضيحة. وقد تداركت فصائل المقاومة موقفها سريعاً، وذهبت لمصالحة عبد الناصر . ويومها كتب عبد الله الحوراني مقالة أخرى بعنوان "لا يصح إلا الصحيح".

من أغرب الأمور أن من غضب على عبد الله الحوراني ، لم تكن جبهة الرفض، بل يسار فتح ، وهو اصطلاح كان يطلقه المراقبون على المثقفين الفتحويين الذين كانوا يعملون في الإعلام والتعبئة غالباً.  حتى أن هؤلاء  أعلنوا ما يشبه الإضراب احتجاجاً على تكليف عبد الله الحوراني بقيادة الإعلام الفلسطيني الموحد بعد استشهاد كمال عدوان وكمال ناصر.

وكان هناك فتى – لا هو في العير ولا في النفير عام 1974- يرى أن الاعتراض على أبي منيف كان خسارة على كل مستوى.  ذلك الفتى هو أنا...

-3- 

حين اجتاح العدو لبنان عام 1982.  كان أبو منيف في دمشق مديراً عاماً بصلاحية عضو لجنة تنفيذية ، على رأس عمله في دائرة الإعلام والثقافة الفلسطينية.  هو صاحب مبادرة .  فكان يدعو إلى اجتماع دائم للشخصيات الوطنية الفلسطينية الموجودة في دمشق. وقد اجتمعوا إلى الرئيس حافظ الأسد غير مرة.  وكان أقل ما يقال إن هذه الاجتماعات قد حاولت تخفيف حدة التوتر المفتعل بين الأسد وأبي عمار.

حين خرج الفلسطينيون من لبنان، ووقعت جريمة الانشقاق في فتح، قام أبو منيف بخطوة دراماتيكية على مسؤوليته الخاصة، فقد قفز إلى تونس للالتحاق بالأخ أبي عمار مع أنه لم يكن يوماً عضواً في فتح.  وقد تفهَّم هذه الخطوة وقدَّرَها الأخ أبو مازن كثيراً، وتعمقت صداقته مع أبي منيف.

كان معظم السياسيين والمراقبين يتوقعون انتخاب عبد الله الحوراني لعضوية اللجنة التنفيذية، في المجلس الوطني الذي احتضنته العاصمة الأردنية عام 1984.  لكن ذلك لم يحصل .  ومن الصعب ألا يقال إن أبا منيف لم يكن مخذولاً من هذا الإجحاف، لكنه واصل أداءه بإيقاعه المعتاد.  نائباً لعضو غير موجود في اللجنة التنفيذية، وحين عقد المجلس الوطني التوحيدي في الجزائر ، عام 1987، كنت عنده في المبيت المخصص له، عندما دخل الأخ الشهيد أبو جهاد فجأة معلناً: مبروك، أنت منذ اليوم عضو في اللجنة التنفيذية..

ولم يكن سراً أن أبا جهاد هو الذي اعترض على إشراكه في اللجنة خلال مؤتمر عمان.  ولم يتغير أداء عبد الله الحوراني إلا بما أعطاه موقعه الجديد من دفع وقوة.  وهذه هي الفترة الذهبية (1987-1994) في التعاون بيننا من خلال دائرة الثقافة في المنظمة، إلى أن استقال بعد معاهدة أوسلو. على أن اعتراضه على أوسلو، لا يعني عدم استجابته لحق العودة.  فقد عاد مع من عادوا إلى الجزء المتاح لنا من الوطن.  وبعد فترة عينه الأخ الشهيد أبو عمار مستشاراً بمرتبة وزير.  فأبدى اهتماماً مضاعفاً بشأن حق اللاجئين في العودة وحقوقهم المدنية، وترأس ، إلى الآن ، المجلس القومي للدراسات والتوثيق.

في التجربة الثقافية

في اللحظة التي تقلد فيها أبو منيف مهمة المدير العام لدائرة الثقافة والإعلام ، أخذ طابعه المهني وضع وزير الثقافة، فمد يده للتعاون مع المثقفين الفلسطينيين، داخل فلسطين: إميل حبيبي ، سميح القاسم ، توفيق زياد، سلمان ناطور، أنطوان شلحت .. وغيرهم.. ومن خارج فلسطين : محمود درويش، يحيى يخلف، رشاد أبو شاور، ليانة بدر ، راسم المدهون ، غسان مطر ، أحمد دحبور.. وغيرهم.  وأسس علاقة متميزة مع المثقفين العرب حتى تمكن من إنجاز أسبوع المقدسات الفلسطينية في مصر، وفي القاهرة أيضاً أقام المهرجان الكبير لأيام الثقافة الفلسطينية.  كما أقام أياماً شبيهة في العاصمة الأردنية . وخلال هذه الفترة استحدث أبو منيف فكرة وسام القدس للثقافة والفنون والآداب.  وقد استجاب الأخ أبو عمار للفكرة، ومنح الوسام لعشرات المثقفين الفلسطينيين، فكان ذلك يوماً مشهوداً في القاهرة، لا يماثله إلا يوم شبيه في عمّان.  وعلى مستوى العلاقة المباشرة تعاون مع ممدوح عدوان وفواز الساجر وهيثم حقي ومحمد ملص وسعيد حورانية وغيرهم في سورية، ومع سعد الدين وهبة وعبد الرحمن الأبنودي وأمل دنقل وأحمد عبد المعطي حجازي  وغيرهم في مصر، ومع قيس الزبيدي وجواد الأسدي وفيصل الياسري وقاسم حول ومحمود توفيق وغيرهم من العراق، ومع خالد الكركي وحسان أبي غنيمة وعدنان مدانات وغيرهم من الأردن، ومع المنصف السويسي والمنصف الوهايبي وغيرهما من تونس، وعرب لطفي من لبنان....

اتجهت أنظاره إلى المسرح ، فاكتشف أن لدينا فرقة بلا ميزانية تقريباً في الإعلام الموحد.  وبتعاونه مع جواد الأسدي أمكن إحياء هذه الفرقة فحققت أعمالاً نوعية وحصدت جوائز عربية كبيرة، كما تلقت دعوات إلى غير مكان من الوطن العربي والعالم .

والمسرح يستدعي التلفزيون، فبادر بخطوة جريئة إلى الإنتاج التلفزيوني مع أن فلسطين لم تملك شاشة صغيرة خاصة بها.  وهكذا قدمت دائرة الثقافة بإشرافه أول مسلسل فلسطيني ، وهو "بأم عيني" عن كتاب لفيليتسيا لانغر بهذا العنوان.. ومن إخراج الفلسطيني سليم موسى .  ثم كلفني بكتابة مسلسل "عز الدين القسام " الذي أخرجه هيثم حقي. وعن رواية فيصل حوراني "بير الشوم" كان المسلسل الثالث من إخراج قيسي الزبيدي.  وفيما بعد .  حين لجأنا إلى تونس، شاركنا في عدد كبير من السهرات التليفزيونية التي كان يوزعها اتحاد الإذاعات العربية دورياً على المحطات العربية، ومن هذه السهرات "وطن وهوية- يا حلالي يا مالي- أهلاً بكم غداً- موطني – على مرمى حجر" وغيرها.. وقمت بإعداد هذه السهرات جميعاً ، التي ما كان لها أن تحقق ذلك النجاح لولا المساعدة المخلصة من المذيعة الفلسطينية القديرة سعاد دباح التي تولت مهمة مذيعة الربط، وقد دعمنا النجم الكبير نور الشريف متبرعاً بالإسهام في تقديم سهرة "على مرمى حجر"..

وكان من أبرز إنجازات دائرة الثقافة، في عهد عبد الله الحوراني، إنشاء فرقة العاشقين التي ملأت الدنيا وشغلت الناس .  كان عمادها الأساس هو الموسيقي الفلسطيني حسين نازك يساعده محمد سعد ذياب ثم كان التعاون مع موسيقيين فلسطينيين وسوريين  مثل عدنان أبي الشامات ومحمد الجمل ومطيع المصري.

وكان مدرب الرقص هو الفنان السوري ميزر مارديني تساعده الفلسطينية بثينة منصور، أما المغني الأبرز فهو أبو علي حسين المنذر، وقد برز بعد ذلك محمد الهباش وأحمد الناجي وسهى دغمان وغيرهم..

وأدار أبو منيف المطابع العربية بالكتب الفلسطينية في القاهرة وتونس ودمشق وعمان التي اختصت بطباعة أعداد مجلة "بيادر" الثقافية..

أهم ما في هذه التجربة ، أن أبا منيف كان طرفاً منتجاً وليس مجرد ممول أو إداري كبير.  وما زلت أذكر السينمائيين وهم يقترحون عليه إنتاج أفلام جديدة الفكرة ، مثل "المنام" الذي قدمه محمد ملص، و"البوابة الفوقا" التي قدمتها  عرب لطفي، و"الناطور" – وهو أول محاولة روائية وإن كانت قصيرة- لمحمد توفيق ، وكان يعقد الاجتماعات الطويلة ، يناقش في كل شيء، من الفكرة إلى الكلفة، وما كان ليستريح حتى يتحول المشروع إلى فيلم سينمائي.  وكان هذا شأنه في مختلف حقول الإنتاج الثقافي..

ليس هذا تأريخاً لتجربة، ولا جرداً لحصيلة مشروع.. إنه نوع من الشهادة على قائد ثقافي ، إذا جاز التعبير ، نذر نفسه للمشروع الثقافي الفلسطيني ... وحين وجد نفسه خارج المشهد الرسمي لم يتقاعد، بل راح يجالد ويكابد ويجاهد، بعناد نادر وتفاؤل لا نهائي بمستقبل فلسطين.

* * *

 


موقع عبد الله الحوراني
حقوق الطبع محفوظة