|
|
|
|
|
رسـائل حـب إلى صـدام حسـين (2) لك المجـد ... ولهم العـار عـبد الله الحـوراني ألقوا القيود على القيود فالقيد أوهى من زنودي لي من هوى شعبي ومن حب الكفاح ، ومن صمودي عزم .... تسعَّر في دمي
ناراً على الخطب الشديد .
الأخ والرفيق والصديق / الرئيس صدام حسين ليتك تدري أيها العزيز مدى ما يحتله طيفك من مساحة ، وزمن ، في قلوبنا وتفكيرنا، حباً فيك ، وشوقاً إليك ، وقلقاً عليك . وصدقني أيها الحبيب أنني ما مددت يدي إلى طعام إلا وتذكرتك كيف وماذا تأكل ، فتصد النفس وتعاف طعامها وشرابها . وما أويت إلى فراش إلا وتساءَلت كيف تقر عيني أو تهجع وأنت فيما أنت فيه ، فيجفوها النوم ويسهدها الأرق. وما طاف ظل ابتسامة على شفتي إلا وكتمتها وحاسبت نفسي كيف لي أن يغشاني السرور وأنت تؤسيك قيود الخونة والعملاء والمحتلين ، ورؤيتهم يدنسون ثرى العراق الطهور. وهذه ليست حالي وحدي ، بل هي حال الملايين من محبيك . الذين لا يستطيعون أيصال مشاعرهم إليك . لكنك لو استفتيت قلبك ، وقلب المؤمن دليله ـ وأنت الصادق الإيمان ـ لهداك إلى هذه المشاعر ، ولأحسست بها ، فيكون لك في ذلك بعض السلوى، ويكون لنا بعض العزاء. وهنا أستذكر حكاية رويتها لك في أحد لقاءاتنا في السنوات الأخيرة ـ حين كنت تستفسرني عن أحوال أهلك في فلسطين ـ لعلها تمر في خاطرك الآن ، فتدخل إلى قلبك المحزون بعض الراحة والاطمئنان . (( كانت إحدى المخرجات الأجنبيات تعد فيلما وثائقيا عن أحوال أطفال فلسطين ، وتصوره في مخيمات قطاع غزة ، فزارت أحد المستشفيات حيث يرقد العديد من الأطفال المرضى والجرحى . اقتربت من أحدهم ولم يكن يتجاوز العاشرة من عمره . وسألته عن حاجاته وأمنياته، لتخلق حواراً معه توثقه في فيلمها عن معاناة أطفال فلسطين واحتياجاتهم ، فأدهشها ما قاله الطفل حين لم يطلب لعبة أو هدية أو لباساً ، أو حتى علاجاً . بل قال لها : "إن أمنيتي أن أرى صدام حسين" )). سجلت ذلك في فيلمها وهي تتساءَل: ماذا فعل لكم هذا الرجل حتى يصل حبه إلى قلوب أطفالكم العليلة ، ويرون في مشاهدته شفاء لها. ولا أنسى كيف جاشت مشاعرك ، واغرورقت عيناك بالدموع، وأنت تدعو الله أن يمكنك من الوفاء لتطلعات هؤلاء الأطفال ومستقبلهم. هكذا كنتَ يا أبا عدي في عيوننا وعيون أطفالنا ، وهكذا أنت . وهكذا ستبقى إلى الأبد، وإلى أن يخلدك التاريخ في سفر العظماء . فلك المجد … ولأعدائك العار . à عودتك إلى بغداد … ورحيلي إلى المجهول بعد لقائنا الأول ، تواصلت لقاءاتنا على مدى سنتين تعززت فيهما العلاقة وتجاوزت الارتباط الحزبي ، ووصلت إلى نوع من الصداقة والمحبة . لكن هذه العلاقة الوليدة لم يكتب لها أن تتواصل وتستمر في ذلك الوقت ، فقد داهمتها لحظة الفراق . كان ذلك في ليلة قاهرية باردة من أواسط شباط (فبراير) 1963، في شقتك التي تقيم فيها في شارع عبد العزيز سعود بالمنيل . كنت تعد نفسك للعودة إلى بغداد ، بعد أن تمكن الحزب من إسقاط نظام عبد الكريم قاسم ، واستلام السلطة اثر قيامه بثورة الرابع عشر من رمضان (الثامن من شباط 1963) . كان الحماس يملأ قلبك ، والأحلام تكاد تطير بك ، وشعورك بالاعتزاز والفخر لا يوصف . فهاهي نضالات الحزب ، وبطولات مناضليه وتضحياتهم ـ وأنت منهم ـ قد أثمرت، وها هي سنوات التشرد والنفي قد انتهت ، وهاهي لحظة العودة إلى الوطن وبدء مرحلة البناء قد أزفت . منذ تلك الليلة لم نلتق إلا بعد ستة عشر عاماً . وخلال هذه السنوات الطويلة ، جرت أحداث وأحداث جسام في المنطقة عموماً وفي العراق وفلسطين ، وكما يقال "سالت مياه كثيرة في نهر الحياة العربية" ، أو بالأحرى سالت دماء كثيرة ، وليس هذا مجال سردها أو ذكرها. أما على الصعيد الشخصي، فكل ما عرفته عنك ـ وبالسماع فقط ، لأننا لم نلتق ـ أنك، بعد الانقلاب على حكم الحزب في العراق في الثامن عشر من تشرين الثاني عام 1963 ، وماجرى من خلافات وانقسامات داخل الحزب على المستوى القطري العراقي ، والمستوى القومي ، عدت إلى حياة العمل السري ، وأوكلت لك ، ولعدد من رفاقك الذين استمروا معك لاحقاً ، مهمة إعادة تنظيم الحزب ، واستعادته لدوره النضالي في حياة العراق . وأنك نتيجة لذلك، تعرضت لحياة الاعتقال والهرب والتخفي ، حتى نجحت جهودك ورفاقك في إعادة الحزب إلى دوره القيادي في العراق ، وتمكينه من استلام السلطة من خلال ثورة 17 – 30 من تموز (يوليو) 1968 ، وتوليت موقع نائب رئيس مجلس قيادة الثورة ونائب رئيس الجمهورية. وأنا هنا أعتذر لك لأنني اختصر هذه المرحلة الخصبة والصعبة من تاريخك وتاريخ العراق في رواية لا تتجاوز السطور . وعذري هو أنني لا أعرفها بتفاصيلها الدقيقة ، لأنني لم أشارك فيها ، ولم أعرف منك ما جرى خلالها . ولأني لا أقوم هنا بدور المؤرخ لسيرتك ولمسيرة العراق ، وهناك من هو أقدر مني على ذلك . وأنا في هذه الرسالة التي أوجهها إليك لا أفعل أكثر من نقل مشاعر وأحاسيس صادقة أحملها لك كما يحملها ملايين غيري . مشاعر ولدتها عندي مواقفك الوطنية والقومية التي عرفتها منك وفيك عن قرب . كما يشفع لي أن هذه الفترة ذاتها كانت مرحلة عاصفة في حياتي ، وألقت بي دروب المنفى فيها إلى مسالك وعرة . فقد عدت أنت إلى أرضك وبلدك . أما أنا فكانت أرضي مغتصبة ، والجزء الصغير المتبقي من بلدي المسمى قطاع غزة لم نكن نملك فيه حريتنا واستقلالنا . (ولا أريد أن أدخل في تفاصيل ما جرى معي خلال تلك السنوات التي انقطعتها عنك ، لأن هذا ليس مجاله) لكني أختصر فأقول : إنه لم تكد تمضي سبعة شهور على وداعنا في القاهرة حتى أبعدت أنا وعائلتي ، تحت الحراسة ، مطروداً من القطاع إلى المجهول . وكان المجهول هذا هو إمارة دبي التي كانت وقتها تحت الانتداب البريطاني . ولم يطل بي لمقام ، حيث اعتقلت وأبعدت بعد أقل من عامين ، واستقر بي المقام في دمشق . وكانت لي هناك تجربة فيها حلوها ومرها ، وانتهت بتركي الحزب أواخر عام 1967، والتحاقي بعد فترة بمنظمة التحرير الفلسطينية . à تجدد اللقاء عام 1979 عقد في بغداد في ربيع ذلك العام مؤتمر وزراء الإعلام العرب وكنت حينها نائبا لرئيس دائرة الإعلام والثقافة في منظمة التحرير ، ورئيساً لوفد فلسطين في المؤتمر . أما أنت فكنت من أنت . نائبا لرئيس مجلس قيادة الثورة ، ولرئيس الجمهورية ، والقائد الذي يتحدث عنه الجميع ، شخصية بارزة ، ومكانة مرموقة ، ودوراً فاعلاً ومؤثراً . والعراق في عنفوانه قوة ، وثروة ، واستقراراً ، وبناءً ، وتطلعاً نحو المستقبل العربي الموعود . في أعقاب إحدى الجلسات المسائية لمؤتمر وزراء الإعلام العرب أبلغ الوزراء ورؤساء الوفود بأن هناك مسؤولاً كبيراً سيزورهم للترحيب بهم . ونقلنا إلى صالون فسيح له شكل المستطيل، وجلسنا في انتظار الزائر. كان اهتمام المضيفين والمرافقين بالترتيبات والنظام ، وحركتهم الدائمة ، والاتصالات التي يجرونها عبر أجهزتهم اللاسلكية ، توحي بأهمية الزائر ومكانته العالية، مما يوحي بأن القادم هو رئيس الجمهورية . وفجأةً كان دخولك بقوامك الفاره الرشيق ، وأناقتك المعهودة ، وعباءَة عربية سوداء ملقاة على كتفك . كان مكاني في منتصف الوزراء ورؤساء الوفود تقريباً. وحين بدأت مصافحة الضيوف والترحيب بهم ، راحت مخيلتي تتساءَل : ترى هل يتذكرني؟ أم أن سنوات البعاد الطويلة ، والأحداث والتغيرات الهامة التي شهدتها ، والمسؤوليات الجسام التي يتولاها ، قد تكون أنسته ما كان بيننا في ذلك العهد البعيد ؟ ولم أخرج من هذه التساؤلات إلا حين ضمتني ذراعاك معانقاً إياي وحدي من بين كل الضيوف، مؤهلاً بي ومرحباً بلهجتك العراقية الجميلة هلا عبد الله ، هلا أبو نجم . (وهذا اللقب لا يقترن باسم عبد الله إلا لدى العراقيين) . عندها أدركت أن الوفاء للمناضلين هي من شيمك العربية الأصيلة . ولم تكتف بما خصصتني به من ترحيب متميز ، إذ بعد أن انتهيت من مصافحة بقية الضيوف ، التفت نحوي وأمسكت بيدي وأنت تسير مع ضيوفك نحو مائدة العشاء التي أعدت لهم ، وحرصت أن تجلسني إلى جانبك على المائدة ليتواصل بيننا الحديث . ونظراً لأهمية ذلك الحديث، الذي برزت أثاره ونتائجه على مدى سنوات طويلة ، امتدت منذ ذلك الوقت حتى اليوم حيث أصبحت أكثر وضوحاً ، أرى أن أقدم له بعرض صورة الأفكار التي كنت أحملها في ذلك الوقت . كان الكثير من أصحاب الفكر القومي ، أمثالي ، وبخاصة أولئك الذين لم يعودوا ينضوون تحت إطار تنظيمي قومي ، نظراً لفشل تجربتهم مع أحزابهم ، قد استهوتهم الأفكار الماركسية والتقدمية، وتعززت علاقاتهم مع الأحزاب الشيوعية واليسارية العربية، وأصبحت رؤية هذه الأحزاب وأحكامها تشكل مصدراً هاماً في تقييماتنا الفكرية والسياسية لمواقف الأنظمة العربية ، ولها تأثير هام حتى في أحكامنا على تجربتنا مع أحزابنا القومية ، وقد تكون تجربة الحزب ونظامه في العراق ، هي أكثر التجارب التي تعرضت لأحكامنا القاسية. وقد عزز هذه الأحكام عاملان أولهما : أن ما كان يجري في العراق من نمو وتطور وإنجازات كان غائباً عنا ولا يصلنا منه شيء ، خاصة نحن المقيمين والعاملين بين دمشق وبيروت . وإذا وصل منه شيء يصل مشوهاً ، وينقله أناس غير أمناء ولهم أغراضهم الخاصة ( وبالطبع لم نكن وقتها نعي هذا التشويه ) . وثانيهما : أن بيروت ودمشق كانتا تعجان بالعديد من العراقيين الذين قيل إنهم هاربون من بطش النظام في العراق . وكلهم من قيادات وكوادر وعناصر الحزب الشيوعي العراقي . ووقتها استوعبت منظمة التحرير الفلسطينية ، وفصائلها العديد منهم في مؤسساتها الإعلامية والثقافية ، وقدمت مساعدات مالية كبيرة لأعداد أخرى منهم . وكان لدائرة الإعلام والثقافة التي أتولى ، تقريبا، مسؤوليتها الأولى حصة غير قليلة من هذه العناصر في مجال الفنون والثقافة . وقد ساهم هؤلاء جميعا في تكوين فكرة سلبية قاسية ، لدي ، ولدى غيري ، عما يجري في العراق . لم ندقق حينها فيما كان يقال لنا ، بل أخذناه ـ للأسف الشديد ـ كمسلمات . كما يهمني هنا أن أشير إلى تحوط آخر فاتنا التدقيق فيه . إذ ربما لو تنبهنا له وقته ، لما وقعنا في خطأ تلك الأحكام التي تبنيناها، ولكنا فهمنا في وقت مبكر ، جانباً كبيراً مما يجري في العراق الآن وطبيعة الذين تعاونوا مع العدوان الإنجلو ـ أمريكي الصهيوني على العراق ، ويشكلون اليوم جزءً من أدوات احتلاله . فلأننا قوميون منفتحون على كل القوميات والمذاهب ، لم نتوقف ولم نسأل عن أي انتماءات قومية أو مذهبية أخرى يخفيها هؤلاء تحت غطاء انتمائهم الحزبي ، ولم نكن نعرف أن اعتناقهم الماركسية لسنوات طويلة لم يخفف من غلوائهم القومي والمذهبي . على خلفية هذه الأفكار المشوشة في ذهني بدأت حديثي معك . وأعترف أني كنت غير لبق عندما بادرتك بالقول : إن ما يجري في العراق غير مفهوم ، وغير مقبول . وبحس القائد الذي يدرك طبيعة محدثه، والبيئة المحيطة به ، والمؤثرات التي قد يكون خضع لها ، أدركت ما أعنيه بقولي ، فجاء جوابك فورياً ومباشراً : "إنهم لا يريدون أن يخرجوا من الجبهة الوطنية، ونحن ليست لدينا رغبة أو نية في إخراجهم". وكان واضحاً من الجواب أن المقصود بذلك هو الحزب الشيوعي العراقي ، وعضويته في الجبهة الوطنية التي تضم العديد من الأحزاب الوطنية والقومية والكردية في العراق . ثم استرسلت في الحديث قائلا : إننا لم نقص أي واحد من قياداتهم أو كوادرهم أو أعضائهم من موقعه أو وظيفته ، ولكنهم اختاروا الخروج بهذه الأعداد الكبيرة التي باتت تملأ شوارع دمشق وبيروت وعواصم البلدان الاشتراكية، ولا هم لهم إلا انتقاد الحكم في العراق والتحريض عليه ، وهذا دليل على أنهم ربما كانوا يخططون لشيء ويخشون انكشاف أمرهم ، وأنهم أصدروا تعليماتهم لعناصرهم بمغادرة العراق دون أن يكون أحدهم مطلوباً أو مطارداً . ثم سألتني ألم تدقق في الهوية القومية لمعظم تلك الشخصيات القيادية منهم التي التقيتها ؟، الم تلاحظ أن أطروحاتهم تركز على الاضطهاد القومي العربي لإخواننا الأكراد ؟ ألم تتحسس نفساً طائفياً مصطنعاً في أحاديثهم ، في الوقت الذي يفخر العراق بوحدته الوطنية والقومية ، وبانتمائه العربي الذي تنصهر فيه وتؤمن به ، كل المذاهب والطوائف ، ولا تسمح لأي انتماء بأن يعلو عليه؟ . فاجأتني هذه التساؤلات، فساءَلت نفسي كيف لم انتبه لهذه التفاصيل والخلفيات !!! فأجابتني أنها جديدة عليها وعليَّ ... كان العشاء قد انتهى ، وحين ودعت ضيوفك استبقيتني لإكمال الحديث، ومضيت فيه قائلاً : ماذا يريد هؤلاء ؟ إن كانوا تقدميين حقيقيين ، فقد حقق العراق على طريق التقدم والتطور والإصلاح ، والارتقاء بمستوى المواطن العراقي الصحي والتعليمي والدخل الفردي ما لم يتحقق لأي مواطن في العالم العربي والعالم الثالث ، بل وربما في بعض بلدان العالم المتقدم. لقد كان لنا شرف السبق ، في الوطن العربي والعالم الثالث ، في تأميم النفط ، وكان ذلك في وقت مبكر من استلامنا الحكم (عام 1972) . وأوقفنا النهب الاستعماري لثروتنا الوطنية ، وارتفع الإيراد النفطي العراقي من حوالي 850 مليون دولار في السنة قبل التأميم إلى ما يقرب 25 مليار دولار سنويا الآن . وأقمنا من المشاريع التنموية والصناعية ما مكننا من استيعاب كل عراقي قادر على العمل في إطار هذه المشاريع الإنتاجية ، وارتفع دخل الفرد العراقي الآن إلى ما يفوق دخل المواطن في دول الخليج المجاورة ذات المدخول النفطي الهائل والعدد السكاني المحدود . وأقمنا نظاماً تعليميا متقدماً حصل من خلاله الطالب العراقي وفي كل مراحل التعليم على كل مقومات المعرفة والنجاح من حيث المناهج المتطورة ، والمختبرات العلمية ، وحتى الغذاء والكساء ، وتأهيل المدرسين . مما دفع بالمنظمة الدولية للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو) إلى الاعتراف بالمستوى المتقدم لهذا النظام الذي يرتقي إلى مستوى أنظمة التعليم في دول أوروبية . وها قد بدأنا في جني ثمار ذلك أجيالاً من المتخصصين العراقيين في مختلف المجالات العلمية التخطيطية والتطبيقية . ولمزيد من التقدم ، أولينا قضايا البحث العلمي اهتماماً خاصاً ، بحيث وضعنا بتصرف مراكز البحث ما يقارب الـ 500 مليون دولار سنوياً، وهو ما يشكل عشرات أضعاف ـ إن لم يكن أكثر ـ ما يخصص للبحث العلمي في كل الدول العربية مجتمعة ، ويفوق ما يخصص لهذا الغرض في العديد من بلدان العالم المتقدم . كنت أستمع إليك في ذهول ، مبهوراً بالمعلومات والإنجازات التي أسمعها وأعرف عنها لأول مرة ، وبالتفاصيل والأرقام التي توردها ، وبالحماس الذي يملؤك وأنت تتحدث عنها ، مما عزز لدي ما كنت أعرفه ومازلت أتذكره عن سماتك القيادية . وها أنا أتأكد أن هذه السمات لا تقف عند الجوانب النضالية السياسية ، بل تتكشف لي قدراتك على التخطيط والبناء والمتابعة ، وأنك بالفعل بدأت ، وخطوت خطوات متقدمة ، في التأسيس للمشروع النهضوي القومي العربي الذي تؤمن به ، والذي سيكون العراق منطلقاً له . كأنك أدركت معنى انتباهي وما أفكر فيه ، فواصلت حديثك . ولم يفتنا تعليم الكبار ، فوضعنا برنامجاً شاملاً لمحو الأمية منذ أوائل السبعينات ، سخرنا له إمكانيات كبيرة ، وأشركنا فيه كل مؤسسات الدولة المعنية ، ونحن نقترب اليوم من القضاء نهائيا على الأمية ، وهو ما أثنت عليه منظمة اليونسكو، واعتبرته نموذجاً يمكن أن يحتذى في كل الدول النامية . أما نظامنا الصحي الذي وضعناه فهو أيضاً من أرقى الأنظمة ، وأكثرها خدمة للمواطنين ، من حيث مجانية العلاج ، وتوفير الدواء عن طريق تصنيعه بالدرجة الأولى ، وبناء المستشفيات وتجهيزها ، وتأهيل أجيال من الأخصائيين في كل فروع الطب ، بدءً من إعدادهم في كليات الطب الوطنية إلى توفير كل وسائل البحث والمختبرات لهم محلياً ، إلى إرسالهم للتخصص في أرقى جامعات ومستشفيات العالم . وفي مجالي الصناعة والزراعة ، وضعنا خططنا على أساس أن نصنع وننتج كل احتياجاتنا ، وأن نحقق الاكتفاء الذاتي في كل المجالات ، ونحن نتخذ من تجربتي اليابان وألمانيا مثلاً نضعه نصب أعيننا ، دون أن نعتمد على مشاريع ومعونات أمريكية كتلك التي رصدت في أعقاب الحرب العالمية الثانية لتنمية تينك البلدين ، بل سنعتمد إن شاء الله على ثرواتنا الوطنية وتنميتها . ولذلك بدأنا التأسيس لهذه النهضة الصناعية ، والزراعية لاحقاً بإعداد أجيال من العلماء والاختصاصين والفنيين . وقد أدهشتني حين أضفت إن دقة التخطيط والتحضير لهذا الهدف وصلت إلى حد أن مشاريع الدراسات العليا للماجستير والدكتوراه في مختلف المجالات العلمية والتقنية لا تتم جزافا ، ولا تترك لاختيارات أصحابها ، وإنما هناك لجنة فنية عليا من مختلف وزارات الدولة هي التي تحدد نوع البحث والدراسة ، وفق حاجة الدولة لتطوير هذا الجانب أو ذاك من فروع المعرفة . وفي مجال الثقافة والإبداعات الفنية ، وإحياء تراث العراق وتطويره، والتنقيب عن آثاره، ورعايتها، يشهد العراق نهضة لم يعرفها منذ العصر العباسي في أيام زهوه . وأختم ذكرياتي عن تلك الليلة ، بحديثك عن اتفاق الحكم الذاتي لمنطقة كردستان العراق الذي بدأ تطبيقه منذ عام 1975 . قلت لي إنك كنت تعرف أن ذلك سيستفز جيران العراق الإقليميين في تركيا وإيران ، وسيزيد من تآمرهم . فحين يتمتع أكراد العراق بكامل حقوقهم الثقافية والقومية من اعتماد لغتهم كلغة قومية رسمية ثانية في العراق، وتنشأ لهم جامعاتهم الخاصة ، ومحطاتهم الإذاعية والتليفزيونية ، وصحفهم ، ومجلاتهم ودورهم الثقافية ، ومعاهد الاختصاص بتراثهم ، وتوضع خطط التنمية لمناطقهم كباقي مناطق العراق . ولهم حكومتهم الإقليمية وبرلمانهم التي تدير شؤونهم ، بالإضافة إلى حصتهم في الحكومة والبرلمان المركزيين ، بما في ذلك منصب نائب رئيس الجمهورية ... . فإن كل ذلك سيعتبر في نظر الجارين الشمالي والشرقي تحفيزا لأكراد تركيا وإيران للمطالبة بمثل هذه الحقوق التي يحرمون من أي منها في بلدانهم ، ويعاقبون على مجرد التحدث بلغتهم . لكن كل هذه المخاطر المتوقعة لم تمنعك من الإقدام على هذه الخطوة التي اعتبرت نقلة نوعية في تاريخ المنطقة العربية والإقليمية ، وتعبيراً جديداً عن مفاهيم الوحدة الوطنية داخل كل قطر . وأعطت بعداً تقدمياً للقومية العربية منفتحا على القوميات الأخرى ، ردت به على كل المشككين بها ، ومتهميها بالانغلاق والشوفينية . حين ودعتك تلك الليلة يا أباعدي لم أنم . فرحاً وزهواً بما سمعت ، وأملاً بمستقبل عربي مشرق ترسى لبناته في العراق . وخوفاً عليك وعلى العراق . لأن هذا الذي حدثتني عنه، والذي تمضي على طريقه بكل العزم والإصرار والإيمان الذي تحمله ، كفيل بأن يحشد كل أعداء العراق والأمة الإقليميين والدوليين لإجهاضه . وقد تبين لاحقاً أن تلك الحملات التحريضية المبكرة التي يشنها أولئك "الخارجون على العراق " ، وتفتح لهم أبواب العواصم الإقليمية ، العربية منها وغير العربية ، والعواصم الغربية ، إلا مقدمات لما جرى للعراق وضده منذ أوائل الثمانينات حتى اليوم . لكن النبت الطيب الذي زرعته ، أيها الحبيب ، في تربة العراق ، وفي أرض هذه الأمة طيلة تلك السنوات ، قد ضربت جذوره عميقاً في هذه الأرض الطيبة ، ولن يستطيع كل أعداء وعملاء الداخل والخارج أن يقتلعوه ، وهاهو يورق ويزهر من جديد في أرض الرافدين ، وعما قريب ، إن شاء الله ، ستنضج ثماره . فلك المجد يا أبا عدي ... ولأعدائك العار .
|
موقع عبد الله الحوراني
حقوق الطبع محفوظة