Abdullah  Al-Hourani

 

 

رسـائل حـب إلى..... صـدام حسـين (5)

لك المجـد ... ولهم العـار

 عـبد الله الحـوراني

الأخ الحبيب / الرئيس صدام حسين .

في ذكرى ميلادك الثامن والستين نخاطبك ، ونناديك ، مكررين ما قلناه ونقوله فيك وعنك دوماً :

·           يا شموخ النخيل في أرض الرافدين .

·          يا دفق الفراتين ، وخيرهما .

·    يا قنديلاً لا ينطفئ نوره ، لأن زيته من شجرة الزيتون التي باركها الله في كتابه العزيز، وكرَّم بها وديان الأرض العربية وجبالها فملأها بها .

·          يا فخر الجماهير العربية ، وعنوان عزتها وكرامتها .

·          يا من تحولت كلماته ونداءاته حمماً تحرق الغزاة والمحتلين في العراق وفلسطين .

·          يا قدوة لكل حملة المبادئ والرسالات المؤمنين بانتصارها .

·          يا من يؤرق طيفه وذكره كل الخونة والعملاء ، ويقض مضاجعهم ، ويطيل ليلهم الحالك .

·    يا حلماً وردياً يملأ مخيلات الأطفال في فلسطين والعراق ، وفي كل أرض العرب ، فتزهو أمانيهم بمستقبل وعدتهم به ، ووعدوك أن يحملوا طموحهم إليه حتى يحققوه .  

في ذكرى ميلادك أيها الحبيب ، نتذكر ما آمنت به دوماً من أن الله ، سبحانه وتعالى ، حين كرّم أمة العرب ، وخصها بحمل رسالة الهدى والنور للبشرية جمعاء، وبعث فيها ، ومنها ، نبيه العربي الكريم ، لنشر قيم الخير والحق والعدل ، وتحرير الإنسانية من العبودية . كان يرى أن أمة العرب أهل لحمل رسالته ، وقد وصفها في كتابه العزيز بأنها خير أمة أخرجت للناس .

ومن جانبها سعت الأمة أن تكون جديرة بما حملها الله إياها ، ووفية لما جاءها به مبعوث الهدى نبيه الكريم ، فاجتهدَت أن تنجب من الرجال القادة من هم قادرون على نشر رسالة الحق والعدل في الأرض ، وبناء الحضارة العربية ، فكان أولئك الرجال القادة الذين حملوا راية الفتح من مشرق الأرض إلى مغربها ، ثم كان أولئك الرجال القادة الذين صنعوا عصر النهضة العلمية العربية في مختلف الميادين ، وأضاءوا بنور المعرفة العربية ظلمات الكون ، ثم كان أولئك الرجال القادة الذين تصدوا لقوى الغزو الخارجية ، القادمة من الشرق أو الغرب ، الطامعة في أرض العرب ، والحاقدة على رسالتهم وحضارتهم . ونجح هؤلاء القادة في استنهاض الأمة وتوحيد أقطارها ، وتمكينها من دحر الغزاة وهزيمتهم .

لم يأت هؤلاء القادة العظام ، صناع التاريخ ، بالصدفة ، ولا كانوا أناساً عاديين، بل جاءوا من رحم معاناة الأمة وأزماتها . وكان اختيار القدر لهم عن علم ومعرفة بإمكاناتهم وقدراتهم على تحمل هذه المسؤوليات الجسام ، بل هو من هيأهم لذلك، ووضع فيهم سمات الرجال العظماء .

من هذا الرحم ولدت أيها الحبيب ، ولهذه المسؤوليات القومية والرسالة التاريخية ندبت، وبأقسى المحن اختبرت ، وبأشد الأعداء ابتليت أمتك وابتليت ، ولكنك على كل هذا الضيم صبرت ، ولكل صنوف العدوان تصديت وصمدت ، وبكل القيم والمبادئ والمثل تمسكت ، ولكل ما عاهدت الله وأبناء أمتك عليه وفيت ، وعن صغائر الأمور ترفعت ، وبكل مباهج الحياة وملذاتها استهنت ، ولم تترك مركباً صعباً ـ في سبيل رفعة هذه الأمة ورسالتها الخالدة ـ إلا ركبت ، فكان لك الحب والفخر والعز في كل بيت . وكأني بأبي الطيب المتنبي ، ابن الكوفة ، وشاعر العربية الأول، كان يقرأك في الغيب حين قال :

                على قدر أهل العزم تأتي العزائم

                                                وتأتي على قدر الكرام المكارم .

                وتعظم في عين الصغير صغارها

                                                وتصغر في عين العظيم العظائم .

*      *      *

أيها الأخ الحبيب

 في غيابك عنا ، لا أنفك عن ترديد ما قاله الشاعر الأندلسي ابن زيدون :  

بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا     v     شـوقاً إليكم ولا جفت مآقينـا.

يكاد حين تناجيكم ضمائرنا      v     يقضي علينا الأسى لولا تأسينا.

لا تحسبوا نأيكم عنا يغيرنا      v     إذ طالما غـيّر النأي المحبينـا.

وأحسب أنني لست وحدي من يردد ذلك ، فملايين القلوب والألسن تنبض بحبك ، وتلهج باسمك ، إيمانا منها برسالتك ، وتمسكاً بالقيم والمبادئ التي أخذتها عنك ، وتعلمتها منك . وكأني بغيابك هذا الذي أراده القدر ، والذي نرجو أن ـ يكون مؤقتاً ـ كان مقصوداً ، لاختبار مدى صدقنا وإخلاصنا في حمل رسالة العروبة ، والسير على الطريق الذي خططته . كأنك بغيابك أردت كشف المنافقين والمتزلفين الذين طالما تغنوا بمدحك والتقرب إليك وأنت في موقع السلطة ، ثم غيروا جلودهم وساروا في ركب الغزاة . أردت أن ترى من بقي على العهد صامداً وصادقاً لا تلين له قناه ، ولا تنكسر له إرادة ، مهما قست عليه الحياة ، ومهما تحمل من تضحيات . أردت أن تفرز بين الغث والسمين ، بين الطيب والخبيث ، لتؤكد قول الله تعالى : "أما الزبد فيذهب جفاء ، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض" . أردت أن تختبر حملة الأقلام وأصحاب الفكر ، إن كانوا أهلاً للدفاع عن الحقيقة وعن الهوية القومية العربية التي يستهدفها الغزو ، ويهدد بمحوها . أردت أن تمتحن جرأتهم في فضح العدوان على الأمة ، والتصدي له، وتوعية الأجيال العربية على أهدافه ، وتعبئتها ضده . أردت أن تكشف مصداقيتهم ، وقدرتهم على قول الحقيقة بأن النظام الوطني القومي في العراق كان على حق في كل ما قاله وفعله ، وأن أعداءَه الذين تآمروا عليه وأسقطوه ، كانوا على باطل ، سواءٌ أولئك العملاء الطائفيون الذين حملتهم الدبابات الأمريكية ، أو أولئك الذين يسمون مسئولين عرباً من الذين فتحوا السماوات والأراضي والمياه العربية أمام قوات الغزو ، وهم ليسوا أكثر من حجارة شطرنجية تلعب بها الأيادي الأمريكية والصهيونية . أو أولئك الغزاة أنفسهم الذين استهدفوا العراق ونظامه الوطني ، ومشروعه القومي ، لتدميره ، خدمة لأهداف الصهيونية ، والسيطرة على المنطقة العربية ونهب ثرواتها . أردت أن تفضح الطائفيين والمذهبيين العملاء ، وتعريهم أمام شعب العراق والأمة العربية . أردت أن تكشف الصفويين الفرس وعملاءَهم ، وأن تفضح كذب انتماءاتهم المذهبية، وأنها ليست أكثر من مطامع قومية فارسية في أرض العراق ، وثارات تاريخية ضد العرب والعروبة . وأن تفضح ادعاءاتهم الكاذبة بمعاداتهم للإمبريالية الأمريكية ، في الوقت الذي تواطئوا فيه مع الإمبريالية لضرب العراق واحتلاله ، وتقسيمه إلى عرقيات ومذهبيات ، لطمس هويته القومية العربية .

أراد القدر ، وأردت ، بغيابك أيها العزيز أن تختبر رجالك من أبناء القوات المسلحة العراقية الباسلة وفدائيي صدام ، وأعضاء الحزب ، وأصحاب الحملة الإيمانية ، الذين أعددتهم جميعا لمثل هذا اليوم ، أردت أن تؤكد بالفعل لا القول فقط ، عبر التلاحم في ميدان المقاومة، مفهوم الترابط بين العروبة والإسلام ، هذا الترابط الذي يترسخ بالدم اليوم دفاعا عن هوية العراق القومية العربية ، وعقيدته الإسلامية.

وحين رفضت المساومة ، وضحيت بالسلطة بكل مفرداتها ، واخترت طريق المقاومة متحملاً كل تبعاتها متوقعاً الشهادة ، وربما ساعياً إليها ، ـ كما فعل ولداك وحفيدك ، فنالوا رضا الله ورضاك ، وتطهروا بدمائهم الزكية من كل إثم حاول أعداؤك أن يلصقوه بهم ـ أردت أن تكرس مفهوم الحكم الوطني والحاكم الوطني . وأن تعطي درساً لحكام هذه الأمة الذين اختاروا طريق الذل والخنوع والاستسلام ، وتلطخت وجوههم بكل وصمات العار والعمالة، وأحنوا رؤوسهم ورقابهم لتذلها أحذية الغزاة الأمريكيين والصهاينة ، وكل ذلك من أجل أن يحافظوا على عروشهم وكراسي حكمهم ، وتمتعهم بنهب ثروات هذه الأمة ، حتى لو كان ذلك على حساب كرامتهم وكرامة أمتهم ، وتحت حماية حراب المحتلين وقواعدهم العسكرية.

باختيارك طريق العزة والكرامة ، لم تفضح هؤلاء الحكام وتعريهم فقط أمام أمتهم وجماهيرها ، بل أعطيت هذه الجماهير فرصة المقارنة بين ما يجب أن يكون عليه الحاكم من التصاق بإرادة هذه الأمة وحقوقها والتضحية في سبيلها ، وبين من يضحون بالأمة وأرضها وكرامتها من أجل مصالحهم الذاتية .

وإذا كان القدر قد اختار لك الاعتقال بدل الشهادة ، فربما لتثبت بشموخك في الاعتقال ، وتحديك للمحتلين وعملائهم ـ وهو ما بدا في اللحظات القليلة التي أطللت فيها على أبناء أمتك ، وهو أيضاً ما ينقله محاميك الذي يلتقيك عن موقفك الثابت على الحق والمبادئ ، وعن عزيمتك القوية التي لم تلن ، وعن معنوياتك العالية التي تتحدى الأسر والآسرين ، وهو أيضا ما يعترف به المحتلون ووسائل إعلامهم ـ ...... بذلك أراد لك القدر أن تبقى رمزاً حياً تتطلع إليه الأجيال العراقية والعربية عموماً ، وترى فيه مثلاً وعنوانا لتطلعاتها ، ومحفزاً لها للاستمرار في نضالاتها على طريق القيم والمبادئ ، تبادله رسائل الوفاء والصمود والمقاومة . وأن تراقب ، في الوقت نفسه ، وأنت في معتقلك ما يجري على أرض العراق ، وما يشهد به الناس لك ، وما يتذكرون به أيامك ، ويتطلعون إليك ، من أنك كنت صمام الأمان لوحدة العراق الوطنية ، أرضاً وشعباً ، التي يمزقها المحتلون وعملاؤهم اليوم ، وأنك من ترفَّع عن الطائفية والمذهبية والعرقية ، وأخرس كل دعاتها . وأنك من حمى هوية العراق القومية العربية ، وحافظ على تاريخ العراق العربي وتراثه الحضاري ، ومن أبقى مكانة العراق عالية بيد أبناء أمته العربية ، وبين دول العالم ، هذه الهوية التي تطمسها اليوم المذهبية الإيرانية من جهة ، والعرقية التعصبية الكردية من جهة أخرى ، لدرجة أن من نصبه الغزاة على رأس العراق اليوم ، ومن عينوه ليمثل العراق في علاقاته العربية والخارجية ، ليسا بعربيين ، ومن سموه رئيساً لوزراء العراق ليس من أصول عربية أيضاً ، وأن الدستور المؤقت الذي وضعوه للعراق لا ينص على أن العراق دولة عربية ، فكيف ستكون الدولة العراقية عضواً في الأسرة العربية ومؤسساتها الرسمية ، وبأي صفة سيحضرون اجتماعاتها، وبأي لغة ترى سوف يتحدثون ، ولأي تاريخ أو تراث ينتمون ، ولمن سيكون ولاؤهم ، وكيف سيكونون أمناء على الأمن القومي العربي ، وما الذي يمنعهم من أن يكونوا أدوات وحلفاء لإسرائيل وإيران في مطامعهما بالأرض العربية . وإذا كانوا قد خانوا العراق ، وتآمروا عليه ، وجلبوا له الاحتلال ، فكيف سيفعلون مع بقية الأراضي العربية....؟؟؟ ألف سؤال وسؤال يطرحه الناس اليوم وهم يتذكرونك ويتطلعون إليك ، أنت من بنى العراق العربي وجعله مفخرة للعرب ، وأنت من وضع قوة العراق وثروته لمساعدة كل قطر عربي تعرض لعدوان ، أو احتاج لعون مادي ، وأنك أنت من كان عقبة في وجه الطامعين بأرض العرب من فرس وأمريكان وصهاينة .

أنت من حفظت أمن العراقيين وكنت الأمان لهم . أنت من وفّر لهم مستلزمات الحياة الضرورية من مأكل ومسكن وصحة وتعليم حتى في أحلك سنوات الحصار والعدوان التي طالت أكثر من ثلاثة عشر عاماً ، أنت من صنع تاريخ العراق الحديث ، علماً وعلماء ، صحة وأطباء ، طرقاً وجسوراً ومهندسين عظماء ، أنهاراً وزراعة وصناعة وبناء ..... وكل ذلك يفتقدونه اليوم لأنهم يفتقدونك .

إن حضورك في أذهان الناس ، بكل هذا التاريخ والتراث العظيم ، وترجمة هذا الحضور بفعل مقاوم باسل على الأرض أعددت له قبل الاحتلال والاعتقال ، وتتدافع له وعليه كل القوى والجماهير من باب الوفاء للعراق والعروبة . ولك وللمبادئ التي آمنوا بها معك ، .... كل ذلك يجعل منك ، حاضراً أو غائباً كنت ، مشاركاً فيه بالممارسة العملية أو بالروح المعنوية ..... يجعل منك سوطاً مصلتاً على رقاب المحتلين وعملائهم، وطيفاً يؤرق حضوره ليلهم ، ويقض مضاجعهم ، ويزيد من بلبلتهم وحيرتهم ، ويدفع العملاء للاختباء في جحورهم ، ويضاعف من خسائر المحتلين المادية ، ويضعف من روحهم المعنوية ، حتى باتوا لا يدرون ماذا يفعلون ، ولا كيف يخرجون من المأزق الذي وضعوا أنفسهم فيه ، والمصيدة التي نصبتها أنت وشعبك وجيشك وحزبك لهم ، حين أعلنت في الأيام الأولى للعدوان أن العراق سيكون مقبرة للغزاة .

...... فلك المجد أيها العزيز ...... ولأعدائك من الخونة والساقطين والمستسلمين الخزي والعار .

 

أيها الأخ الرئيس :

أبلغنا محاميك بعد لقائه الأخير بك ، أنك تسأل عنا وتستفسر عن أحوالنا ، نحن أصدقاؤك ورفاقك ومحبوك ، نحن المؤمنون برسالة هذه الأمة ودورها الحضاري والإنساني . وأنك تسأل عن فلسطين وعن قضيتها ، وماذا يجري على أرضها ، وعن أحوال شعبها ، وأنك تحييها ، وتحيي كل رجل وامرأة وطفل من أهلها وبنيها ، وأنك مازلت تردد " عاشت فلسطين حرة عربية من النهر إلى البحر ".

أسئلتك هذه أيها العزيز تؤكد على أنك تعيش معنا كما نعيش معك . وتفكر فينا كما نفكر فيك ، وتؤكد أن ليس وضعك ، ولا ظروف سجنك ، ولا تصرفات سجانيك، ولا حتى عدم معرفتك لما يخبئونه لك ..... هو ما يشغلك ويحتل تفكيرك ، وإنما أحوال شعبك العراقي والعربي ، وظروف معيشتهم ومعاناتهم ، وأخبار المقاومة الباسلة ، ومواقف الشرفاء من أبناء هذه الأمة ، ودورهم ، ...... هو ما يشغل بالك ، ويسكن قلبك وعقلك . ...... وأنت بذلك لا تجيب فقط على سر محبتنا لك ، وتعلقنا بك ، وإنما توجه إلينا ، وإلى شعبك ، وإلى كل أبناء أمتك ، رسالة تدعونا فيها جميعا إلى مزيد من الصمود ، ومزيد من الثبات على المبادئ ، ومزيد من رفض الاحتلال بكل أشكاله ، ومقاومته . .... وجوابنا على رسالتك : أننا لن نخيب ظنك ، ولن نخذلك ، وسنظل أهلاً لثقتك ، وأننا على العهد باقون .

وإذا كنت تسأل عن فلسطين وأهلها ، فإن كل فلسطين تسأل عنك ، وتقف معك، وتدعو لك ، وتحييك أينما كنت ، وكيفما أنت ، وترى فيك القائد العربي الأصيل ، وفارسها المغوار الذي لم يترجل عن صهوة النضال ، حتى وهو في غياهب الأسر .

سلام عليك أيها الحبيب ، وإلى لقاء في رسالة قادمة ، نختصر فيها قصتك مع فلسطين ، وقصة فلسطين معك ، لأنها طويلة وعميقة ، ولن تتسع الرسالة لأكثر من بعض عناوينها ، أما القصة كاملة فسيضمها كتاب أقوم بإعداده .

ولك المجد أيها الحبيب ... ولأعدائك الخزي  والعار .

 

  


موقع عبد الله الحوراني
حقوق الطبع محفوظة