Abdullah  Al-Hourani

 

 

ماذا لو لم يعد اللاجئون الفلسطينيون ؟؟

بقلم :عبد الله الحوراني

مراسلة لإحدى المحطات التليفزيونية الغربية تابعت أعمال مؤتمر اللاجئين وفلسطيني الشتات الذي عقد في عمان من 11 ـ 13/9/2000 . طرحت في الجلسة ما قبل الأخيرة سؤالاً حول مدى واقعية القضية التي يركز عليها المؤتمر، وهي عودة أكثر من خمسة ملايين لاجئ إلى أراضيهم وممتلكاتهم . وقد أجابها رئيس الجلسة الأستاذ طاهر المصري رئيس الوزراء الأردني الأسبق إجابة شافية، بأن المؤتمر يؤكد على تثبيت حق العودة كحق أساسي فردي وجماعي للاجئين الفلسطينيين، ومن ثم يجري البحث في كيفية التطبيق . وأضاف، أن تطبيقه أيضاً ممكن في مدى زمني معين .

بعد الجلسة استكملت المراسلة حديثها معي حول الموضوع، كما استكملته، بالتأكيد، مع غيري ممن تشغلهم هذه القضية .

وواضح من طبيعة اهتمام الأوساط الغربية من الباحثين، وبعثات الاستقصاء والتحري والاستطلاع التي تجوب مخيمات اللاجئين وأوساطهم، وهي كثيرة، أن الهدف هو خدمة وجهة النظر الإسرائيلية والأمريكية باستبعاد حق العودة، تحت مسميات عدم واقعيته، واستحالة تطبيقه، والوصول إلى استنتاجات تحصر حل قضية اللاجئين في التوطين مع بعض التعويض . ويغلفون موقفهم بادعاء الحرص على السلام والاستقرار في المنطقة، وإزالة العقبات التي تعترض طريق الوصول إلى تسوية دائمة للصراع العربي الإسرائيلي الذي طال أمده . ووضع حد لمعاناة الشعب الفلسطيني التي طالت .

لكن هؤلاء الباحثين والمستقصيين، ومعهم الواقعيون ـ وبتعبير أدق ـ الواقعون تحت تأثيرهم وتأثير أفكارهم في أوساط شعبنا الفلسطيني والعربي، لم يكلفوا أنفسهم مشقة النظر إلى موضوع اللاجئين من زاويته الأخرى، أي أثر عدم عودة اللاجئين على السلام والاستقرار في المنطقة، إذا كانوا بالفعل معنيين بالسلام والاستقرار!! وهذا الجانب هو ما حرصت على إيضاحه لتلك المراسلة .

يتجاهل هؤلاء أن قضية اللاجئين، وإصرارهم على العودة، كانت حافزاً رئيسياً في قيام منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964 وانطلاق الثورة الفلسطينية عام 1965، وقد أعطى اللاجئون، ومعهم شعبهم الفلسطيني كله فرصة للمجتمع الدولي ودوله العظمى، ومنظمات الأمم المتحدة، امتدت منذ عام 1948 حتى عام 1965 لتنفيذ قرارات إعادتهم لوطنهم وممتلكاتهم . وحين فشل المجتمع الدولي في إجبار إسرائيل على التنفيذ، أو تواطأ معها، لم يجد الفلسطينيون طريقاً آخر غير الثورة، ومازالت إسرائيل والمنطقة العربية، والعالم يعانون من تداعيات هذا التحرك الفلسطيني . وقد تكرر المشهد في الانتفاضة عام 1987 وحملت المخيمات عبئاً رئيسياً فيها، حين استمر الرفض الإسرائيلي للاستجابة لحقوقنا الوطنية .

وعلى مدى العقود التي مرت منذ أعلن الفلسطينيون ثورتهم على واقعهم لم يتناقص عدد الشعب الفلسطيني ولا عدد لاجئيه بل ازداد، ولم تضعف رغبته في العودة بل تضاعفت، ولم يتراجع إصراره على نيل حقوقه بل تقدم . ولمشكك في عمق هذه القضية في روح الشعب الفلسطيني ولاجئيه أن يزور مخيماتهم ويلتقي أطفالهم ممن لم يتجاوزوا الخامسة من أعمارهم، قبل أن يلتقي آباءَهم وأجدادهم ليكتشف مدى تمسكهم بوطنهم وإصرارهم على العودة . وهؤلاء موجودون في مخيمات الداخل كما هم في مخيمات الخارج . وهم من يقررون السلام والاستقرار لإسرائيل أو يمنعونه عنها، الآن وفي المستقبل أيضاً، وليس المفاوضون الفلسطينيون إذا ما أجبر هؤلاء على القفز عن حق العودة .

وليس سلام إسرائيل واستقرارها هو وحده المرهون بعودة اللاجئين، بل سلام المنطقة العربية والشرق الأوسط واستقرارهما هو أيضاً رهن عودة اللاجئين الذين يغطون المنطقة بكاملها . وقد شهدت المنطقة عدة اتفاقيات للسلام مع إسرائيل، وبعضها مضى عليه أكثر من عقدين من الزمن، وقد تشهد اتفاقات أخرى مع دول جديدة، أو قد يتزايد عدد المتزلفين لإسرائيل وللولايات المتحدة من دول الأطراف العربية البعيدة، لكن ذلك كله لم يجلب السلام والاستقرار للمنطقة، ولم يجلب الأمن والاطمئنان لإسرائيل، ولن يجلبه، طالما ظلت القضية الأساس ـ قضية اللاجئين ـ دون عودة .

وليس في وسع من يفكر بالسلام والاستقرار والأمن في المنطقة أن يتجاهل أن في هذه المنطقة تقبع مصالح حيوية كبرى لدول العالم أجمع، وللغرب بشكل خاص، الأمر الذي يجب أن يدفعه للتفكير جدياً بمصالحه، ولإعادة النظر بالتالي في مفاهيمه المعوجة لعملية السلام، والمنحازة لوجهة النظر الإسرائيلية . وإذا ظل الغرب محكوماً بغطرسة القوة الأمريكية والإسرائيلية وتوهمه أن في قدرتهما ضبط المنطقة، وفرض حلول غير عادلة، وغير قابلة للحياة، فإنه يقامر بإبقاء عوامل عدم الاستقرار قائمة، بكل ما تحمله من كوامن الانفجار الذي تطال آثاره الجميع . 

ـ انتهى ـ

 


موقع عبد الله الحوراني
حقوق الطبع محفوظة