Abdullah  Al-Hourani

 

 

القدس جزء من القضية ... لكن اللاجئين هم القضية كلها

 

 بقلم : عبد الله الحوراني

عندما تمكن الجيش السوفييتي في الحرب العالمية الثانية من فك الحصار، الذي دام حوالي ثلاث سنوات، عن مدينة ليننغراد الشهيرة، وهزيمة الجيش الألماني السادس الذي كان يحاصرها، وأسر جميع أفراده البالغ عددهم 350 ألف جندي وضابط وعلى رأسهم قائد الجيش الفيلد مارشال فان باولوس أحد أشهر القادة العسكريين الألمان، شكلت تلك الهزيمة ضربة قاسية للعسكرية الألمانية التي كانت حتى ذاك الوقت تزهو بانتصاراتها، ولم تحتمل القيادة الألمانية النازية وقوع أحد "مارشالاتها" البارزين في الأسر، فسعت إلى إطلاق سراحه بكل السبل، وتفطنت إلى أن بين الأسرى السوفييت لدى الألمان ضابط صغير هو ابن الزعيم السوفيتي الشهير جوزيف ستالين، فوجدتها فرصة لمساومة الزعيم السوفييتي على إطلاق سراح ابنه مقابل الفيلد مارشال، وكلفت الصليب الأحمر الدولي أن يعرض عليه هذه المقايضة مقرونة بالتهديد بإعدام ابنه في حال رفضه المقايضة .

وعندما وصل العرض إلى جوزيف ستالين لم يتردد في الجواب، ولم يتوقف عند عاطفة الأبوة، ولم يفكر في مصير ابنه في حال رفضه العرض، بل كانت مصلحة الوطن والأمة هي التي أنطقت لسانه بالقول لمندوب الصليب الأحمر الذي نقل له العرض "أبلغ من أرسلوك أنني لا أبادل مارشالاً بجندي" .

وبعيداً عن أية إسقاطات، أو إعجاب بالأشخاص، ومع كامل الإدراك لاختلاف الظروف وموازين القوى، فإن الدلالة الهامة لهذه الواقعة هي رفض مبدأ المقايضة، أو المساومة على حق لحساب حق آخر، أو تغليب العواطف والمشاعر على المصالح والحقوق الوطنية. سواء كانت مشاعر أبويه، كما هي في هذه الحالة، أو مشاعر دينية كما هي في حالتنا الفلسطينية . استذكرُ هذه القصة وأنا أسمع ما يتردد الآن في أجواء المفاوضات عن مقايضة السيادة على الحرم بعودة اللاجئين. ورغم أن الحديث في هذا الموضوع لا يعدو حدود التكهنات، أو التسريبات الصحفية، أو أن اطلاعنا هو في حدود ذلك. فإن إطلاق مثل هذه البالونات يثير المخاوف ويستوجب الحذر، ويدفعنا للتنبه والتنبيه إلى خطورة الدخول في هذه اللعبة.

نعرف الموقف الإسرائيلي من قضية اللاجئين وهو رفض الاعتراف بمسئوليته عنها، ورفض الالتزام بحقهم في العودة، ونعرف أن كل القضايا المطروحة للتفاوض قابلة للمساومة عند الإسرائيليين أكثر من موضوع عودة اللاجئين. وحتى قضية القدس ليست خارج دائرة المساومة لديهم، وقد تبين أن ادعاءاتهم بأن القدس من بين خطوطهم الحمراء ليست أكثر من استدراج لمزيد من التمسك الفلسطيني والعربي بها، أو مجاراة للتضخيم الذي أحطنا به قضية القدس، فيبدو أي تنازل جزئي بسيط من جانبهم في موضوع القدس أو الحرم وكأنه تنازل كبير يستحق أن ندفع ثمنه الكثير. وهذا الكثير الذي يريدونه هو تنازلنا عن حق العودة للاجئين.

وإذا كانت إسرائيل تراهن على إمكانية جر الشعب الفلسطيني إلى القبول بمثل هذه المقايضة، فإنها، ومن يجاريها في هذا الرهان، يخطئون الحساب، لا من حيث تقدير الثمن، وإنما من حيث تقدير الخطأ الذي يقعون فيه، حين يقللون من حجم الأخطار والعواقب التي تواجه رهاناتهم. بل إن كل من يفكر بحل قضية اللاجئين على هذا الأساس، يؤكد أنه لم يستوعب دروس هذه القضية على مدى أكثر من نصف قرن. فقد ظلت عصية على كل من حاول تجاوزها أو تذويبها، ولم تستطع كل أشكال الاضطهاد والقمع والتجويع التي تعرض لها اللاجئون، ولا الحروب العديدة التي عصفت بالمنطقة، ولا العدوانات والاحتلالات الإسرائيلية أن تذيب هذه القضية، أو تنزعها من قلوب وعقول أبنائها، بل إن الكثير ممن حاولوا المساس بها، أو التجرؤ عليها غيبتهم وأحرقتهم، وبقيت شعلتها متوهجة تترصد كل من يحاول الاقتراب منها.

وتأكيداً للمكانة التي تحتلها قضية اللاجئين لدى الشعب الفلسطيني، وحركته الوطنية بكل أطرافها وتياراتها بالنسبة لمكانة القدس ـ مع أن المفاضلة بين الحقوق أو تجزئتها مبدأ مرفوض من أساسه ـ فإن حق العودة لن يأتي في المرتبة الأدنى. وإذا كانت القدس جزءً من القضية الفلسطينية، فإن عودة اللاجئين هي القضية كلها. وإذا كانت القدس قطعة من الوطن، فاللاجئون هم الوطن كله. لكن هذه التوصيفات لا تعني المفاضلة بين القضيتين، ولا تقديم إحداهما على الأخرى من حيث الأهمية، وإنما لتأكيد أهمية القضيتين ومكانتهما لدى شعبنا العربي الفلسطيني، وعدم الفصل بينهما، أو بين أي منهما ومجمل الحقوق القومية لشعبينا.

وبمعنى آخر فإننا لا نضع قضية عودة اللاجئين عقبة في طريق عودة القدس إن كانت هناك إمكانية لاستعادة القدس أو أي جزء منها. ولا عقبة في طريق إقامة الدولة المستقلة إن كانت هناك إمكانية لإقامتها، ومن الممكن أن يتفهم شعبنا، ويرحب بعودة القدس، والأرض التي احتلت عام 67، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، تمهيداً لتحقيق حق العودة فيما بعد. لكنه لا يقبل أن يمر طريق الدولة أو القدس عبر التضحية بحق اللاجئين في العودة أو التنازل عنه .

يدرك شعبنا حجم العقبات التي تقف في طريق تمكين اللاجئين الفلسطينيين من ممارسة حقهم في العودة إلى أرضهم وممتلكاتهم ، والتي تجعل من ذلك أمراً في غاية الصعوبة في ظل الظروف الراهنة. لكن هذه الظروف لا يمكنها أن تقنع شعبنا بعدم إمكانية إقرار إسرائيل بحق جميع اللاجئين المشروع في العودة إلى أراضيهم كمسألة مبدئية. وتبقى مسألة تطبيق هذا الحق هي موضوع البحث والمفاوضات، من حيث آلية التنفيذ، وكيفيتها، والمدة التي تستغرقها، وتوفير شروط استيعابهم وتأهيلهم في أرضهم. والأعداد التي يمكن استيعابها سنوياً حتى لو استغرق الأمر سنوات وسنوات.

لكننا بذلك نكون قد ثبتنا حق العودة من جهة. وقطعنا الطريق من جهة أخرى على ادعاءات إسرائيل بعدم قدرتها على استيعاب ملايين العائدين دفعة واحدة، وفضحنا في كل الحالات منطقها الاستعماري العنصري الذي هو أساس المشكلة .

ويستوي في هذا الحق جميع اللاجئين. من هم في شتات المنافي، والقابعون على حدود وطنهم، أو في داخله في الضفة والقطاع، أو حتى أولئك المهجرون من مدنهم وقراهم ممن يعيشون كمواطنين في دولة إسرائيل . وليس في وسع أحد أن يفرق من حيث الحق والرغبة في العودة بين غني وفقير، بين ساكن المخيم وساكن القصور، أو بين حملة وثائق سفر اللاجئين الذين يسد إخوانهم العرب أبوابهم وحدودهم في وجوههم فلا يمكنونهم من كسب لقمة العيش لأطفالهم، أو أولئك الذين يحملون جوازات سفر الدول الغربية التي تنفرج أسارير موظفي الأمن في مطاراتنا وحدودنا العربية عند رؤيتها .

هذا هو الخيار الممكن لحل قضية اللاجئين في إطار أي عملية تسوية يجري التفاوض عليها. أما إذا رفضت إسرائيل ذلك وأصرت على تأجيل قضية اللاجئين أو القفز عنها، فإن الخيار البديل أمام الجانب الفلسطيني هو رفض الإقرار أو الالتزام بإنهاء الصراع، وربط ذلك بحق اللاجئين في العودة. وفي كل الحالات يجب الانتباه للصيغ الغامضة التي قد تطرحها إسرائيل أو حلفاؤها الأمريكان، بالحديث عن فلسطينيين غير محددين، وأماكن غير محددة، وحقوق عائمة وتوقيتات مفتوحة. بل يجب رفض مثل هذه الصيغ، لأن التورط فيها ستكون عواقبه وخيمة على اللاجئين والمنطقة بأسرها، واستقرارها. ونعتقد أن تجربة صيغ أوسلو كفيلة بأن تعلم من لم يتعلم.

ـ انتهى ـ

 


موقع عبد الله الحوراني
حقوق الطبع محفوظة