Abdullah  Al-Hourani

 

 

رسالة لاجئ فلسطيني إلى أخيه المفاوض

بقلم: عبد الله الحوراني

  عزيزي .

تحية طيبة تليق بمقامك الرفيع وبعد .

ليس مهماً أن تعرف اسمي ونسبي، فأسماؤنا كلها متشابهة، واللقب واحد ينتهي بكلمة لاجئ .

وليس مهما أيضاً أن تحدد عنواني، فكل عناويننا المؤقتة واحدة، لأنها تقع خارج أرضنا، ولا تحمل بيوتها أية أرقام ولا شوارعها أية أسماء. يستوي فيها من استوطن المخيم أو حواليه، ومن بقي داخل الوطن أو تلقفته منافي الشتات . أما عنواننا الدائم فقد بقي محفوراً على جذر شجرة بقيت تحرس الأرض وتضرب عميقاً فيها، أو في نبتة صبار تخز أشواكها كل من أراد اقتلاعها. أو تدل عليه عظام الآباء والأجداد التي رفضت الرحيل، وبقيت تؤنس بعضها وتتواصل أرحامها حتى يعود إليها الأبناء والأحفاد الذين طال بهم الغياب .

وكلنا أيضاً نعرفك، رأيناك أو لم نلتقيك. اخترناك أو لم نستشر فيك. فبيننا وبينك عقد أقوى من المكتوب حملتَ بموجبه مسؤولية الدفاع عن قضيتنا التي لا شك تعرفها وتعرف تفاصيلها. وتعهدتَ بموجبه أن تعيد إلينا حقوقنا كما نصت عليها بنود العقد الذي وقعته معنا منظمة التحرير حين أخذتْ منا تفويضها بالتمثيل. والعقد ـ كما تقول القاعدة الفقهية ـ شريعة المتعاقدين . إما الوفاء بشروطه أو نسخه، وإيقاع الجزاء على من أخلّ بشروطه .

ففي مخيماتنا في الشتات غرسنا نبتة الثورة، ورويناها بدمائنا. وأوقدنا شعلتها، وأطعمناها من ضلوعنا. وحين كان الخطر يحدق بها أو يغشاها، كانت صدورنا هي المتاريس التي تحميها .

ولم تكن مخيمات الداخل أقل وفاءً أو تضحيات. فحين ضاق الخناق على الثورة في الخارج، ولم تجد مكاناً يؤويها، ويضمن لها ولقضيتها الدوام جاءَتها النجدة من الداخل، فاشتعلت نار الانتفاضة، وكأن الثورة هاجرة هجرة عكسية من الخارج إلى الداخل . فكان المخيم مرة أخرى حضنها الدافئ الحنون .

وكلا الحالتين لم تغيبا عنك، ولم تغب عنهما، حتى جاءَت السلطة الوطنية، ثمرة لهما، وأخذتَ موقعك في صفوفها، وتوليت مسؤوليتك التفاوضية من خلالها.

سيفاوضونك على التوطين فلا تجادلهم . ذلك أن شعبك رفضه قبل ما يقرب من خمسين عاماً، ولو ارتضى لنفسه وطناً بديلاً، وأرضاً غير أرضه لما انتظر كل هذه المدة، ولما احتفظ بصفة اللجوء، واحتمل عَذاباته كل هذي السنين.

سيقولون لك ليس في الأرض متسع لكم . فقل لهم إن كان لابد لطرف أن يعترض على وجود الآخر فنحن من يعترض . لأننا نحن أصحاب الأرض وهم الطارئون . ومع ذلك فإن مقولتهم تسقط حين نعلم أن 80% من مساحة الأرض التي تشغلها إسرائيل لا يعيش فيه أكثر من 20% من سكانها . أي أن أغلبية الأرض شبه خالية من السكان . وهي تتسع لمالكيها الحقيقيين الأقدر على إعمارها واستثمارها، وهم أولى بها ـ لولا النظرة العنصرية التي يرى بها قادة إسرائيل الآخرين من أولئك الأغراب الذين تستوردهم حكومة إسرائيل كبضاعة بشرية، من أصقاع روسيا أو أدغال أثيوبيا .

وسيقايضونك، بأن يعرضوا عليك جزءً من القدس أو الحرم الشريف مقابل تنازلك عن حق اللاجئين في العودة . فقل لهم! القدس جزء من القضية لكن عودة اللاجئين هي القضية كلها . والقدس قطعة من الوطن، واللاجئون هم الوطن كله . ولا يعني ذلك المفاضلة بين القضيتين، ولا تقديم إحداهما على الأخرى من حيث الأهمية، وإنما لتأكيد أهميتهما معاً، ومكانتهما لدى شعبينا العربي الفلسطيني . ولا نقصد بذلك وضع عودة اللاجئين عقبة في طريق عودة القدس، إن كانت هناك إمكانية لاستعادة القدس أو أي جزء منها . ولا عقبة في طريق إقامة الدولة المستقلة، إن كانت هناك إمكانية لإقامتها. وسيرحب شعبنا بإنجاز أي حق من حقوقه، لكنه لا يقبل أن يمر طريق الدولة أو القدس عبر التضحية بحق اللاجئين في العودة أو التنازل عنه.

وسيساومونك على التعويض، فلا تقبل به . ذلك أن الوطن ليس قتيلاً حتى نقبل دية فيه. فأرضنا بكل نبض الحياة فيها، مازالت ماثلة أمام أعيننا . سيراهنون على الأوضاع الاقتصادية المتردية للاجئين . فقل لهم إننا نملك من الفقر ما يكفينا للصبر سنوات وسنوات. وما نهبوه من خيرات أرضنا على مدى خمسين عاماً ـ وحقنا في استرداده لا نقاش فيه ـ يكفي لتحسين أحوالنا أضعاف ما يعرضون. وهذا هو التعويض الذي نسألهم عنه، ونرجو أن يكون العنوان الوحيد الذي تخوض فيه في موضوع التعويض .

نعلم أن قوى وسلطات في المنطقة، ممن يستضيفون اللاجئين سيسيل لعابهم لأموال التعويضات، وسيفلسفون مواقفهم باستحالة حق العودة فلماذا لا نقبل التعويضات !!! ولهؤلاء نقول إن قضيتنا ليست للبيع ولا للتكسب، ومن أراد التجارة فأرضنا ليست معروضة للمزاد . وهذا الموقف نحملك مسؤولية إبلاغه للأشقاء والأصدقاء قبل إبلاغه للأعداء .

ونعلم أيضاً أن حق العودة ربما كان غير متاح الآن . ولكن ما يجب على كل الأطراف معرفته أيضاً هو أن التفريط في حق العودة غير مباح أبداً . وفي وعيك لهذه المسألة، وتمسكك بها، يكمن فصل الخطاب . بل إن موقفك من هذه القضية هو الذي يحدد موقفنا منك . فهي البند الأساسي في العقد القائم بيننا. والإخلال بها يبطل صحة هذا العقد، ويمس بقاعدة الوحدة الوطنية التي قامت عليها منظمة التحرير الفلسطينية، ويفتح الطريق أمام القوى المتربصة بوحدة شعبنا لأن تعبث بهذه الوحدة، وتطعن في شرعية التمثيل . فلنوصد هذا الباب في وجه هؤلاء المتربصين . ونظن أن مغلاق الباب هو الآن بين يديك.

هذه رسالتنا إليك … ونرجو أن تصلك قبل فوات الأوان .

وتقبل أصدق تحياتنا وتمنياتنا بالتوفيق .

ـ انتهى ـ

 

 


موقع عبد الله الحوراني
حقوق الطبع محفوظة