Abdullah  Al-Hourani

 

 

التفريط بحق العودة خطر على العرب والفلسطينيين معا

 

 بقلم : عبد الله الحوراني

ربما يأخذ علينا البعض إلحاحنا الزائد على حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة، وقد يتهمنا بالمبالغة في تقدير أهمية الموضوع وحساسيته، وربما كان الأشقاء العرب، وبالذات من الأجيال الشابة التي لم تتح لها قراءة تاريخ القضية الفلسطينية، هم الأكثر استغراباً، بعد أن أشبعتهم أجهزة إعلامنا الفلسطينية والعربية، وتصريحات المسؤولين الفلسطينيين والعرب حديثاً عن القدس والدولة الفلسطينية، حتى بدت قضية فلسطين محصورة لديهم في هذين الموضوعين، أو كأن القضية بدأت فقط مع احتلال القدس، وتنتهي بعودتنا للصلاة في المسجد الأقصى، ورفع العلم الفلسطيني عليه وعلى كنيسة القيامة.

لا يجادل أحد في أهمية هذين الصرحين التاريخيين لدى العرب المسلمين والمسيحيين، ولا في كون تحريرهما من الاحتلال الصهيوني هدفاً رئيسياً من أهداف النضال الوطني والقومي للفلسطينيين والعرب، ولكن الصراحة تقتضي القول: إنهما جزء من المشكلة وليسا المشكلة الأساس. واستعادتهما لا تعني حل المشكلة ولا إنهاء الصراع، ولا تبلغ بالنضال الوطني والقومي مبتغاه .

وحتى لو حمل الحل المطروح مشروع إقامة دولة فلسطينية، فإن ذلك لا يحل المشكلة الأساس أيضاً. ذلك أن الأساس هو اغتصاب الأرض الفلسطينية وطرد أهلها منها وهو أمر سابق لاحتلال القدس، ولتطلعات الفلسطينيين لإقامة دولتهم. فاحتلال القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة تم في عام 1967، ونزوع الفلسطينيين نحو الدولة أصبح قراراً في المجلس الوطني عام 1974، بينما بدأ النضال الفلسطيني لاستعادة الأرض، وعودة اللاجئين منذ اليوم الأول لاغتصاب فلسطين وإقامة الدولة الصهيونية عام 1948، وأخذ هذا النضال شكله المنظم في إطار حركة وطنية بقيام منظمة التحرير عام 1964، وانطلاق الثورة الفلسطينية بقيادة فتح في الأول من يناير 1965. وكان عنوانه استعادة الأرض، وحافزه عودة اللاجئين إلى أرضهم وممتلكاتهم. وهذا يفسر احتضان مخيمات الشتات للثورة الفلسطينية، وتحمل تبعاتها وأعبائها، وقيام مخيمات الداخل بالدور الرئيسي في الانتفاضة الأولى والانتفاضة الثانية الحالية. واحتفاظ أبناء هذه المخيمات بأسماء قراهم ومدنهم حية في عقولهم وقلوبهم، وتلقينها لذاكرة أطفالهم، وتوريثهم سجلات أراضيهم ومفاتيح بيوتهم ليحققوا الحلم الذي ماتوا واستشهدوا قبل بلوغه.

وتفسير ذلك أن قضية اللاجئين وعودتهم هي البدء وهي المنتهى أيضاً، وكل حل لا يضمن عودتهم إلى أرضهم وممتلكاتهم، أو لا يقر بها على الأقل لا يمكن أن يكون مقبولاً من الشعب الفلسطيني، ولا يمكن أن يكون نهائياً حتى لو أطلقوا عليه أو أغرقوه بكل صفات الشمول والعدل والديمومة، ولا يمكن أن يقود إلى أي استقرار في المنطقة. بل على العكس، إن حلاً من هذا النوع سيحمل بذور نقضه وتفجيره في داخله. فعدد اللاجئين الذين يعيشون في سبعة وعشرين مخيماً في قطاع غزة والضفة الغربية وقراهما ومدنهما، مع المهجرين من قراهم في الجليل والمثلث والنقب، يصل إلى حدود المليونين أي ما يقرب من نصف عدد الفلسطينيين الذين يعيشون داخل وطنهم. وأما من يعيشون على حدود وطنهم في دول الجوار العربي، فيتجاوز حدود المليونين والنصف، هذا فضلاً عن مئات الآلاف ممن يعيشون مشتتين في دول العالم المختلفة. وهؤلاء جميعاً، سواءٌ كانوا في الداخل أو الخارج، لا قضية لهم إلا قضية العودة، وكل منهم له قدسه الخاصة هي قريته أو مدينته التي هجر منها، ولا تغنيه عنها أو تنسيه إياها، أية قدس أخرى . وقد أمضوا أكثر من نصف قرن يثورون ويستشهدون ويُقمعون طلباً للعودة . ولو كان التوطين أو التعويض يحل مشكلتهم لقبلوه حين عرض عليهم منذ الخمسينات، لكنهم رفضوه واختاروا عذاب الانتظار والمقاومة والاستشهاد على أن يبيعوا الوطن أو يقبلوا عنه بديلاً.

ولأن الأرض والعودة إليها هي عند اللاجئين أغلى من أي سلطة أو سيادة أو دولة، وتتقدم لديهم على أي هدف آخر، فهم يقبلون بالعودة إلى أرضهم تحت السيادة الإسرائيلية، وحتى كمواطنين في الدولة الإسرائيلية مع علمهم بما سيتعرضون له من قمع وإذلال . ومع ذلك فإسرائيل ترفضهم وتمضي في استيراد المزيد من المستوطنين من مخلفات الجمهوريات السوفيتية، ودول الكتلة الشرقية السابقة، أو الدول الإفريقية . ولم يعد يهمها إن كانوا يهوداً أو غير يهود، طالما أنهم سيملأون الأرض الفلسطينية بحيث لا يبقى فيها متسع لأصحابها الحقيقيين حتى يطالبوا بالعودة إليه. وتشير الإحصائيات الإسرائيلية الأخيرة إلى أن 62% من أصل مليون مهاجر روسي استقدموا لإسرائيل أخيراً هم من غير اليهود . وقد حدثني أحد كبار المفاوضين الفلسطينيين أن حواراً جرى بينه وبين أحد المفاوضين الإسرائيليين في جولة مفاوضات كامب ديفيد حول أسباب رفضهم عودة الفلسطينيين، في الوقت الذي يقبلون فيه أولئك المهاجرين الآخرين، فلم يتردد ذلك الإسرائيلي في القول: لأن الفلسطينيين أعداء . وجاء جوابه هذا وهو يخوض محادثات سلام من أجل حل نهائي، ومصالحة تاريخية كما يقولون .

وإذا كانت هذه هي النظرة الإسرائيلية للفلسطينيين، وهذا هو مفهومهم للسلام، فإن الحل الذي يسعون إليه، أو لإجبار الفلسطينيين على قبوله، هو نوع من فرض الإذعان للشروط الإسرائيلية، وأهمها قبول الفلسطينيين بالتنازل عن حق العودة، وهو الأمر الذي وعاه الفلسطينيون عموماً، واللاجئون خصوصاً، ونأمل أن يعيه معنا أشقاؤنا العرب، فيرفضون معنا كل حل من هذا النوع، إدراكاً منا ومنهم لخطورته على الشعب الفلسطيني وحقوقه، وعلى المنطقة العربية بأسرها . فإذا قدر لمثل هذا الحل أن يفرض فإن أول أخطاره ستصيب وحدة الشعب الفلسطيني وتقسمه إلى داخل وخارج، وستضع أحدهما في مواجهة الآخر. وإذا ضربت وحدة الشعب أصيبت وحدة التمثيل بشرخ عميق، وفتحت أبواب الادعاء بتمثيل الشعب الفلسطيني أمام من يستحق ومن لا يستحق، بعد أن كان الشعب الفلسطيني قد أغلق هذه الأبواب بإحكام، حين توحدت إرادته واختار، بعد عناء طويل وصراع مع جهات عديدة، منظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعيا ووحيداً له، ودافع عن هذا الاختيار ودفع ثمنه غالياً. وضرب وحدة الشعب ووحدة تمثيله هدفان تسعى إليهما إسرائيل .

وحين يكون توطين اللاجئين في الدول التي يتواجدون فيها هو أحد الخيارات التي يقدمها الحل الأمريكي الإسرائيلي، فإن ذلك سيفتح باب الصراع بين اللاجئين الفلسطينيين الذين يرفضون التوطين وبين الدول العربية المضيفة لهم التي ترفضه أيضاً. مما يشكل خطراً يهدد أمن المنطقة العربية واستقرارها . وهذا هدف آخر تسعى إليه إسرائيل .

وحتى التعويض المالي للاجئين، الذي يشير إليه هذا الحل، تخطط الإدارة الأمريكية وإسرائيل أن تكون الدول العربية، والنفطية منها بشكل خاص، هي الممول الأساسي لصندوق التعويضات. مما يعني استنزاف الثروة العربية ووضعها في خدمة الاغتصاب الإسرائيلي لأرضهم العربية الفلسطينية، وتحميلهم نفقات الاحتلال الإسرائيلي .

وهكذا تتضح خطورة مثل هذا الحل لقضية اللاجئين، لا على المصلحة القومية العربية فحسب، بل على المصلحة الذاتية لكل قطر على حده، وتصبح مقاومة هذا الحل مصلحة ومسؤولية عربية، خاصة وعامة، مثلما هي مصلحة ومسؤولية فلسطينية.

ـ انتهى ـ

 


موقع عبد الله الحوراني
حقوق الطبع محفوظة