Abdullah  Al-Hourani

 

 

التمسك بحق العودة، وليس التخلي عنه ... هو الطريق إلى السلام

 

 بقلـم: عـبد الله الحـوراني

على غير موعد، وبدون مقدمات أو مبررات، وبعد صمت طويل، وخارج إطار مسؤولياته، فاجأنا الدكتور سَرِيِّ نسيبه، خليفة الشهيد فيصل الحسيني في حمل ملف القدس، بموقف غريب تجاه حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى وطنهم. إذ أعلن، في محاضرة له في الجامعة العبرية، أشارت إليها النيويورك تايمز في 17/10/2001، "أن السلام لن يعم، ولن تقوم دولة فلسطينية، إلا إذا تخلى الفلسطينيون عن مطلبهم في العودة إلى ديارهم، وان الانتفاضة الملطخة بالدماء، هي حالة من التشنج، وليست ثورة شعبية". وأتبع ذلك بتصريح مماثل لوكالة الصحافة الفرنسية طالب فيه بالتخلي عن فكرة تطبيق حق العودة.

وقبل أن أبدأ بالمعاني والمدلولات التي تحملها تصريحات الدكتور نسيبة، أتوقف عند المعاني التي يحملها اسمه سَرِيِّ. فالسريِّ في اللغة هو ذو المروءَة والشرف، والسيد في قومه، وجمعها سراة. وفي ذلك يقول الشاعر العربي الأفوه الأسدي:

       لا يصلح الناس فوضى لا سَرَاة لهم                 ولا سَرَاة إذا جُهالهم سادوا.

وفي قصيدة شهيرة أخرى عرفناها منذ الصغر، وبالتأكيد قرأها الدكتور سري، وحفظها مثلنا، وهي قصيدة: "إنا محيوك يا سلمى"

يقول شاعر عربي:

             وإن دعوتِ إلى جُلّى ومكرمة                      يوماً، سَرَاة كرام الناس فادعينا.

فمن حمل هذه المعاني، وتربى عليها، يقع في تناقض كبير حين يقدم على مثل تلك التصريحات، لأنها تسيء إليه قبل أن تسيء إلى القضية التي يتحدث عنها.… هذا أولاً.

وثانياً: إن المكان الذي اختاره الدكتور نسيبة للتعبير عن آرائه، وهو الجامعة العبرية، يزيد من خطورة هذه الآراء، وخطرها على قضية اللاجئين، والقضية الفلسطينية عموماً. فهي تقدم تنازلا مجانيا للرأي العام الإسرائيلي عن حق اللاجئين في العودة إلى وطنهم، وتوحي للجانب الإسرائيلي بتراجع الخطاب الفلسطيني الخاص بقضية اللاجئين على لسان بعض قيادييه ومثقفيه، وترسي في الوعي الإسرائيلي أن رفضه لحق اللاجئين في العودة، هو الذي يدفع لهذا التراجع في الموقف الفلسطيني، وتدفع الإسرائيليين لأن يصبحوا أكثر تعنتاً في هذا المجال، وقد ينظرون بسخرية لمطالب المفاوض الفلسطيني بحق العودة، وقد تمتد هذه السخرية إلى كل التحركات الجماهيرية في هذا الميدان، داخل الوطن وخارجه.

وثالثاً: حين تأتي مثل هذه التصريحات من حامل ملف القدس ـ وهي قضية لا يقل التعنت الإسرائيلي فيها عن تعنته في قضية اللاجئين ـ فإنها تغري الجانب الإسرائيلي، وتوحي له بالاستعداد الفلسطيني للتنازل أيضاً في قضية القدس. وبذلك يكون الدكتور نسيبة قد أخطأ في حق القضية التي يحمل أمانتها، وفي حق الدولة الفلسطينية التي يعتقد أن التنازل عن حق العودة يجعلها أكثر قرباً، أو يدفع الإسرائيليين للتسليم بها ـ كما أوحت بذلك تصريحاته ـ ومن يتابع موقف شارون وحكومته، ومشاريعه للدولة الفلسطينية التي يصوغها مع وزير خارجيته ـ وفق ما رَشَح من معلومات عنها ـ يتأكد أن كل رهان على استمضاء إسرائيل بالتنازلات لن يزيدها إلا تعنتاً، وهو أيضاً ما بدا في تراجع الموقف الأمريكي في الأيام الأخيرة من موضوع الدولة بعد كل الاستجابة لمطالب الإدارة الأمريكية، والاستعداد للاستماع لنصائحها والمضي في تنفيذها.

إن من يعتقد أن التساهل في حق من الحقوق، أو التنازل عنه، قد يزيد من فرصه في الحصول على الحقوق الأخرى يقع في وهم كبير. فنحن لسنا بصدد قضية تجارية، أو عملية مقايضة. فموضوعنا يتعلق بحقوق وطنية وسياسية مقدسة لا يملك أحد حق التنازل عنها أو المقايضة عليها، أو حتى التساهل فيها. وتأكيداً للمكانة التي تحتلها قضية اللاجئين لدى الشعب الفلسطيني، وحركته الوطنية، بكل أطرافها وتياراتها، السياسية والشعبية، فإن حق العودة لا يأتي في مرتبة أدنى من قضية القدس، أو قضية الدولة. وهذا ليس من باب المفاضلة أو ترتيب الأولويات. وإنما من باب التأكيد على أن حقوقنا الوطنية المتمثلة في جلاء الاحتلال، والعودة، وإقامة الدولة المستقلة وحدة واحدة لا تتجزأ. ولا يعني تأكيدنا هذا أننا نضع قضية عودة اللاجئين عقبة في طريق عودة القدس، إن كانت هناك إمكانية لاستعادة القدس، ولا عقبة في طريق إقامة الدولة المستقلة، إن كانت هناك إمكانية لإقامتها. لكننا لا نقبل أن يمر طريق الدولة أو القدس عبر التضحية بحق اللاجئين في العودة أو التنازل عنه.

قد يفسر، أو يبرر، دعاة التخلي عن المطالبة بحق العودة، مواقفهم بالواقعية والموضوعية. ولهؤلاء نقول، وبلغة الواقعية التي يجيد اللاجئون التحدث بها. إننا لم نقرأ في أي من مدارس الواقعية أو كتبها، أية نصوص تقول بتنازل شعب بأسره، عن كامل أراضيه وحقوقه لطرف آخر، والتوقف عن المطالبة بها، والتوقيع على صكوك تحرم عليه، وعلى أجياله اللاحقة، حق الادعاء بوجود أية حقوق له لدى الطرف الآخر. لكننا نفهم أن الواقعية قد لا تمكننا من تحقيق حق العودة دفعة واحدة، ومباشرة. وأن تطبيقه يتم بالتدريج، ووفق فترة زمنية قد تطول وقد تقصر لكن يبقى الأساس هو التمسك بحق العودة، وتثبيته، ومن ثم يجري البحث في كيفية تطبيقه، وتنظيم العودة وفق توقيتات معينة، حتى لو امتدت لسنوات وسنوات. وبذلك يتم قطع الطريق على ادعاءات العدو بعدم القدرة على استيعاب ملايين العائدين دفعة واحدة، إن كانت هذه حجته، وفضح منطقه العنصري الذي هو الأساس في رفضه لحق العودة.

ويتجاهل الذين ينظرون للتخلي عن المطالبة بحق العودة، خدمة لعملية السلام، خطورة هذا المنطق على عملية السلام، وعلى مجمل استقرار المنطقة بأسرها. فكل حل لا يضمن عودة اللاجئين إلى أرضهم وممتلكاتهم، أو لا يقر بها على الأقل، لا يمكن أن يكون مقبولاً من الشعب الفلسطيني، ولا يمكن أن يكون نهائياً، حتى لو أطلقوا عليه، أو أغرقوه بكل صفات الشمول والعدل والديمومة، ولا يمكن أن يقود إلى أي استقرار في المنطقة. بل على العكس، إن حلاً من هذا النوع سيحمل بذور نقضه وتفجيره في داخله. ويكفي أن يرفضه خمسة ملايين فلسطيني ـ على الأقل ـ وهو عدد اللاجئين الذين يعيشون داخل وطنهم، أو على حدوده، أو منافي الأرض. فهؤلاء جميعاً، سواءٌ كانوا في الداخل أو الخارج، لا قضية لهم إلا قضية العودة، وكل منهم له قدسه الخاصة، هي قريته أو مدينته التي هجر منها، ولا تغنيه عنها، أو تنسيه إياها أية قدس أخرى، كما أن العودة عندهم أغلى من أي سلطة أو سيادة أو دولة، وتتقدم لديهم على أي هدف آخر، وقد أمضوا أكثر من نصف قرن يثورون ويقمعون ويستشهدون طلباً للعودة. وإذا ما رفض هؤلاء الحلول التي تقفز عن حقهم في العودة، فإنهم أيضاً سيحجبون الثقة عن كل قيادة توافق على مثل هذا الحل. وبذلك نكون ـ لا قدر الله ـ قد مزقنا وحدة الشعب، وقسمناه بين داخل وخارج، ولاجئ ومواطن، وخسرنا وحدة تمثيل الشعب بعد أن أمضينا عقوداً من الزمن حتى حققنا وحدة التمثيل في إطار منظمة التحرير الفلسطينية.

وإذا نظرنا إلى الرقعة الجغرافية التي يتوزع فيها اللاجئون نلاحظ أنها تشمل كل دول الجوار العربي. وإذا ما رفض اللاجئون خيار التوطين، ورفضته هذه الدول، فإن باب الصراع سيشمل المنطقة بأسرها، وعندها لن ينعم أي طرف بالاستقرار.

فهل يدرك دعاة التخلي عن حق العودة مخاطر هذه الدعوة، وأثرها على الوحدة الوطنية الفلسطينية، وعلى استقرار المنطقة العربية؟ وهل يدركون أنهم بدعوتهم هذه لا يصنعون السلام، ولا يقربونه، وإنما يفتحون بابا لا يقفل لاستمرار الصراع؟.

ـ انتهى ـ

 


موقع عبد الله الحوراني
حقوق الطبع محفوظة