|
|
|
|
|
حق العودة هو المستهدف من اجتياح المخيمات بقلـم: عبـد الله الحـورانيأمام اتساع الهجمة العدوانية الإسرائيلية الأخيرة على الشعب الفلسطيني، وشمولها الأرض الفلسطينية كلها بشراً وحجراً وشجراً، ربما لم يتوقف المراقبون كثيراً عند المغزى من تركيز هذه الموجة من العدوان على مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، بدءً من مخيمات رفح وخانيونس وجباليا في جنوب فلسطين، وانتهاء بمخيمات بلاطة وطولكرم وجنين في شمال الضفة الغربية، مروراً ببقية المخيمات التي يقرب عددها من الثلاثين في كل من الضفة والقطاع. هذا الاستهداف للمخيمات من قبل شارون وحكومته، أبعد من شهوة القتل والدم التي تحكم تصرفات هذا السفاح العنصري. فهو حين ارتكب مذبحة صبرا وشاتيلا عام 82 لم تحركه غريزته العنصرية الدموية فقط، وإنما الرغبة في تدمير المعنى السياسي الذي يرمز إليه المخيمان بما يجسدانه من عنوان لقضية اللاجئين وحقهم في العودة. ولو استطاع الوصول إلى بقية مخيمات الشتات سواءٌ في لبنان أو غيرها من البلدان العربية لكرر فيها ما فعله في صبرا وشاتيلا، بهدف القضاء على الكابوس الذي يؤرق الكيان الصهيوني الغاصب. ذلك أن هذه المخيمات هي الشاهد الحي على نكبة عام 48، وهي العنوان الدائم لحق العودة، بل هي العنوان الدائم لقضية فلسطين واستمرارها. وكان لمخيمات الشتات الفضل في إعادة إطلاق الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، حين انطلقت الثورة الفلسطينية عام 1965 من قلب هذه المخيمات وبؤسها، هدفها تحرير الأرض المحتلة، وحافزها العودة إلى الوطن والأرض. مخيمات الداخل لم تكن أقل تمسكا بحق العودة من مخيمات الشتات، ولا اقل نضالاً من أجل تحقيقه. فوجودها على جزء من أرض الوطن لم يلغ إصرار أهلها على العودة إلى أرضهم وممتلكاتهم، بل إن وجود هذه الأرض على مرمى نظرهم، ورؤية الغاصبين الصهاينة يتمتعون بخيراتها، ولا يتورعون عن استخدام أصحاب الأرض الحقيقيين أجراء في زراعتها، زادهم حنيناً إليها، وإصراراً على استعادتها. وكان هذا الإصرار حافزاً قوياً لعب دوره في انخراط أبناء هذه المخيمات في موجات الانتفاضة المتعاقبة في الضفة والقطاع، وتحمل العبء الأكبر من التضحيات. هذه المخيمات داخل الوطن، كونها تقف في خط المواجهة المباشرة مع جيش الاحتلال جعلها تحمل المسؤولية الأولى في الدفاع عن حق العودة باسم الشعب الفلسطيني كله، ونيابة عن أشقائهم في بلدان المهجر ومخيمات الشتات. وبرز هذا الدور في مقاومة مسلحة باسلة، وحركة شعبية واسعة تتصدى لمخططات التسوية التي تحاول القفز عن حق العودة أو تجاهله أو تهميشه، أو القفز عليه. مما زاد من أحقاد شارون على هذه المخيمات، وهو الذي سعى إلى تدميرها في الخارج، فإذا بها تواجهه على أرض الوطن حيث ميدان الصراع الأساسي، وحيث يفاخر بأكذوبة جيشه الذي لا يقهر. ومن المفارقات المضحكة، أن شارون ـ الإرهابي الدولي رقم واحد ـ يتهم هذه المخيمات بأنها أوكار للإرهاب، ويبرر جرائمه بأنها تأتي في سياق محاربة الإرهاب، مستغلاً العنوان الجديد الذي وضعته الإدارة الأمريكية لحملتها ضد شعوب العالم، ودوله وقواه التي لا تنصاع لها. ومما يؤكد النوايا الإسرائيلية تجاه هذه المخيمات، والإصرار على إبادتها أو دفعها للهجرة خارج الوطن، أو دفعها للتنازل عن حق العودة، البحث الدائم في الأوساط السياسية والأكاديمية الصهيونية حول كيفية مواجهة الخطر الديموغرافي الذي يمثله تزايد عدد الفلسطينيين سواءٌ داخل الأرض التي تقوم عليها دولة إسرائيل، أو داخل الضفة والقطاع، وكان من أبرز الدلائل على الانشغال الإسرائيلي بهذا الهم ذلك المؤتمر الذي عقد في هرتزليا قبل عام تقريباً، أي في مارس/ آذار عام 2001، وحضره أكثر من ثلاثمائة شخصية قيادية سياسية وفكرية في إسرائيل، قيل أن من لم يكن من بين الحضور فهو لا ينتمي للشريحة القيادية في إسرائيل. وكان العنوان الرئيسي للمؤتمر "ميزان المناعة والأمن القومي الإسرائيلي" وأهم ما نوقش فيه هو كيف ينقصون عدد الفلسطينيين، وكيف يزيدون عدد اليهود في إسرائيل. وخلص المجتمعون إلى الاستنتاج، بأنه لا نسبة التوالد المنخفضة بين اليهود، ولا نسبة الهجرة اليهودية من الخارج التي بدأ معينها ينضب، قادرة على مجاراة التزايد الفلسطيني خاصة إذا ما عاد اللاجئون الفلسطينيون. ولذلك، فإن أهم ما قرروه هو الحيلولة بكل الوسائل دون تطبيق حق العودة للاجئين الفلسطينيين، والعمل على توطينهم حيث هم أو في مهاجر أبعد، ودفع أكبر عدد من فلسطيني الداخل إلى الهجرة ولو تم ذلك عبر عمليات تهجير جماعية بالقوة، وهو ما تفصح عنه الأوساط اليمينية الإسرائيلية. بل إن من بين توصيات المؤتمر نصوصاً تطالب بتحديد النسل لدى الفلسطينيين، وذلك عبر الضغط على الدول المانحة التي تقدم المساعدة للفلسطينيين بأن تحجب هذه المساعدات حتى يلتزم الفلسطينيون بتحديد النسل. هذه التوصيات تكشف حجم القلق لدى المؤسسة السياسية والأكاديمية الإسرائيلية من الخلل الديموغرافي الذي يهدد ما يسمونه الدولة اليهودية النقية العرق. كما تفسر حملة الإبادة التي تشن ضد الشعب الفلسطيني، والتي يبدو أنها كانت من ضمن توصيات المؤتمر دون إعلانها، وتوضح حجم الذعر الذي يسببه لهم وجود المخيمات، وإصرار أهلها على العودة إلى أرضهم وممتلكاتهم. لكن المؤسف، ألا يرى البعض في الصف الفلسطيني والصف العربي الرسمي هذا البعد في السياسية الإسرائيلية، وألا يقرأ الهدف الحقيقي من وراء الهجمة العسكرية الإسرائيلية. وألا يستوعب هذا البعض كذلك الدور الذي لعبه حافز العودة في الحفاظ على الوجود الفلسطيني متماسكاً وقوياً، وعلى القضية الوطنية بكل حيويتها وتفاعلها كما تتجسد اليوم في المقاومة الباسلة التي يبديها شعبنا رغم كل الخسائر والتضحيات. فيتطوع هذا البعض بإطلاق التصريحات، أو اتخاذ مواقف تتجاهل حق العودة، أو تهمشه، أو تبدي استعداداً للمساومة عليه، أو مقايضته بالدولة الفلسطينية الموعودة التي لا يعرف أحد حدودها السياسية أو السيادية. فمثل هذه المواقف التي جاءت أكثر من مرة على لسان السيد سري نسيبة، وفي مداخلات للأخ ياسر عبد ربه في واشنطن، أو فيما نسب للأخ أبو عمار في المقالة التي نشرت باسمه في جريدة النيويورك تايمز من استعداده لمراعاة الوضع الديموغرافي لإسرائيل في أي تسوية للقضية الفلسطينية، تعبر عن موقف مناقض تماماً للإرادة الشعبية الفلسطينية. وهي، حتى وإن صدرت عن نوايا طيبة، أو في إطار التدليل على عقلانية وموضوعية الطرف الفلسطيني، أو رداً على المقولات التي تتهم الفلسطينيين بأنهم يسعون إلى تدمير إسرائيل عبر إصرارهم على حق العودة، فهي تقدم تنازلاً مجانياً عن حق العودة، دون أن تخدم موضوعة الدولة، وهي تعطي انطباعاً بأن الجانب الفلسطيني طالما أن لديه استعداداً للتنازل في حق العودة، فهو قابل للتنازل في حقوق أخرى، وهي من ناحية ثانية توحي لبعض الأطراف العربية الرسمية، ذات الموقف المتدني أصلاً تجاه القضية الفلسطينية، باستعداد فلسطيني لتقديم حق العودة "عربوناً" مقدماً في الحلول المطروحة، وتشجعها على تقديم مبادرات لا يشكل حق العودة ركنا أساسياً فيها، كما رشح عن غياب حق العودة عن مبادرة الأمير عبد الله. وبتقديري أنه ما كان حق العودة ليغيب لو لمس الأمير عبد الله من مناقشاته مع المسؤولين الفلسطينيين الذين يلتقيهم مدى إصرارهم على حق العودة، وتمسكهم به. وإذا ما غاب حق العودة عن قرارات القمة العربية القادمة، أو جرى تعويمه أو إبهامه نتيجة مثل هذه المواقف، فإن ذلك سيدفع بحكومة شارون والحكومات الإسرائيلية اللاحقة إلى المضي في سياساتها بضرب حق العودة وتصفيته، كما سيؤدي إلى شطبه من قرارات الأمم المتحدة، بعد أن ظلت الجمعية العامة للأمم المتحدة متمسكة بقرار العودة رقم 194 منذ عام 1948 حتى اليوم. لذلك، فإن التوقف عن مثل هذه المواقف التراجعية المجانية شرط أساسي لإعادة الاعتبار لحق العودة بما يمثله من جوهر القضية الفلسطينية ويسلب كل الطامعين بالقفز عن حق العودة أية ذرائع أو استنتاجات خاطئة يتوهمونها، ويقطع الطريق على سياسات شارون وتحركاته لتصفية حق العودة، ويوفر للمدافعين عن حق العودة روحاً قتالية إضافية، داخل المخيمات وفي كل ساحة من الأرض الفلسطينية. ـ انتهى ـ
|
موقع عبد الله الحوراني
حقوق الطبع محفوظة