|
|
|
|
|
من وعد بلفور إلى إعلان لطفي الخولي بقلم: عبد الله الحوراني لم نكن نعلم أن هناك صلة فكرية تجمع بين صديقنا الأستاذ لطفي الخولي، واللورد آرثر بلفور وزير خارجية بريطانيا الأسبق، وصاحب الوعد المشئوم الذي حمل اسمه، والذي أعطت بموجبه حكومة بريطانيا لليهود سنة 1917 حق إقامة وطن قومي لهم في فلسطين على حساب الشعب العربي الفلسطيني، حتى فاجأنا الأستاذ الخولي، ومن معه فيما يسمى "حركة القاهرة للسلام" ببيان مشترك مع "حركة سلام إسرائيلية مماثلة" يقر فيه ببقاء القدس مدينة موحدة، وبالطبع تحت السيادة الإسرائيلية، وبالتنازل، تبرعاً وكرماً منه، عن حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى أرضهم وممتلكاتهم "تنازلا مطلقا، وبدون شروط عن أي ادعاءات لاحقة حول اللاجئين، واستعادة حقوق الملكية في أراضي الدولة الأخرى". هكذا بالضبط جاء في بيان السيد الخولي، وإن كان البيان قد تعَطَّف وسمح للاجئين الفلسطينيين أن يستوعبوا في الدولة الفلسطينية ـ إذا قامت ـ وبرر الأستاذ الخولي مواقفه هذه، كالعادة، "بالواقعية التي عليها أن تأخذ في الاعتبار الحقائق التي جرت على أرض الواقع". عند ذلك أدركنا أي صلة تربط بين أفكار السيد الخولي وأفكار اللورد بلفور. كنا نتابع منذ سنوات حركة الأستاذ الخولي التطبيعية مع الجانب الإسرائيلي سواءٌ في المجال الثقافي أو غيره، من مؤتمر كوبنهاجن وبيانه الشهير، إلى زياراته المتعددة "إسرائيل"، إلى دعواته لتشكيل تحالفات مع أطراف إسرائيلية، إلى غير ذلك من مظاهر التحرك. ومن باب حسن النية، كنا ننظر إلى حركة السيد الخولي ـ مع رفضنا لها ـ على أنها وجهة نظر سيضطر في النهاية للتراجع عنها أمام الرفض الكاسح لأفكاره وتحركاته من المثقفين العرب عامة، ومن مثقفي مصر العربية بشكل خاص. وأمام الرفض المصري الرسمي والشعبي لأشكال التطبيع المختلفة التي تسعى إليها حكومة تل أبيب. بل كان حسن النية يذهب بنا حد القناعة إلى أن السيد الخولي سيكتشف بنفسه الطبيعة العنصرية الصهيونية الغالبة على المجتمع الإسرائيلي والتي تشكل القاعدة الأساسية التي تنطلق منها سياسة الحكومة الإسرائيلية الراهنة، وبالتالي فهو لن يمضي طويلا قبل أن يكشف خطر تحركاته وحركاته على الحقوق العربية وليس الفلسطينية وحدها. لكن يبدو أن الأستاذ لطفي الخولي ذهب بعيداً، وقد أخذته العزة بالإثم، فلم يعد يستمع لكل الدعوات التي أدانت تحركاته، وطالبته بالتوقف، وأصم أذنيه عن كل الدعوات العربية، وحتى الرسمية، التي تطالب بوقف كل أشكال التطبيع العربي الإسرائيلي التي تمت حتى الآن، كما جاء في قرارات القمة العربية السابقة، وكما يجري الآن عند تناول موضوع القمة القادمة. فالأستاذ الخولي بموقفه الجديد "المتطور" أو "المتهور" هذا يؤكد تبنيه لموقف اللورد بلفور الذي أعطى بوعده المعروف "حقا لا يملكه إلى من لا يستحقه" والسيد الخولي يحذو حذوه فيتصرف في حقوق لا يملكها أحد غير أصحابها، ولا يملك أحد، هو أو غيره حق التصرف بها أو التنازل عنها، بل إن السيد الخولي تجرأ على موقف لم يسبقه إليه أي عربي أو فلسطيني حين أعلن في وثيقته المنشورة، عن التنازل عن حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى وطنهم واستعادة أرضهم وممتلكاتهم، وحتى عن حقهم في المطالبة بها. ومن الملفت للنظر أن السيد الخولي تجرأ بموقفه هذا على ما لم تجرؤ عليه اتفاقيات أوسلو، رغم إجحافها وانتقاصها الشديدين للكثير من الحقوق الفلسطينية، فأقصى ما استطاعت اتفاقيات أوسلو أن تقترب منه في موضوع اللاجئين هو أنها أجلت بحث الموضوع إلى مفاوضات الحل النهائي. نظراً لحساسية الموضوع، باعتباره يشكل جوهر القضية الفلسطينية، وأحد العنوانين الرئيسيين للنكبة التي نحيي ذكراها الخمسين هذه الأيام. اغتصاب الأرض وتشريد اللاجئين. بل إن السيد الخولي أفصح عما لم يستطع أن يشير إليه تلميحاً أكثر المهاودين أو المتهاونين في الحقوق الفلسطينية جرأة، أو أكثرهم استعداداً للقبول بالإملاءات الإسرائيلية. اللهم إلا إذا كان السيد الخولي يعلم ما لا نعلمه عما يدبر بالظلام للتفريط بحقوق اللاجئين، وما وثيقته الجريئة هذه إلا بالون اختبار يطلقه لحساب من هم وراءَه لمعرفة ردود الفعل، أو لتمرير هذه الأفكار ووضعها في "بورصة" التداول !!! ربما يكون مفيداً أن نذكر السيد الخولي ببعض الحقائق عن قضية اللاجئين قبل ان نثير تساؤلاتنا حول دوافعه وأغراضه. وفي هذا التوقيت بالذات. أولاً : من حيث العدد يشكل اللاجئون الفلسطينيون المقتلعون من أرضهم ما يقرب من ثلثي الشعب الفلسطيني وتحديداً 63.5% وبالأرقام يقترب عددهم من الخمسة ملايين لاجئ. والمسجلون منهم في سجلات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأنروا) يتجاوز عددهم 3.6 مليون لاجئ. ثانيا : أما من حيث السكن فيتورع هؤلاء على البلدان العربية المحيطة بفلسطين ومختلف بلدان العالم، بالإضافة لمن يعيشون لاجئين في وطنهم داخل الضفة الغربية وقطاع غزة، وعدد هؤلاء يتجاوز المليون وربع لاجئ. ففي قطاع غزة وحده الذي يتجاوز عدد سكانه المليون إنسان بقليل يبلغ عدد اللاجئين بين هؤلاء أكثر من 700 ألف إنسان، يسكن نصفهم في ثماني مخيمات، وحوالي نصف لاجئي الضفة يعيشون في تسعة عشر مخيماً، أما مخيماتهم في لبنان والأردن وسوريا فيبلغ عددها اثنان وثلاثون مخيما يعيش فيها أكثر من نصف مليون لاجئ. وكنا نتمنى على صديقنا الأستاذ لطفي أن يجشم نفسه عناء زيارة أحد هذه المخيمات في الضفة أو القطاع خلال زياراته المتكررة "لإسرائيل" ومناطق السلطة الفلسطينية ليطلع على حياة هؤلاء الناس وكيف يعيشون وماذا يقول أطفالنا عن حقهم في وطنهم، وذلك حتى يستقي مواقفه من أهل المصيبة لا من المتسببين فيها ولا من المتعيشين عليها من إسرائيليين وأتباعهم. ثالثا : أما عن موقف هؤلاء اللاجئين النضالي فكان لهم شرف الدور الأساسي في وضع الثورة وتفجير الانتفاضة. كانت مخيمات الخارج حاضنة الثورة ونارها ووقودها وعنوان استمرارها. وكانت مخيمات الداخل الأب الشرعي والأم الحقيقية للانتفاضة وهم من سودوا نهار المحتل وجعلوا بقاءه مستحيلا. وفي حالتي الداخل والخارج، كان شعار العودة لأرضهم وممتلكاتهم هو حافز نضالهم وتضحياتهم. وأود فقط أن أذكر الأستاذ الخولي بالمعارك التي خاضها هؤلاء اللاجئون ضد مشاريع التوطين، وبخاصة في قطاع غزة في عقد الخمسينات. وهو بلا شك يذكر تلك الفترة باعتباره كان قريبا ـ من حيث المكان ـ من قطاع غزة. وإذا كانوا لم يسمحوا لأحد في الماضي أن يسلبهم حقهم في العودة إلى وطنهم وممتلكاتهم، فهم اليوم أشد تمسكا بهذا الحق، وأكثر استعدادا للدفاع عنه، ولن يسمحوا لأحد أن يتنازل، باسمهم عنه، مهما كانت الصفات التمثيلية التي يحملها، فهم لم يفوضوا أحداً بذلك، ولن تثنيهم عن عزمهم هذا، أو تغريهم بالانصراف عنه أية مسميات، سواءٌ حملت اسم حكم ذاتي أو سلطة أو حتى دولة إذا كان ثمن ذلك المقايضة على هذه الحقوق أو التفريط بها. رابعا: إن حق اللاجئين في العودة إلى أرضهم وممتلكاتهم فضلاً عن أنه حق وطني وقومي، للأستاذ الخولي ولكل عربي حق فيه مثلما لنا، وواجبه في الحرص عليه مثل واجبنا، فهو حق شخصي وملكية فردية وجماعية لهؤلاء اللاجئين. فلمعلومات الأستاذ لطفي وجماعته السلامية أن مجموع ممتلكات أهالي ألـ 418 قرية ومدينة التي دمرتها "إسرائيل" وطردت سكانها يزيد عن 17 مليون دونم (17 ألف كيلو متر مربع) من أصل 27 ألف كيلو متر مربع هي مساحة فلسطين الطبيعية. أما العشرة آلاف كيلو متر مربع الباقية فهي مساحة الضفة وغزة (5.5 الف كيلومترمربع) والأراضي الحكومية غير المسجلة باسم أحدن و 1.6ألف كم هي كل ما تملكه المنظمات اليهودية في فلسطين. وقد ظلت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، منذ النكبة حتى اليوم تتعامل مع أملاك اللاجئين الفلسطينيين على أنها أملاك غائبين، ومازالت مسجلة حتى في دائرة الأراضي الإسرائيلية باسم أصحابها الأصليين، وتدار عن طريق التأجير للمزارعين الإسرائيليين من قبل هيئات إسرائيلية متخصصة. وعلى الصعيد الدولي مازال قرار الأمم المتحدة رقم 194 الصادر في ديسمبر 1948، والقاضي بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة لوطنهم وممتلكاتهم هو القرار الشرعي الدولي الذي يحدد كيفية حل قضية اللاجئين. ولم تتنكر الأمم المتحدة لهذا القرار ولم تتراجع عنه بل تقوم بتأكيده سنويا بأصوات أغلبية ساحقة في الجمعية العامة. وحتى الولايات المتحدة الأمريكية ظلت تصوت إلى جانب هذا القرار منذ عام 1948 وحتى عام 1994 بعد اتفاقات اوسلو حين صارت تمتنع فقط عن التصويت ـ دون معارضة ـ بحجة أن تصويتها معه قد يؤثر على مباحثات الحل النهائي عند طرح موضوع اللاجئين. فهل يرى الأخ لطفي أن نتقدم للأمم المتحدة بطلب إلغاء القرار رقم 194، وأن نتنازل ـ من أجل خاطره وخاطر جماعته السلامية وأصدقائه السلاميين الإسرائيليين ـ عن حقوقنا في أرضنا وممتلكاتنا تبرعاً لوجه الله لصالح "اليهود الفلاشا الغلابى" وغيرهم من القادمين الجدد لإسرائيل من مختلف بلدان العالم، باعتبارهم أحق منا في هذه الأرض، وحتى نعزز من قدرة إسرائيل "المسكينة" في وجه التهديدات العربية العدوانية !!! إن كان الأستاذ الخولي لا يعرف هذه الحقائق، ومع ذلك يتنطح لمثل هذه القضية الصعبة والمعقدة، ويستسهل طرح أفكاره "النيرة" بهذه البساطة، فتلك مصيبة. وإن كان يعرفها، ومع ذلك يمضي في أطروحاته وتحركاته، فالمصيبة أعظم. وهذا يعظم السؤال؟ ترى ما الذي دفع السيد بالخولي وجماعته للقفز إلى هذه القضية بالذات، وهي آخر قضايا الصراع في أجندة البحث، رغم أنها أم القضايا من حيث الأهمية، وعليها يتوقف مستقبل عملية السلام بأسرها في المنطقة !! وهل أوحى له أحد بهذه الأفكار ؟؟ ومن هو؟ ترى ما الذي دفع السيد الخولي وجماعته للقفز إلى هذه القضية بالذات، وهي آخر قضايا الصراع في أجندة البحث، رغم أنها أم القضايا من حيث الأهمية، وعليها يتوقف مستقبل عملية السلام بأسرها في المنطقة!! وهل أوحى له أحد بهذه الأفكار؟؟ ومن هو؟ إن كان فلسطينيا فصدقني يا أخي لطفي أنه خدعك، ولم يكن أمينا لا على قضية شعبه ولا عليك، وإن كان إسرائيليا فقد جرّك إلى موقع لا نريده لك، ووصمك بما ليس فيك وما ننزهك عنه. وعسى أن تخرج من المصيدة التي نصبوها لك.
|
موقع عبد الله الحوراني
حقوق الطبع محفوظة