|
|
|
|
|
الحركة الشعبية للدفاع عن حق العودة ... ما أنجزته وما لم تنجزه بقـلم: عـبد الله الحـوراني شهدت السنوات الأخيرة جهوداً شعبية كبيرة، للدفاع عن حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة . وتناولت هذه الجهود ، شرح قضية اللاجئين، ومكانتها كأساس لمشكلة فلسطين، ونكبتها. وهدفت إلى توعية جماهير شعبنا الفلسطيني عموماً، واللاجئين خصوصاً، على المخاطر المحدقة بقضية اللاجئين، وضرورة التنبه لها، والتصدي لأبعادها . وكانت هذه الجهود من السعة بحيث شملت ساحة الوطن بمناطقه الثلاث ، الضفة والقطاع وداخل الخط الأخضر، كما امتدت إلى أماكن التجمعات الفلسطينية خارج حدود الوطن ، سواءٌ في الأرض العربية، أو في مناطق الشتات البعيدة. هذا فضلاً عن بعض التحركات في المنتديات الدولية. ويمكن القول: إن هذه الجهود نجحت، إلى حد ما، في لفت الأنظار إلى أهمية قضية اللاجئين، وخطورة ما تتعرض له من تآمر، وضرورة تصدي الجماهير الفلسطينية لحماية حقها في العودة والدفاع عنه. كما نبهت هذه الجهود الشعبية القيادة الفلسطينية إلى مدى تمسك الشعب الفلسطيني بحق العودة ، وأن تمسكه بهذا الحق ، ربما يفوق اهتمامه بقضية الدولة أو قضية القدس، مما يعني أن تركيز خطابها السياسي على قضية الدولة أو القدس لا يمكن أن يغريه أو يصرفه عن التمسك بحق العودة، أو يدفعه للقبول بأي مقايضة على هذا الحق. وتصدت الحملة الشعبية للدفاع عن حق العودة لمحاولات تحريف مفهوم العودة التي سعت جهات فلسطينية وإسرائيلية ودولية إلى تسويقها، بحيث تعني العودة إلى مناطق السلطة أو الدولة الفلسطينية المستقبلية. وأكدت الحملة الشعبية على مفهوم واحد لا مجال للالتباس فيه أو التدليس عليه، وهو أن عودة اللاجئين هي إلى مكان ثابت ومحدد هو أراضيهم وممتلكاتهم الأصلية التي طردوا منها عام 1948 . كما حددت مفهوماً واضحاً للتعويض المادي والمعنوي للاجئين كحق أساسي، إلى جانب حق العودة، وليس بديلاً عنه، وهو التعويض عن الخسائر التي لحقت بالشعب الفلسطيني والمعاناة التي تكبدها نتيجة اغتصاب أرضه وممتلكاته، وطرده منها، واستثمار إسرائيل لهذه الأرض مدة ستة وخمسين عاماً. وبرغم هذه النجاحات التي سجلتها الحركة الشعبية في الدفاع عن حق العودة، إلا أنها لم توقف المخاطر الكبيرة التي مازالت تهدد حق العودة، خاصة مع تنامي التيارات والأفكار اليمينية العنصرية في المجتمع الإسرائيلي، وتصاعد التطرف، وتوحد الموقف الإسرائيلي، يمينه ويساره، على رفض حق العودة، ومع إصرار الحكومة الإسرائيلية على انتزاع إقرار من الشعب الفلسطيني وقيادته، ومن الدول العربية والمجتمع الدولي، بأن إسرائيل هي دولة لليهود فقط ، وذلك لقطع الطريق على عودة اللاجئين الفلسطينيين من جهة، والتمهيد لطرد العرب الفلسطينيين من داخل الدولة الإسرائيلية من جهة أخرى . وقد تجسد الإصرار الإسرائيلي على رفض حق العودة في الضمانات المكتوبة برفض عودة اللاجئين التي حرص رئيس الوزراء الإسرائيلي على أخذها من الرئيس الأمريكي . وحتى الهجمة العدوانية التدميرية المستمرة التي تستهدف مخيمات الضفة والقطاع بشكل يومي، يمكن إدراجها في إطار الجهود الإسرائيلية الرامية لتصفية حق العودة، عبر تصفية المخيمات وسكانها بالقتل والتدمير والتهجير، باعتبار هذه المخيمات تمثل الشاهد الحي على بقاء قضية اللاجئين ، وإصرار أصحابها على العودة إلى ديارهم. كما لم تنجح الحملة الشعبية حتى الآن في ردع المتآمرين على حق العودة، أو المفرطين فيه، من داخل الساحة الفلسطينية، وأحيانا من بعض الأوساط القيادية الفلسطينية الذين يتسترون بستار الواقعية والموضوعية، فكلنا نعلم أن أصحاب وثيقة أو اتفاقية البحر الميت ـ جنيف خرجوا من عب القيادة الفلسطينية، سواء كانت اللجنة التنفيذية أو ما يسمى مجلس الوزراء ، أو المجلس التشريعي . ومازال هؤلاء يتمتعون بمواقعهم ومناصبهم، ويواصلون تحركاتهم على الساحة الدولية والعربية مسوقين مبادرتهم، وناطقين باسم الشعب الفلسطيني . وما يمارسه أصحاب جنيف ، تمارسه أيضاً مجموعة سري نسيبة، دون أن يبدر عن الرئيس ياسر عرفات بوصفه رئيس منظمة التحرير ورئيس السلطة، أو عن مجلس الوزراء أو المجلس التشريعي أي موقف يوحي باستجابتهم للنداءات والمواقف والتحركات الشعبية التي طالبتهم بوقف هؤلاء المفرّطين عند حدهم ، ومحاسبتهم على خروجهم على الثوابت الوطنية الفلسطينية والتفريط فيها . مما أغرى هؤلاء بالاستمرار في سياساتهم، وأوحى للأوساط الإسرائيلية ، والعربية الرسمية، والدولية باستعداد القيادة الفلسطينية للمساومة على حق العودة . ومن يتابع تدني مستوى النصوص الخاصة بحق العودة في الوثائق والمشاريع التي تقدم لمؤتمرات القمة العربية (منذ قمة بيروت عام 2000 وحتى والآن) أو في المبادرات التي تصدر عن هذه المؤتمرات ، يلحظ تراجعاً في الموقف الرسمي الفلسطيني تجاه هذا الحق ، وتراخيا في الدفاع عنه. ومن ناحية أخرى لم تنجح الحركة الشعبية للدفاع عن حق العودة ، حتى الآن، في أن تجعل من قضية اللاجئين قضية شعبية عربية، تتبناها القوى والأحزاب السياسية ، والمنظمات الشعبية العربية، وتتمسك بها وتدافع عنها ، بل يمكن القول : إن مفهوم حق العودة غير واضح لدى أوساط واسعة من الجماهير العربية. ذلك أن الخطاب السياسي الرسمي الفلسطيني ركز بشكل خاص على قضية الدولة والقدس ولم يول اهتماماً كبيراً لشرح حق العودة ومفهومه والتمسك به. وقد انساق الإعلام العربي وراء الخطاب الرسمي الفلسطيني والعربي، بحيث زاد في جهل المواطن العربي بهذا الحق . وترافق ذلك مع انقطاع شبه كامل بين الحركة الشعبية الفلسطينية بفصائلها ومنظماتها الجماهيرية وبين مثيلتها العربية، وذلك يعود إلى غياب منظمة التحرير ومؤسساتها وذوبانها في مؤسسات السلطة ، وتحولها من حركة تحرر وطني إلى جهاز سلطوي ، قبل أن تنجز برنامج التحرر الوطني للشعب الفلسطيني بكل ثوابته الوطنية وفي مقدمتها حق العودة . وربما للأسباب التي أوردناها أعلاه، لم تتوصل الحركة الشعبية للدفاع عن حق العودة إلى الارتقاء بهذا الحق على المستوى الدولي ، لتجعل الاهتمام به بمستوى الاهتمام بالحقوق الأخرى للشعب الفلسطيني كالدولة والقدس والاستيطان . فنتيجة لاتفاقات اوسلو، والصورة التي سوقها الإعلام الغربي بها على أنها حل للقضية الفلسطينية من كل جوانبها، جرى تراجع كبير في دعم النضال الفلسطيني، على المستوى الدولي بين الأحزاب والمنظمات غير الحكومية ولجان التضامن. ولولا الانتفاضة الفلسطينية لما أمكن استعادة جزء كبير من تأييد للحقوق الفلسطينية . لكن حق العودة ظل الأقل حظا في كسب التأييد الشعبي الدولي له نتيجة عدم التركيز عليه . وقد لا يكون عدم التركيز على حق العودة في الخطاب الفلسطيني هو السبب الوحيد في قلة استقطاب التأييد لهذا الحق في الوسط الدولي غير الرسمي بشكل خاص . فالمدافعون الفلسطينيون عن حق العودة (الحركة الشعبية) قصروا موقفهم حتى الآن على التمسك بهذا الحق ورفض التنازل عنه، دون أن يقدموا شرحاً له، أو آلية لتطبيقه، ودون أن يردوا على ما تدعيه إسرائيل من مخاطر ديموغرافية عليها فيما لو تم تمكين الفلسطينيين من هذا الحق . إذ يتوجب على الحركة الشعبية الفلسطينية للدفاع عن حق العودة، ( عندما تتبلور صيغة موحدة ومنظمة لهذه الحركة ) وعلى مفكريها وسياسييها، أن تشغل نفسها بوضع مشروعها للعودة على أساس التعايش مع الآخر وليس الحلول محله، وعلى أساس إيجاد صيغة تطمئنه إلى أنه لن يكون في وضع الأقلية في الحكم إذا ما تخلى عن تمييزه العنصري وعرقيته، واستنباط مفاهيم واقعية للديموقراطية تمنع تحكم الأغلبية في الأقلية. وأعتقد أن تجارب العصر في البوسنة وكوسوفا، وجنوب أفريقيا، تشجع على مثل هذه الاستحداثات السياسية. وعلى الحركة الشعبية للدفاع عن حق العودة ( ومرة أخرى، عندما تستكمل صورتها وبنيانها) أن تهيأ نفسها ومواطنيها، وتربيهم على هذه المفاهيم ( وبالطبع لن يكون الأمر سهلاً، وسيحتاج إنجازه إلى وقت طويل وجهد كبير). ويبقى على هذه الحركة أن تقنع العالم بأن مخاطر عدم العودة على استقرار المنطقة، وعلى السلام العالمي، هي أكبر بكثير من المخاطر التي تدعيها إسرائيل على أمنها وسلامها فيما إذا تم تطبيق حق العودة للاجئين الفلسطينيين إلى دولة إسرائيل . فهذه الملايين الفلسطينية داخل وخارج فلسطين، والتي تمتد على رقعة عربية تشكل المخزون الاستراتيجي النفطي الأغنى في العالم، والتي تربت أجيالها المتعاقبة من الشيوخ حتى الأطفال على التمسك بالعودة ، إذا ما حرمت من حق العودة فإنها ستشكل عنصر عدم استقرار في المنطقة، بل عنصر تهديد للأمن والسلام العالميين، وبخاصة إذا ما نجحت في استقطاب قطاعات جماهيرية عربية واسعة، في منطقة هي بالأساس محتقنة ضد العدوان الصهيوني الأمريكي، وتعيش وضعاً متفجراً ضد الوجود الأجنبي، وتخاذل النظام الرسمي العربي . أمام هذه المهمات الكبرى الملقاة على عاتق الحركة الشعبية للدفاع عن حق العودة ، يطرح سؤال كبير : هل في وسع هذه الحركة ، بواقعها الراهن أن تقوم بهذا الواجب ؟ ولماذا لم تقم به حتى الآن ؟. هنا علينا أن نعترف أن الحركة التي نتحدث عنها هي حركة ناشئة، بل ربما لم تتبلور بعد . فقد غلب عليها حتى الآن الطابع العفوي غير المنظم، وقد تشكلت نتيجة مبادرات فردية من لجان أو قوى أو شخصيات، دون أن يربط بينها رابط . وحتى في الساحة الجغرافية الواحدة ، تشكلت أحيانا العديد من اللجان والهيئات التي تقوم بالمهمة ذاتها. هذا الواقع أدى إلى غياب المخطط الشامل والموحد الذي ينظم هذه الجهود المتفرقة سياسياً وإعلاميا وثقافيا وتربويا واجتماعيا واقتصاديا. وأعتقد أن الوصول إلى هذا الهدف يقع على عاتق جميع الأطراف والهيئات التي تنخرط في معركة الدفاع عن حق العودة . أما كيف يتم ذلك .... فهذا ما يمكن الإجابة عليه لاحقا . ـ انتهى ـ
|
موقع عبد الله الحوراني
حقوق الطبع محفوظة