Abdullah  Al-Hourani

 

 

حديث اللاجئين والذكرى الواحدة والخمسون لنكبتهم.

بقلم: عبد الله الحوراني.

يقول المتنبي، في وصف الحمى التي أصابته، وكيف كانت تأتيه في مواعيد ثابتة على رغم كرهه لمجيئها:

             وزائرتي كـأن بها حيـاءٌ   \        فليس تزور إلا في الظلام

             أراقب وقتها من غير شوق    \      مراقبة المشوق المستهـام

             ويصدق وعدها والصدق شر        \ إذا ألقاك في الكرب العظام

وذكرى النكبة، كحمى المتنبي، تأتينا سنوياً في موعدها الثابت، على غير شوق إليها. فهي تمثل لنا عنوانين يجسدان المأساة الفلسطينية بكاملها. استلاب الأرض، وتهجير الشعب.

وإذا كانت الأرض ظلت راسخة في مكانها لأنهم لم يستطيعوا ترحيلها، ولكنهم حرَّموا علينا حتى رويتها، فإن قضية اللاجئين التي تتجسد أمامنا بشكل خاص في مخيمات الداخل والشتات، ظلت الشاهد الحيّ الذي يذكر بالنكبة. وهي شواهد ليست كشواهد القبور التي تؤشر على موت أصحابها، وإنما هي شواهد من لحم ودم، تنبض بالحياة، وتتطلع للعودة إلى الأرض التي لم تمت، ولم ترحل، ولم تنكر أصحابها، رغم طول الغياب.

وعلى مدى سنوات الغياب، شكل الترابط بين قضيتي الأرض واللاجئين أساس البرنامج الوطني لمنظمة التحرير الفلسطينية، ولمجمل أطراف حركة التحرر الوطني الفلسطينية، وكان النضال لتحرير الأرض، يعني في الوقت نفسه النضال لعودة اللاجئين، والعكس صحيح أيضاً. وهو ما جعل مخيمات اللجوء في الخارج بؤرة ثورة التحرير ومنطلقها وحاضنتها، ووقودها. مثلما كانت مخيمات اللجوء في الداخل، لاحقاً، عنواناً لانتفاضة الخلاص من الاحتلال، وصاحبة الرصيد الأكبر في المعاناة والتضحيات.

ولذلك، تظل قضية اللاجئين هي العنوان الأبرز للنكبة، وهي أيضاً عنوان استمرار قضية عودة الأرض، أو العودة إليها. ويُخطئ من يتوهم أن بإمكانه أن يصنع سلاماً، أو يضمن الدوام لأية تسوية يجري التفاوض عليها إذا تم القفز عن هذه القضية، أو جرى التواطؤ عليها أو التنازل فيها. وحتى قضية الدولة، وبرغم الأحلام أو الأوهام التي تنسج حولها، لا تشكل إغراء لديهم لصرف النظر عن قضية العودة، ولا تتقدم أو تتفوق عليها في الأولويات.

وتأخذ ذكرى النكبة هذا العام بعداً أكثر أهمية، كونها تأتي مع اقتراب مفاوضات الحل الدائم التي تتناول قضايا المرحلة النهائية وفي مقدمتها قضية اللاجئين.

وقد يكون من المفيد التأكيد على مجموعة من الثوابت الوطنية حتى لا ينساها أو يتناساها أحد، فيقع في المحظور. وعندها لن ترحمه ذاكرة الشعب التي لا تنسى، ولا تموت.

أولاً ـ إن مفهوم العودة، هو عودة اللاجئين إلى أرضهم وممتلكاتهم التي انتزعت منهم وأبعدوا عنها عام 1948. وليس عودة لاجئ الشتات إلى مناطق السلطة الوطنية، أو الدولة الفلسطينية فيما لو قامت. فمثل هذا التحوير في مفهوم العودة، يجري الترويج له في دوائر معينة، بهدف جعله بديلاً لحق العودة بمفهومه الأساسي.

ثانياً ـ إن حق اللاجئين في العودة إلى أرضهم وممتلكاتهم، فضلاً عن أنه حق وطني وقومي، فهو حق شخصي وملكية فردية وجماعية لهم ولأجيالهم اللاحقة لا يملك أحد غيرهم حق التصرف فيها أو التنازل عنها، أو المقايضة عليها مهما كانت الصفة التمثيلية التي يحملها. فهم لم يفوضوا أحداً بذلك.

وإذا كانوا قد نجحوا في الماضي في إسقاط كل مشاريع التوطين منذ بدأت فكرتها في سنوات الخمسين الأولى، فهم اليوم أشد تمسكاً بحقوقهم، وأكثر استعداداً للدفاع عنها.

ثالثاً ـ إن قراري الجمعية العامة للأمم المتحدة (181) لعام 1947 و(194) لعام 1948 مازالا يشكلان الأساس الدولي الذي يحفظ حقوق اللاجئين في أرضهم وممتلكاتهم والعودة إليها. وهذان القراران لم يلغيا من المجتمع الدولي، ولم يسقطا بالتقادم. بدليل أن القرار (194) مازالت الجمعية العامة للأمم المتحدة تؤكد عليه سنوياً وبأغلبية كبيرة منذ عام 48 وإلى اليوم. وحتى الولايات المتحدة الأمريكية ظلت تصوت إلى جانب هذا القرار حتى عام 1994 حين توقفت وصارت تكتفي بالامتناع عن التصويت. بحجة أن الموضوع أصبح من مشمولات القضايا التي سيجري التفاوض عليها وفق اتفاقيات أوسلو. "وهذا بالطبع أحد الأفضال التي جاءَنا بها اتفاق أوسلو".

أما القرار (181)، فقد تأكدت حيويته وصلاحيته، حين استندت إليه دول الاتحاد الأوروبي أخيراً في بيانها الشهير، الذي رفضت فيه الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل.

وحين نشير إلى هذين القرارين ندعو إلى التمسك الفعلي بهما، وليس فقط استخدامهما من باب رفع العتب، أو ذراً للرماد في العيون كما قد يفعل أو يتذرع دعاة الواقعية أو من تغريهم المواقع والمناصب. أو من يشعرون بالاسترخاء في أرضهم ومدنهم.

رابعاً ـ إن الحديث عن التعويض المادي بديلاً للعودة، هو حديث لا يغري، ولا يجب أن يغري أحداً. وهو ليس أكثر من عملية خداعية لإقناع اللاجئين بقبول التعويض بعد تيئيسهم من إمكانية العودة، واستغلال ظروفهم الاقتصادية الصعبة. ومع ذلك لن يطالهم من هذا التعويض شئ، غير التنازل عن حقهم وأرضهم، وخسارتهم لشرفهم الوطني. ذلك أن هذه التعويضات يجري الحديث منذ الآن عن أوجه التصرف فيها أو المقايضة عليها. فمن جهة تطرح إسرائيل مقابل تعويضات اللاجئين الفلسطينيين، تعويض اليهود الذين هاجروا من البلدان العربية أواخر الأربعينات وأوائل الخمسينات، وتقدم أرقاماً لأعدادهم تعادل أو تقارب أعداد اللاجئين الفلسطينيين عام 1948. وقد تكون النتيجة في ظل موازين القوى القائمة، وشروط الاتفاقات التي تمليها إسرائيل، أن يجري التنازل عن هذه، مقابل تلك.

ومن جهة أخرى تتحدث بعض البلدان العربية المضيفة للاجئين عن المليارات التي أنفقتها أو التي ستنفقها على إسكان اللاجئين وإعاشتهم وتأهيلهم. وهي بذلك تمهد للحصول على هذه التعويضات. وفي الحالتين، فإن الخاسر الأكبر هم اللاجئون إذا قبلوا بمبدأ التعويض.

خامساً ـ لكن التعويض الذي يتطلع إليه اللاجئون، ويصرون على المطالبة به، مع المحافظة على حقوقهم في أرضهم وممتلكاتهم، هو التعويض عن استثمار إسرائيل لهذه الأراضي والممتلكات على مدى أكثر من نصف قرن. وهي الممتلكات التي ما تزال مسجلة بأسمائهم لدى الدوائر الإسرائيلية، وتستغلها هذه الدوائر كأملاك للغائبين. وفي هذه التعويضات المشروعة ما يكفي لتحسين أحوال اللاجئين، والإنفاق عليهم، إلى أن يتمكنوا من حق العودة.

سادساً ـ إن النظرة الإسرائيلية والأمريكية، والغربية عموماً، لقضية اللاجئين تراها من زاوية اقتصادية، وترى حلها في مشروع الشرق أوسطية الاقتصادية الذي تسعى لتحقيقه من خلال عملية التسوية السياسية الجارية. وهي بذلك تتجاهل أن قضية عودة اللاجئين تتصل بشرعية حقوق الإنسان، والقانون الدولي. وبالتالي فإن الحل القائم على الشرق أوسطية الاقتصادية لن تكتب له الديمومة مستقبلاً حتى لو تم تنفيذه قسراً في الوقت الراهن.

إن ما يدعو إلى التأكيد على هذه الثوابت هو القلق مما يجري الحديث حوله همساً، أو ما تسربه الدوائر الإسرائيلية من معلومات عن مذكرات تفاهم جرى أو يجري البحث فيها كأساس لمفاوضات الحل النهائي، أو ورشات عمل يعقدها باحثون فلسطينيون وإسرائيليون ودوليون في هذه العاصمة الغربية أو تلك. وكلها تدور حول حل لقضية اللاجئين يقوم على تأهيلهم في أماكن تواجدهم في الشتات أو الداخل، وتطوير أوضاعهم الاقتصادية، وإعطائهم بعض التعويض المعنوي والمادي. وتلغي مسؤولية إسرائيل عن هذه القضية اللهم إلا من اعتراف أو اعتذار معنوي عما وقع لهؤلاء اللاجئين من أذى نتيجة قيام إسرائيل.

وفي كل هذه الأفكار يجري تجاهل حق العودة تماماً، بل يجري نفيه، واعتبار كافة الدعاوي والمطالب الفلسطينية المتعلقة بهذه القضية منتهية.

إن تمرير مثل هذا الحل يمكّن للاستعمار الصهيوني الاستيطاني في المنطقة العربية، ويُسكِّن جسد الضحية الفلسطينية، بالإكراه، في غير موضعه الصحيح من الجغرافيا والتاريخ. ورد الفعل الفلسطيني والعربي، في حالة كهذه، هو المقاومة. مقاومة هذا الحل، بوسائل كثيرة متاحة الآن، أو يمكن أن تتاح في المستقبل.

وإذا كان الوضع العربي الآن بما يعانيه من ضعف وتفكك يشجع أصحاب هذا الحل على استغلال اللحظة التاريخية لتمرير رؤيتهم، فإن الرؤية الشاملة، واسعة الأفق، لا يمكنها أن تتوقف عند اللحظة الراهنة، دون أن ترى المستقبل وتفاعلاته وتغيراته.  

 


موقع عبد الله الحوراني
حقوق الطبع محفوظة