|
|
|
|
|
في آذار نمتد في الأرض وتنتشر الأرض فينا بقلم:عبد الله الحوراني
أُسمِّي الترابَ امتداداً لروحيأُسمِّي يديَّ رصيفَ الجروحِ أُسمِّي الحصى أجنحة أُسمِّي العصافيرَ لوزاً وتين أُسمِّي ضلوعي شجرْ وأستلُّ من تينة الصدر غصناًوأقذفه كالحجرْ وأنسف دبابة الفاتحين . محمود درويش/ من قصيدة الأرض. لم يزد عددهم عن مائة وأربعين ألفاً، حين ظلوا منزرعين في وطنهم العربي الفلسطيني عندما قامت عليه "دولة" إسرائيل عام 1948. كانوا وحيدين إلا من إيمانهم بالانتماء إلى وطنهم، عزلاً إلا من إرادتهم بالبقاء في أرضهم، مقهورين إلا من صبرهم على الأذى والمكاره. محرومين من جنسيتهم العربية التي أصبحت إسرائيلية، متهمين ومنبوذين حتى من أمتهم التي لم تقدِّر حينها معنى صمودهم وتضحياتهم. لكنهم صمدوا. اضطهدتهم حكومات إسرائيل المتعاقبة، وصمدوا. سعت بكل الوسائل لترحيلهم من وطنهم، ورفضوا. انتزعت معظم أراضيهم وحولتهم إلى لاجئين في وطنهم، وصمدوا. حرمتهم من حقوقهم القومية، وصمدوا. منعت عنهم فرص التعليم المتكافئ، وصمدوا. لم تسمح لهم بالعمل إلا في المهن التي يترفع اليهود عن العمل فيها، وصمدوا. عاملتهم كعبيد في خدمة الأسياد، وصمدوا. جعلوا من البقاء في الوطن شعاراً لمقاومة الترحيل. واتخذوا من زيادة النسل والتوالد سياسة لمقاومة محاصرتهم بالبقاء أقلية قومية في وطنهم. فأصبحت نسبة توالدهم من أعلى نسب التوالد في العالم، حتى بلغ عددهم اليوم أكثر من مليون مواطن عربي يشكلون خُمس سكان دولة إسرائيل، وهي نسبة في طريقها للازدياد خلال السنوات والعقود القادمة، بحيث باتوا يشكلون صداعاً قويا للعنصرية الصهيونية، وأصبحوا عقبة رئيسية في وجه الأحلام الصهيونية بإقامة الدولة ذات العرق اليهودي النقي على أرض فلسطين . فجّر فيهم الاضطهاد القومي الصهيوني لهم، أنبل مشاعر الاعتزاز بانتمائهم القومي العربي. ولم يتغيبوا عن المشاركة بوجدانهم وأحاسيسهم ومظاهراتهم في كل معارك شعبهم العربي الفلسطيني، وأمتهم العربية منذ العدوان الثلاثي الإسرائيلي البريطاني الفرنسي على مصر عام 1956، وحتى العدوان الثلاثيني الذي مازالت تمارسه وتقوده الولايات المتحدة الأمريكية ضد شعبهم العربي في العراق، والحصار اللاإنساني الظالم الذي تفرضه عليه. مروراً بالوقوف مع الثورة الجزائرية أواخر الخمسينات وأوائل الستينات، وثورة شعبهم العربي الفلسطيني وقيام منظمة التحرير الفلسطينية أواسط الستينات. وضد عدوان الخامس من حزيران عام 1967 واحتلال الضفة وسيناء والجولان . وإدانة ومقاومة الغزو الإسرائيلي للبنان ومنظمة التحرير الفلسطينية صيف عام 1982. ومؤازرة الانتفاضة في غزة والضفة منذ انطلاقها عام 1987. وهم اليوم أصلب قطاعات شعبهم العربي الفلسطيني في الدفاع عن حقوقه الوطنية في العودة وتقرير المصير وإقامة دولته الوطنية المستقلة. بل إن القهر القومي الصهيوني الذي تعرضوا له، ومقاومتهم له فجّر فيهم طاقات إبداعية خلاقة، ربما لم تشهدها ساحات عربية أخرى، فأنبت من بينهم شعراء من أعظم شعراء العربية المحدثين، كمحمود درويش، وتوفيق زياد وغيرهم، ممن استلهموا روح الصمود والمقاومة، وتزودوا بإرث أمتهم، والإرث النضالي الإنساني في مقاومة الاستعمار والاحتلال. فأنشدوا للأرض والصمود والمقاومة ما أصبح سلاحاً بيد الجماهير الفلسطينية والعربية يقوي من صمودها من جهة، ويثير الرعب والفزع في صفوف الغزاة والمحتلين من جهة أخرى. كقول توفيق زياد باسمهم : كأننا عشرون مستحيل في اللد والرملة والجليل هنا .. على صدوركم باقون كالجدار وفي حلوقكم، كقطعة الزجاج، كالصبار وفي عيونكم، زوبعة من نار. هؤلاء الأهل اختاروا الثلاثين من آذار يوماً للأرض وعيداً لها يحتفلون به منذ عام 1976، ويحيون ذكرى شهدائهم الذين سقطوا في ذلك اليوم دفاعاً عن أرضهم. لم تبدأ معاركهم في الدفاع عن الأرض عام 1976. ولم يكن الثلاثين من آذار وحده يوماً للأرض. فكل أيامهم وأيام الشعب الفلسطيني والعربي عموماً هي أيام للأرض. ومعارك الأرض وأيامها بدأت منذ أول يوم وضعت فيه الغزوة الصهيونية أقدامها على هذه الأرض في الربع الأخير من القرن التاسع عشر ولم تتوقف حتى اليوم. ولكنهم جعلوا من هذا اليوم والتاريخ عنواناً لكل معارك الأرض، وإحياء لذكرى كل الشهداء الذين سقطوا على مدى أكثر من قرن . وأصبح الثلاثين من آذار أيضاً عنواناً لوحدتهم الوطنية والقومية في وجه سياسة القهر القومي الصهيوني ضدهم، ومناسبة لحشد طاقاتهم الجماهيرية، وإظهار قدراتهم التنظيمية في وجه المخططات الإسرائيلية لانتزاع أراضيهم ومصادرتها. وهو أمر باتت تحسب له السلطات الإسرائيلية ألف حساب، بعد أن خبرت جرأة الجماهير في الجليل والمثلث والنقب وهي تتصدى بصدورها العارية لدبابات الاحتلال وجنوده وتجبرهم على التراجع والانسحاب في معركتين شهيرتين على الأقل في العامين الماضيين في قرية أم السحالي وأرض الروحة. ويبدو أن معركة يوم الأرض لهذا العام، والأعوام القادمة ستكون أصعب وأقسى. فإسرائيل لا تكتفي بما التهمته من الأرض الفلسطينية لإقامة دولتها عليه. ولم يشبع غولها الاستيطاني بما أقامه من مدن استيطانية في الضفة وغزة والجولان. فهي تنظر باستخفاف لشعار "الأرض مقابل السلام" الذي أطلقه الحكام العرب وصدقوه، وتمسكوا بأوهامه وسرابه، حين تخيلوا أن إسرائيل ستمنحهم الأرض مقابل أن يمنحوها السلام. فهي تريد أن تُدفِّعهم المزيد من الأرض ثمنا للسلام الزائف الذي تمنحهم هي إياه. وهذه الأرض التي تسعى إليها إسرائيل ليست في الضفة وغزة فقط، وإنما هي أراضي أهلنا الذين نسميهم عرب 1948. فهي بعد أن صادرت القسم الأعظم من أراضيهم، حتى لم تبق لهم ـ وهم الذين يشكلون حوالي 20% من سكان إسرائيل ـ أكثر من 3.5% من الأراضي، تود الآن أن تغمرهم وتغمرنا وتغمر العرب أجمعين "بنعمة" السلام و"أفضاله" فبدأت تخطط لتنفيذ طريق عريض تسميه "عابر إسرائيل" من جنوب بئر السبع حتى الحدود السورية وبطول 270 كم تقريباً. ولن يقتصر خطر هذا الطريق على الأرض التي سيبتلعها من عرب الجليل والمثلث والنقب. بل هو أحد مخططات إسرائيل التطبيعية مع العرب، والامتداد نحو حدودهم. كما أنه يمثل خطراً ديموغرافيا على عرب الجليل والمثلث لتفتيت كتلتهم السكانية المتراصة عبر إسكان المزيد من اليهود بين قراهم وصفوفهم. إضافة إلى ذلك، لا يتورع ممثلو الحكومة الإسرائيلية عن الإعلان صراحة أن على العرب من سكان إسرائيل أن يدفعوا ثمن السلام مع سوريا، كما دفعوا ثمن السلام مع مصر. فقد أدى الانسحاب الإسرائيلي من سيناء إلى مصادرة آلاف الدونمات من أراضي عرب النقب لإقامة المطارات والمعسكرات والثكنات العسكرية عليها بدلاً من تلك التي كانت في سيناء. وفي حال التسوية مع سوريا، فإن شبيه ذلك سيحدث على حساب الأرض العربية في الجليل. من هنا، يأخذ يوم الأرض هذا العام وفي الأيام القادمة بعداً كفاحياً أعمق وأصعب، لا يجوز أن نترك أهلنا الصامدين هناك يخوضون معركتهم، معركتنا، وحدهم. فقد كانوا الخندق الأول للصمود. وهم الآن خندق الدفاع الأخير. فلهم ألف تحية. ـ انتهى ـ
|
موقع عبد الله الحوراني
حقوق الطبع محفوظة