Abdullah  Al-Hourani

 

 

قضية اللاجئين تحدٍّ يواجه المجلس الوطني الفلسطيني

 

    بقلم : عبد الله الحوراني

لا تكف الحكومة الإسرائيلية، ومؤسساتها التنفيذية والتشريعية، عن وضع الضوابط التي تحكم مسبقاً قراراتها السياسية، وتتحكم فيها. خاصة تلك القرارات التي تتعلق بمفاوضات التسوية، أو السلام كما يسمونها. وهذه السياسة ليست نهجاً يخص حكومة بعينها، أو حزباً معيناً، بل هي نهج عام تلتزم به كل الحكومات الإسرائيلية، سواءٌ انتمت إلى أحزاب اليسار أو اليمين أو الوسط .

لا أدقق كثيراً في أي من الأسباب يدفع، أكثر من غيره، المؤسسات الإسرائيلية لاتخاذ مثل هذه التحوطات، والشروط الصارمة التي تقيد حركة أية حكومة، وتلزمها بالعودة للمؤسسة، أو للناخب الإسرائيلي نفسه قبل التوقيع على أي اتفاق والالتزام به. فسواء كان التعنت الإسرائيلي المعتاد هو السبب الرئيس، أو غطرسة القوة التي تملكها وتتملكها؟ أو "احترامها" لشعبها وإرادته؟ أو "الديموقراطية" التي تدّعيها وتتباهى بها؟ أو هي كل ذلك في آن واحد، فالنتيجة واحدة من حيث ضبط الموقف الإسرائيلي وانضباطه، ومن حيث أثره على الجانب العربي المقابل بمختلف أطرافه، الذي يجد نفسه مضطراً للتراجع، لأنه يتصرف بالقضايا الوطنية المصيرية دون رقيب أو حسيب.

قبل أيام، أقر الكنيست في قراءَة تمهيدية إلزام الحكومة بضرورة الحصول على موافقة ثلثي أعضاء الكنيست على أي اتفاق يتم التوصل إليه حول عودة اللاجئين الفلسطينيين، قبل توقيعه. صحيح أنها قراءَة تمهيدية، ويحتاج القرار إلى المصادقة عليه في ثلاث قراءات أخرى حتى يصبح نافذاً. ولكنه رسالة واضحة ومبكرة للحكومة الإسرائيلية، وضعت لها سقفاً عالياً لا يمكن بلوغه، ورهنت قرارها بالحاجة إلى أصوات غلاة اليمين، وحدَّت بالتالي من حرية حركتها، ورسمت لها حدود التصرف . بل ربما كان في رسالة الكنيست هذه إشارة تحذيرية للإدارة الأمريكية، فيما لو فكرت في الاقتراب من هذه القضية . وبذلك لم يكتف أعضاء الكنيست بلاءات باراك الشهيرة، ولم تمنعهم كل التصريحات المتشددة التي ترد على لسان المسؤولين الإسرائيليين من طرح مشروع قرارهم الاعتراضي أو الاستباقي، حتى لا يفكر أحد في الفريق الإسرائيلي المفاوض بإبداء أي قدر من الليونة أو المرونة.

وفي حين يتمسك أعضاء الكنيست بباطلهم لدرجة تكاد تجعل منه حقاً، يتهاون أصحاب الحق فيه لدرجة قد تصمه بالباطل في عيون من لا يعرفون الحقيقة، أو من يودون إنكارها. فعلى الطرف الفلسطيني المقابل، حيث يمثل مجلسنا الوطني العتيد، المؤسسة التمثيلية المؤتمنة على قضية اللاجئين، وحقهم في العودة الذي كان السبب الرئيس في قيام هذه المؤسسة، ومازال هو المبرر الوحيد لبقائها، يخفت صوت هذه المؤسسة، وكأن ما يجري لا يعرضها للخطر، أو لا يهدد وجودها، وشرعية تمثيلها للشعب الفلسطيني، واللاجئين بالخصوص، في الصميم.

لا أطالب هنا ببيان يشجب أو يستنكر أو حتى يدين إجراءات الكنيست، كما تفعل بيانات الجامعة العربية إزاء التهديدات التي تعرض المصير العربي كله للخطر. ولكني أتساءَل عن إجراء مضاد، يوحي بالثقة في مؤسستنا الوطنية، ويجعلنا نطمئن إلى ثبات موقفها في الدفاع عن الحقوق الوطنية الثابتة لشعبنا وفي مقدمتها حق العودة للاجئين، الذي لا يعادله، ولا ينوب عنه أي حق.

إن توجهات الكنيست المتشددة، تتطلب إجراءً أكثر تشدداً، من مجلسنا العتيد، ليس أقل من قرار يُحرِّم المساس بقضية اللاجئين الفلسطينيين، أو التنازل عن حقهم الكامل في العودة إلى أرضهم وممتلكاتهم التي طردوا منها عام 1948، والتعويض عن الأضرار والخسائر المادية والمعنوية التي لحقت بهم خلال رحلة الشتات والعذاب التي زادت عن نصف قرن . ويحظرُ على المفاوض الفلسطيني التوقيع على أي اتفاق لا يتضمن النص على هذه الحقوق .

إن مثل هذا القرار وحده يشكل رادعاً لكل الأطراف التي قد تفكر بالتطاول على حقوق اللاجئين، أو التنازل عنها بالتوطين، أو التهجير، أو التحوير في مفهوم العودة والأرض المقصودة بها . سواءٌ انتمت هذه الأطراف إلى المعسكر الداخلي أو الخارجي، أو انتمت إلى معسكر الأشقاء أو الأصدقاء أو الأعداء.

ولا يجوز أن يقف التعلل بعدم إمكانية جمع المجلس الوطني لاتخاذ مثل هذا القرار، ذريعة أو عقبة في طريق صدوره . فيمكن اتخاذه بالتمرير على أعضاء المجلس للتوقيع عليه، كما يمكن عقد مؤتمرات شعبية في كل المناطق، داخل الوطن وفي الشتات، للمصادقة عليه . بل يمكن جمع ملايين التوقيعات من الشعب الفلسطيني بأسره لتعزيز هذا القرار . ولن تعدم رئاسة المجلس الوطني وسائلها لخلق الآلية التي تضع هذه الخطوات موضع التنفيذ، وذلك إذا ما آمنت بدورها وواجباتها، واستنفرت جهودها وإمكانياتها، وجعلت من أمانة المسؤولية الملقاة على عاتقها المحرك الوحيد لخطواتها وتوجهاتها .

وفي هذا السياق، بل وقبله، هناك خطوات يجب أن ترافق هذا التحرك، أو تسبقه . فرئاسة المجلس لابد أنها لاحظت تراجعاً ملموساً في الخطاب السياسي الخاص بقضية اللاجئين. إذ لم يعد هذا الخطاب ملتزماً بالحديث عن حق العودة للاجئين، والتمسك به، وإنما بات يميل إلى استخدام تعبير حل قضية اللاجئين، وأحيانا يضيف لها كلمة عادل من باب التجميل أو التمويه، ولطمس الفروقات الهائلة بين الحق والحل . كما أن رئاسة المجلس لا شك لاحظت مؤشرات، تصدر بين الحين والآخر، تؤشر على تحوير أو تحريف في مفهوم حق العودة، بحيث تعطيه معنى العودة إلى مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية، أو الدولة مستقبلاً، وليس إلى أراضيهم وممتلكاتهم الحقيقية . هذا فضلاً عما تتبرع به بعض الأصوات النشاز في الصف الفلسطيني من تصريحات علنية للصحافة، أو الإذاعة الإسرائيلية بالذات، تنفي مطالبتنا بالعودة إلى أراضينا التي طردنا منها عام 1948.

إن خطورة مثل هذه المواقف والتصريحات، والمفاهيم الجديدة لحقوق اللاجئين وعودتهم، تكمن في أنها تصبح سلاحاً بيد الجانب الإسرائيلي، وقاعدة يبني عليها، حيث توحي له بأن مثل هذه المفاهيم تدور في الذهن الفلسطيني، ويمكن الرهان عليها، وخاصة حين يلاحظ أنها تمر دون حساب أو عقاب عليها، أو حتى مساءَلة عنها.

إن أصحاب هذه المواقف والمفاهيم، يتمتعون جميعاً بعضوية المجلس الوطني، أو المجلس المركزي . وأظن أن قوانين المجلس ونظامه الأساسي تحرِّم على أعضائه الخروج عن مبادئه وأهدافه، وتنص على معاقبتهم . وإن إجراءً صارماً من قبل رئاسة المجلس تجاه هذه الخروقات لمبادئنا وأهدافنا الوطنية، وتجاه العابثين بها، لا يوقف فقط مثل هذا العبث بالمصير الوطني، ويردع أصحابه، وإنما يعزز مكانة المؤسسة الوطنية الأم (المجلس الوطني)، ويحفظ لها احترامها ومكانتها، ويعزز الثقة الشعبية بها، كمؤتمنة على الأهداف والحقوق الوطنية الثابتة، كما يبعث بالرسالة المناسبة لأصحاب المشاريع في الكنيست الإسرائيلي .

أترانا نطلب الكثير من مجلسنا الوطني، ورئاسته الموقرة !!! .

ـ انتهى ـ

 


موقع عبد الله الحوراني
حقوق الطبع محفوظة