Abdullah  Al-Hourani

 

 

ليسوا بضاعة كاسدة، وأرضهم ليست برسم البيع

 بقلم : عـبد الله الحوراني

لأنني وغيري من ملايين المواطنين الفلسطينيين والعرب لا نملك سلطة القرار، فلا يبقى لنا غير التعبير عن رأينا بالوسائل المتاحة لنا، فيما يجري التفاوض حوله من قضايا مصيرية تخص شعبنا العربي الفلسطيني وأمتنا العربية، علنا نسهم في تشكيل رأي عام يسهم في إسناد الموقف الوطني من الموضوعات التي يجري الصراع التفاوضي حولها. مع علمنا المسبق بالدور المحدود جداً الذي يلعبه الرأي العام في التأثير على أصحاب القرار في وطننا العربي، وفي العالم الثالث عموماً، خاصة في ظل نظام الهيمنة الأمريكية الذي تحسب له دول العالم الثالث، وغيرها من دول العالم الأول أيضاً، ألف حساب . لكن ذلك لا يعفينا من مسؤولية التنبيه المستمر والتحذير الدائم من خطورة التهاون في القضايا المصيرية بالذات التي هي أمانة للأجيال القادمة لا يملك أحد التفريط فيها أو المساومة عليها.

ومن بين هذه القضايا، تتفرد قضية اللاجئين الفلسطينيين بكونها القضية الوحيدة التي لا مجال فيها للمقايضة، أو الحلول الوسط . فحدها الأعلى هو حدها الأدنى . فاللاجئون كلهم لهم الحق في العودة، ولهم الحق في التعويض، يستوي في ذلك من هم في شتات المنافي، أو القابعون على حدود وطنهم، أو في داخل وطنهم في الضفة والقطاع، أو حتى أولئك المهجرون من مدنهم وقراهم ممن يعيشون في الدولة العبرية . وليس في وسع أحد أن يفرق من حيث الحق، والرغبة، في العودة بين غني وفقير، بين ساكن المخيم وساكن القصور، بين محتاج أو غير محتاج، أو بين حملة وثائق سفر اللاجئين الذين يسد إخوانهم العرب أبوابهم وحدودهم في وجوههم فلا يمكنونهم من كسب لقمة العيش لأطفالهم، أو أولئك الذين يحملون جوازات سفر الدول العظمى ممن يستقبلهم موظفو الأمن في مطاراتنا وحدودنا العربية بابتسامات عريضة .

ومن لديه شك بهذه الحقائق، بإمكانه أن يرصد التحركات والتظاهرات والندوات التي تعم أرجاء الوطن الفلسطيني والعربي والعالم، والتي ينخرط فيها كل اللاجئين، ومعهم كل شعبهم الفلسطيني، وكل شعبهم العربي، مؤكدة هذه الحقائق، ومحذرة من المساومة على قضيتهم. وفي هذه التحركات رسالة واضحة لوفدهم الفلسطيني المخول بالدفاع عن حقوقهم في كامب ديفيد. وإذا كانت الإدارة الأمريكية لا تعي قيمة هذه التحركات، ولا تقدرها حق قدرها، أو تعتقد، أنها ليست أكثر من قضية إنسانية يمكن معالجتها بتوفير بعض الأموال لتحسين الظروف المعيشية للاجئين. أو كانت إسرائيل معنية بإنهاء قضية اللاجئين بأي ثمن، وتريد اقتناص تنازل الطرف الفلسطيني عنها، أو الالتفاف عليها عبر السماح لبضعة آلاف بالعودة مقابل إنهاء القضية، والتوقف عن المطالبة بحق العودة . فإن الفريق الفلسطيني المفاوض، وقيادته بشكل خاص، يدرك عمق هذه القضية، وعمق أبعادها، ومدى خطرها على كل ما يمكن التوصل إليه من اتفاقات حول القضايا الأخرى. بل إنه يدرك أنها هي جوهر الصراع، وهي عنوان الاستقرار أو عدمه في المنطقة. ومسؤولية الفريق الفلسطيني أن يضع هذه المسألة بوضوح أمام مفاوضيه الأمريكيين والإسرائيليين .

وما يدعونا للتأكيد على هذه المسألة، رغم علمنا بوعي القيادة الفلسطينية لأبعاد القضية هو الأخبار التي تتسرب من كامب ديفيد عن حلها عبر لم شمل بعض العائلات لأسباب إنسانية، وتوفير عشرات المليارات من الدولارات لتوطين اللاجئين وتحسين أحوالهم المعيشية. ومما يثير القلق والخوف من هذه الأخبار ويكسبها خطورة، هو أنها تأتي في أعقاب تصريحات لمسؤولين فلسطينيين روَّجت مثل هذه الأفكار. وذلك يوحي أن هؤلاء المسؤولين لديهم الاستعداد للدخول في مساومات وصفقات من هذا النوع، وكأن اللاجئين، وأراضيهم وممتلكاتهم، وحقوقهم الوطنية ليست أكثر من صفقة تجارية معروضة للبيع، ويجري تقدير ثمنها، والخلاف فقط هو على الفرق بين الثمن المدفوع والمطلوب .

وهنا يخطئ المنخرطون في عملية المساومة هذه الحساب، لا من حيث تقدير الثمن، وإنما من حيث تقدير الخطأ الذي يقعون فيه، ومن حيث التقليل من حجم الأخطار والعواقب التي تترصد مشاريعهم. بل هم لم يستوعبوا دروس هذه القضية على مدى أكثر من نصف قرن . فقد ظلت عصية على الجميع، ولم تستطع كل أشكال الاضطهاد والقمع والتجويع التي تعرض لها اللاجئون، ولا الحروب العديدة التي عصفت بالمنطقة، ولا العدوانات والاحتلالات الإسرائيلية أن تذيب هذه القضية، أو تنزعها من قلوب وعقول أبنائها. بل إن الكثير ممن حاولوا المساس بها، أو التجرؤ عليها غيّبتهم هي وأحرقتهم، وبقيت شعلتها متوهجة تترصد كل من يحاول الاقتراب منها.

نذكر بذلك أولئك الذين غابت ذاكرتهم أو غيبوها وهماً بأن كل شئ يمكن أن يشترى ويباع بالأموال، بما في ذلك الحقوق والأوطان، أو خوفاً ورعباً من البعبع الأمريكي. أو طمعاً في جاه أو سلطان، أو باسم الواقعية وتغير الظروف العربية والدولية.

وبلغة الواقعية التي يجيد اللاجئون أيضاً التحدث بها نقول : إننا لم نقرأ في أي من مدارسها أو كتبها أو دروسها أية نصوص تقول بتنازل شعب بأسره عن كامل أراضيه وحقوقه لطرف آخر، والتوقف عن المطالبة بها، والتوقيع على صكوك تحرم عليه وعلى أجياله اللاحقة حق الادعاء بوجود أية حقوق له لدى الطرف الآخر. لكننا نفهم أن الواقعية قد لا تمكننا من نيل هذه الحقوق الآن، أو قد يمكن تحقيق بعضها الآن وبعضها لاحقاً. وقد تعني قصور الجيل الحالي أو عجزه عن تحقيقها، ولكنها لا تعني حرمان الأجيال اللاحقة من حق المطالبة بها والنضال في سبيلها. ولذلك، ومرة أخرى باسم الواقعية نحذر من التعامل مع قضية اللاجئين وكأنها صفقة تجارية، أو النظر إلى أن معيار النجاح والفشل فيها هو قيمة الثمن المدفوع، أو عدد العائلات التي سيجري لم شملها. وإنما الواقعية تقتضي أن يتم التعامل معها كقضية حق وطني وفردي للجميع يجري تثبيته أولاً، ومن ثم يجري البحث في كيفية تطبيقه وتنظيم العودة وتجزيئها بأعداد معينة، ووفق توقيتات معينة حتى لو طالت لسنوات وسنوات. وبذلك يتم تأكيد الحق وتثبيته من جهة، وقطع الطريق من جهة أخرى على ادعاءات الخصم بعدم القدرة على استيعاب ملايين العائدين دفعة واحدة، إن كانت هذه حجته، أو فضح منطقه الاستعماري العنصري. الذي هو أساس المشكلة .

ـ انتهى ـ

 


موقع عبد الله الحوراني
حقوق الطبع محفوظة