Abdullah  Al-Hourani

 

 

القدس ليست أكثر أهمية من قضية اللاجئين

 

 بقلم :عبد الله الحوراني .

خطفت قضية القدس الأبصار والأسماع، والأقلام أيضاً، بحيث بدت وكأنها المشكلة الوحيدة التي يجري الصراع عليها وحولها بين العرب الفلسطينيين، والإسرائيليين، أو كأن الصراع العربي الإسرائيلي قد اختصر كله في قضية القدس. بينما توارت عن دائرة الاهتمام قضايا الصراع الأخرى، وبينها من يعادل القدس، أو يفوقها خطورة من حيث نشأة الصراع ومستقبله، كقضية اللاجئين .

لا ينكر أحد مكانة القدس التاريخية والدينية، ولا المعاني التي ترمز إليها، وهي تستحق أن تحظى بالاهتمام الذي يليق بها، لكن حين يعلن أن الخلاف حولها كان، وحده تقريباً، وراء فشل قمة كامب ديفيد، وحين نرى أن كل التحركات والوساطات العربية، والصيغ التي يجري التداول فيها والتشاور حولها تدور كلها حول قضية القدس، أو حول الدائرة الأضيق منها وهي قضية الأقصى، وحين ينحصر خطاب المبعوثين الإسرائيليين والأمريكان الذين جابوا دول العالم ليسوقوا الموقف الإسرائيلي، وليقطعوا الطريق على التحركات الفلسطينية، في انتقاد التشدد الفلسطيني في قضية القدس، ويركز الإعلام الإسرائيلي واليهودي والأمريكي هجومه كله تقريباً على الموقف الفلسطيني في موضوع القدس، فإن من الطبيعي أن تثور تساؤلات حول القضايا الأخرى التي جرى بحثها في كامب ديفيد، وأهمها قضية اللاجئين، خاصة عندما لا يعلن شئ عنها أو ماذا تم فيها، ويحصر الخلاف، كما أعلن، في قضية القدس، فهل معنى ذلك أن القضايا الأخرى وتحديداً قضية اللاجئين، لم تكن موضع خلاف، على ما بين الموقفين الفلسطيني والإسرائيلي من تباين يصل حد استحالة التوفيق بينهما أو حتى التقارب؟؟ إننا نشك في ذلك . فلماذا إذن يبقى الغموض قائماً حول الخلاف في قضية اللاجئين؟ ولماذا لم يعلن هذا الخلاف وحدوده المتباعدة؟؟

قد نتفهم تصدير موضوع القدس باعتبار القدس قضية استقطاب للرأي العام العربي والإسلامي وحتى العالمي . وقضية إحراج للموقف العربي الرسمي الذي يزعم أنها قضية العرب والمسلمين جميعاً، ولكننا لا نفهم أن تصبح وحدها موضع الاهتمام وعنوان التحركات . فالخشية هنا أن يغطي بريق القدس، وما سيثار حولها من ضجيج احتفالي، إذا ما تم التوصل إلى اتفاق على صيغة من الصيغ المتداولة في بورصة الوساطات، على الموضوعات الأخرى، وتحديداً حق العودة للاجئين، ويصبح قيداً على الموقف الفلسطيني وعنصراً ضاغطاً عليه لتقديم التنازلات فيه. لذلك كان من الضروري، ولازال، أن تصارح القيادة شعبها بموضوعات الخلاف كلها، وأن تطرح علناً للرأي العام الفلسطيني والعربي، وأن تبلغ أيضاً لأصحاب الوساطات حتى يدركوا أن حدود الصراع أبعد وأعمق من موضوع الأقصى، وأن الموقف المطلوب يتجاوز مكانة الحرم والسيادة عليه، أو السيطرة على شارع هنا وحي هناك .

إن طرح مواضيع الخلاف، وحدود الموقف الفلسطيني من القضايا كلها، وليس القدس وحدها، على الرأي العام الفلسطيني والعربي، وللأطراف الدولية، هو أولاً تحصين للذات الفلسطينية، واستقطاب للموقف الشعبي حولها، وقطع للطريق على أية ضغوطات قد تمارس على الطرف الفلسطيني لتقديم التنازلات . بينما السكوت عن نشر الحقائق قد يوحي بالشكوك في المواقف، والطرف الفلسطيني في غنى عن ذلك وهو بحاجة لمن يعزز موقفه لا من يشكك فيه. وقد يغري خصومه به، ويوحي لهم باستعداده للمساومة على هذه القضية أو تلك، أو مقايضة قضية بأخرى . أو قد يدفع بعض الطامعين في الاستفادة من أموال التعويضات لزيادة ثرواتهم أو إنعاش اقتصادهم، سواء كانوا من الأطراف المحلية أو الإقليمية، إلى الاعتقاد بأن التعويض هو سقف الحل لقضية اللاجئين الفلسطينيين، وأن هؤلاء يمكن استرضاؤهم بفتات التعويض، وقبر أحلامهم بالعودة في مقابر التوطين .

إن من يذهب به الاعتقاد هذا المذهب، إنما يبيع الوهم لنفسه قبل أن يبيعه للآخرين من أصحاب القضية بالذات، ويؤسس لتسوية هشة، وسلام مغشوش لن يصمد أمام أية هزة، بل قد ينقض قبل أن يبدأ . فشعبنا حين هلل لصمود وفده وقيادته في كامب ديفيد، لم يفعل ذلك من أجل القدس وحدها، ولا فهم الصمود على أنه في الجانب المقدسي فقط، وإنما رأى الصمود مسحوباً على كل القضايا وأولها قضية اللاجئين . ولذلك حظيت القيادة الفلسطينية بذلك الترحاب الشعبي الواسع، الذي لم تشهد مثله في السنوات الأخيرة، فلسطينيا وعربيا . كما أنعش هذا الصمود الآمال بوحدة وطنية واسعة، تجسدت بوادرها في الاستقبال والاستقطاب الشعبي الكبير الذي تمتعت به القيادة عند عودتها من كامب ديفيد .

وحين نؤكد على ضرورة المصارحة والمكاشفة، وطرح الموقف الفلسطيني بوضوح، وعمق تناقضه مع الموقف الإسرائيلي في قضية اللاجئين ـ كما جرى في قضية القدس ـ لا نفعل ذلك من باب التشكيك، ولا من باب اختبار النوايا، وإنما من زاوية الحرص على تعزيز مصداقية الخطاب الفلسطيني، وحشد الرأي العام الفلسطيني والعربي حوله . ومن زاوية تعزيز مصداقيته لدى الأطراف العربية الرسمية، حتى لا تبني مواقفها على أساس أن الخلاف يدور حول القدس وحدها، وحتى لا تفاجأ بأن قضية اللاجئين والحفاظ على حقهم في العودة هي الأساس لأي مشروع سلامي يراد له أن يدوم . بل إنها، ونظراً لتداخلها الإقليمي، من خلال تواجد 88% من اللاجئين داخل فلسطين، أو على حدودها في دول الجوار العربي، هي العامل المؤثر في استقرار المنطقة بكاملها .

 

ـ انتهى ـ

 


موقع عبد الله الحوراني
حقوق الطبع محفوظة