Abdullah  Al-Hourani

 

 

لماذا يجب إقامة الجبهة القومية العربية ؟ .... وكيف 

 

تتعرض الأمة العربية ، والوطن العربي ، لمخاطر شديدة ربما لم تتعرض لها منذ العقود الأولى للقرن الماضي. وهي مخاطر ندركها جميعاً، ولكني أشير إليها من باب التذكير فقط . فهي تتمثل :

أولاً ـ في الغزو الخارجي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية ، والذي يستهدف وحدة الأمة العربية وتراثها وتاريخها وثقافتها وثروتها. وقد نجح هذا الغزو في فرض وجوده ونفوذه على المنطقة العربية ، مستفيداً من أنظمة وحكومات عربية ربطت مصيرها به ، واستسلمت لإرادته ومشاريعه وسياساته بحيث أصبحت عاملاً أساسيا في تنفيذ هذه السياسات . وكان احتلال العراق وما يجري فيه من قتل وتدمير وتقسيمات عرقية وطائفية عنوانا صارخاً لأبعاد هذا الغزو وأهدافه.

وثانياً ـ يشكل الاغتصاب الصهيوني لأرض فلسطين ، وطرد شعبها، وتهديد البلدان العربية واحتلال بعض أراضيها، جزءً من المشروع الاستعماري العربي لبسط الهيمنة الاستعمارية على الوطن العربي ، وتتابعون ما يرتكبه هذا الاحتلال يوميا من مجازر وحصار قاتل ضد شعبكم العربي الفلسطيني في ظل غياب كامل لأي حماية عربية، أو تدخل أو تحرك عربي لوقف هذا العدوان ، واستعادة الحقوق العربية في فلسطين . بل إن التحركات العربية التي تجري هذه الأيام تحت مسمى مبادرة السلام العربية وتفعيلها تتم في سياق تطبيع العلاقات مع دولة الاحتلال الصهيوني ، وتصفية وإلغاء جوهر القضية الفلسطينية (حق العودة ). وهو ما بات ينشر علناً على لسان قادة ومسؤولين عرب .

وثالثا ـ تنامي النزعة القطرية لدى المواطن العربي ، وتكريسها من قبل النظام الرسمي العربي الذي يرى في تعزيزها حفاظاً على أنظمته ومصالحه الشخصية ، واستئثاراً بثروات الوطن ، وتقاسمها مع القوى الأجنبية التي تحميه .

ورابعا ـ انتشار الطائفية والمذهبية والأصولية في الوطن العربي من مشرقه إلى مغربه، واحتدام الصراعات بينها، بتشجيع وتدخل من قوى أجنبية وإقليمية ، مما يهدد بمزيد من الخلافات والصراعات الداخلية بين المواطنين العرب ، ومزيد من التقسيمات في الأرض والكيانات العربية ، بل والمزيد من تدمير للفكر الوحدوي والقومي العربي .

وخامساً ـ المطامع الإقليمية الفارسية ذات الأبعاد القومية والتاريخية في الأرض ، والثروات العربية وهي مطامع تتستر بشعارات دينية ومذهبية لمد نفوذها في المنطقة، مستغلّة هذه العناوين من جهة ، وعناوين خلافاتها مع الإدارة الأمريكية والاحتلال الصهيوني من جهة أخرى ، في الوقت الذي لعبت فيه دوراً رئيسياً في التعاون مع الولايات المتحدة لغزو العراق وتدميره .

وقد نجحت هذه المخاطر حتى الآن :

1-    في ضرب وإجهاض المشروع النهضوي القومي العربي وفي تراجع وتفتت الحركة القومية العربية بأحزابها وقواها ومنظماتها الجماهيرية ومثقفيها وأدبياتها ونضالاتها . بل ربما كان هذا التراجع والضعف الذي أصاب الحركة القومية العربية هو من فتح الأبواب أمام المخاطر التي باتت تهدد وجود الأمة العربية ، وساعد على نجاحها وتغلغلها في أرضنا العربية.

2-    ولم تقف حدود الضعف عند الحركة القومية وقواها، بل امتد ليصيب الفكرة القومية ذاتها . حيث أصبحت الفكرة غائبة عن وعي أجيالنا الشابة ، وذلك هو جوهر الخطر الذي يتهدد مستقبل الأمة . كما أن التعابير الوحدية غابت عن لغة الإعلام العربي وفضائياته ، وعن ثقافتنا اليومية ، وحتى عن المفردات المتداولة بيننا ، فتعبير الوطن العربي حل محله مسمى الشرق الأوسط بمفهومه الاستعماري الجديد لاستبعاد فكرة الوحدة العربية ، ولتثبيت الوجود الصهيوني في قلب المنطقة ، وتكريس المفهوم الإقليمي بديلاً للمفهوم القومي .

مفهوم الأمة أيضا باتت تحيط به الضبابية . فبعد أن كانت كلمة الأمة مقرونة بصفة العربية، ومرتبطة بوحدة الأرض واللغة والتاريخ والتراث والحضارة ، أصبحت تائهة بين مفهوم عربي وإسلامي ، بل وغلب عليها التفسير الإسلامي ، مع أن الله ، سبحانه وتعالى، حين بعث رسالته الإسلامية للعالمين ، عبر نبيه الكريم محمد (صلعم) شرف الأمة العربية باختيار نبيه منها، وبوصفها في كتابه العزيز بأنها خير أمة أخرجت للناس ، لتحمل رسالته إلى أمم الأرض الأخرى وشعوبها ، وهي أمم وشعوب اعتنقت الإسلام كعقيدة إيمانية إلهية ، ولكنها ظلت متمسكة بانتمائها القومي لأرضها ولغتها وتاريخها .

وحتى الإسلام الذي وجد ليكون رسالة وحدة وتوحيد للأمة ، وبين الأمم أيضاً ، غلبت عليه اليوم الأصولية والطائفية والمذهبية، فبات أحد عناوين الفرقة والتقسيم والصراعات المدمرة. بل إن أطماعاً قومية غير عربية ، تحمل الأحقاد التاريخية ، تتستر اليوم بغطاء الإسلام لتنشر المذهبية في الوطن العربي من مشرقه إلى مغربه ، وتزيد من صراعاته وتقسيماته ، وتستعيد تاريخها ونفوذها الإمبراطوري . بينما كانت العروبة عامل التوحيد الرئيسي الذي لم يفرق بين طائفة وأخرى، أو بين مذهب وآخر . فالعروبة تضم المسلم وغير المسلم أيا كانت ديانة أو طائفة أو مذهب كل منهما . فالدين لله والوطن والجميع .

3-    البعد القومي لقضايا النضال والتحرر العربي تلاشى تقريباً . فبعد أن تمت تجزئة الصراع العربي الصهيوني ، وتحويله إلى صراعات قطرية مع العدو الإسرائيلي، لم تعد القضية الفلسطينية مثلا ، القضية المركزية للنضال العربي كما كان يطلق عليها أو يتم التعامل معها. وأصبح تحرير فلسطين واستعادة حقوق شعبها مسؤولية فلسطينية بحتة ، وكذلك الحال بالنسبة للأراضي السورية واللبنانية المحتلة ، وجاء احتلال العراق أخيراً ، والموقف العربي منه ، وتخليه عنه ، كما تخلى عن قضية فلسطين ، ليؤكد غياب النظرة القومية لوحدة الأرض العربية ووحدة النضال العربي ، بعد أن كان البعد القومي للقضايا العربية هو جوهر الفكر القومي الذي سارت على دربه الحركة القومية العربية في عهد الشهيدين جمال عبد الناصر وصدام حسين ، اللذين ربطا دوماً بين تحرير الأمة بمختلف أقطارها من الوجود والنفوذ الاستعماري ، وتحرير إرادتها واستخدام كل قدراتها وطاقاتها، وبين تحرير فلسطين .

4-    طبيعة أعداء الأمة ، ومسمياتهم ، وعناوينهم ، تغيرت النظرة إليها في المفهوم العربي . فبعد أن كانت النظرة موحدة ، والموقف موحداً من أصحاب المشروع الإمبريالي الصهيوني المعادي للأمة العربية من أمريكيين وصهاينة والقوى الاستعمارية المرتبطة بهما، نجد اليوم أن طبيعة العلاقات العربية مع أطراف هذا التحالف ، والموقف منها ، أصبحت تتعامل مع معظمها كأطراف صديقة ، بل وتقيم تحالفات ومعاهدات معها ، في الوقت الذي تستمر فيه هذه القوى على حالة العداء ضد الأمة العربية ، واحتلال أرض عربية . والأمثلة على ذلك كثيرة من وجود القواعد العسكرية الأمريكية في العديد من البلدان العربية لضرب وغزو الأراضي العربية إلى المصالحة مع دولة الاحتلال الصهيوني وعقد معاهدات معها من بعض الدول العربية .

ومن المفارقات العجيبة أن أعداءَنا جميعاً ينظرون إلينا ، ويتعاملون معنا ، نحن العرب، كطرف واحد ، وكوطن واحد ، وقضية واحدة ، من خلال استراتيجية واحدة . بينما نتصرف نحن تجاه هذه الاستراتيجيات والمخططات العدائية الموحدة ، بسياسات ومواقف قطرية متفرقة، ومتناقضة في أغلب الأحيان .

هذه التراجعات التي أصابت الحركة القومية العربية ، والأبعاد القومية للقضايا العربية ، كان من أهم الأسباب التي أدت إليها ، غياب الثقافة القومية ، وتناقص الوعي القومي ، وبالمقابل أيضا زاد غياب الثقافة القومية من إضعاف الوعي القومي ، والحركة القومية بكل أبعادها العسكرية والسياسية والاقتصادية . وواضح أن الذين خططوا لضرب الحركة القومية ، اعتمدوا على هذه النقطة الأساسية وهي تغييب الثقافة القومية ومؤسساتها . فجمهورنا العربي يستقبل يوميا عبر المحطات الفضائية والمواقع الإلكترونية والمؤسسات الإعلامية الأخرى ، إما الثقافة القطرية للنظام الرسمي العربي التي تتنكر للانتماء القومي ، أو الثقافة التي تحمل أطماع الاستعمار الغربي وأهدافه ، أو ثقافة نشر التخلف والجهل عبر مسميات دينية وأصولية ، أو نشر الطائفية والمذهبية . أو ثقافة الفن الهابط الذي يفسد عقول الأجيال العربية الشابة، ويصرفها عن قضاياها واهتماماتها الوطنية والقومية . وحتى لغتنا العربية، وهي أحد العناوين الرئيسية لمفهوم الأمة ووحدتها ، أصبحت تتعرض لخطر التشويه والضياع ، نتيجة التربية غير العربية لأطفالنا ، أو تحت مسميات الانفتاح على الآخر .

ويمكن الإشارة بالذات إلى المحطات التلفزيونية الفضائية ، كأهم وسيلة إعلامية اعتمدها أعداء العروبة لضرب الثقافة القومية ، فأطلقوا مئات الفضائيات التي تحمل جوانب التشويه المتعددة . بينما لا نجد فضائية قومية واحدة تعني بنشر الثقافة القومية ، والفكر القومي ووحدة قضايا الأمة التحررية والسياسية والاقتصادية ، وتربية الأجيال الصاعدة على مفاهيم العروبة. وهذا قصور كبير يحسب على أطراف الحركة القومية العربية ومنتسبيها ، أحزاباً وأفراداً ومثقفين وأصحاب رؤوس أموال .

وفي ظل استمرار هذه المخططات والمشاريع الأمريكية والصهيونية والإقليمية التي تستهدف تدمير الأمة العربية ، لا نرى حراكاً بين القوى القومية العربية يرقى إلى مواجهة هذه التحديات . وربما كانت قوانا القومية هي وحدها ، من بين كل التيارات السياسية الأخرى في المنطقة، التي لا تملك مشروعاً للمواجهة ، سواءٌ على مستوى وحدة قوانا ، أو على مستوى برنامجنا النضالي . وهذه هي نقطة الانطلاق التي يجب أن نبدأ منها :

1- تشكيل جبهة تحت مسمى الجبهة القومية العربية ، أو جبهة القوى القومية ، على مستوى الوطن العربي ، وعلى مستوى كل قطر ، بحيث تضم كل الأطراف القومية المؤمنة بالعروبة وبوحدة الأمة ، وبالفكر القومي ، من أحزاب وقوى ومنظمات ومؤسسات وشخصيات.

2- تضع هذه الجبهة إطاراً تنظيميا يحدد العلاقة بين أطرافها على مستوى الوطن الكبير، وداخل كل قطر ، بدءاً من المستوى الأدنى إلى المستوى الأعلى .

3- تضع الجبهة مشروعها للوحدة العربية الذي تعمل على إنجازه في المجال السياسي والاقتصادي والديموقراطي .

4- تحدد الجبهة برنامجها النضالي لإنجاز مشروعها الوحدوي على أساس :

أ .   تعزيز الثقافة والتربية القومية بين الأجيال العربية ، بدءاً من اعتماد علم موحد (علم الثورة العربية بألوانه الأربعة المعروفة) نشيد قومي موحد، العمل على توحيد المناهج المدرسية ...... إلى وحدة اللغة والتاريخ والجغرافيا ، وكل مقومات الوحدة العربية .

ب . إعادة الاعتبار للبعد القومي للقضايا القومية ، ولوحدة النضال العربي .

ج . تشخيص موحد لطبيعة القوى المعادية للأمة العربية سواءً كانت قوى إمبريالية أو صهيونية خارجية ، أو قوى إقليمية ، وكيفية مواجهتها .

ء .   تحديد واعتماد الوسائل النضالية المناسبة في كل ساحة ولكل قضية من قضايا الأمة .

هـ. رؤية موحدة للتعامل مع النظام الرسمي العربي في كل ساحة من ساحات الوطن ، وكيفية تحرير الإرادة والسياسات والثروات الوطنية من الخضوع للنفوذ الأجنبي.

و . الاتفاق على تحديد القوى من التيارات السياسية الأخرى الناشطة في الوطن العربي التي يمكن التحالف معها على قاعدة برنامجنا النضالي (التيار الإسلامي والقوى اليسارية) ووضع أسس لهذا التحالف .

ز .   اعتماد موقف حضاري وديموقراطي للتعامل مع الأقليات القومية يقوم على احترام حقوقها وثقافتها وتاريخها من أجل تعزيز انتمائها للوطن العربي ، واندماجها فيه.

ح . إنشاء مؤسسات إعلامية وثقافية وفكرية تعمل على نشر الفكر القومي ، وتعبئة وحشد الجماهير حول المشروع الوحدوي وبرنامجه النضالي.

آلية تشكيل الجبهة القومية :

1.  عرض فكرة الجبهة على أكبر عدد من القوى القومية ، أحزاباً وهيئات ومؤسسات وشخصيات . ويمكن تكليف عدد من الشخصيات المؤمنة بالفكرة (ثلاث ـ خمس شخصيات) من مختلف مناطق الوطن الكبير للقيام بهذه المهمة .

2.  في حال قبول الفكرة ، يعقد اجتماع موسع لممثلي الأحزاب والهيئات والشخصيات من (25 – 30) ممثلاً لمناقشة فكرة الجبهة وأسسها التنظيمية ، ومشروعها وبرنامجها في هذا الإطار الأوسع . وتنبثق عن هذا الاجتماع لجنة تحضيرية ، أو عدة لجان ، لإعداد المشروع والبرامج في المجالات المتعددة ، التنظيمية والسياسية والاقتصادية والإعلامية والثقافية .

ويمكن عقد هذا الاجتماع في اليمن أو ليبيا ، إذا وجدت هيئة أو مؤسسة تستضيف الاجتماع ، أو يتم التنسيق بين المشاركين والجهات الحزبية في البلد المضيف لترتيب الاجتماع .

3.  عند إنجاز اللجان التحضيرية لعملها يعقد مؤتمر قومي عام وفق الأسس التنظيمية التي أقرتها اللجنة التحضيرية التنظيمية . بحيث يناقش المؤتمر ويقر أسس الجبهة وأنظمتها ومشروعها وبرنامجها ويختار قيادة لها ، ويعلن عن قيام الجبهة .

(تحديد موعد المؤتمر ومكان انعقاده ، تحدد اللجنة التحضيرية بالتنسيق مع الأطراف المشاركة.

وفي الختام أقول :

إن مجمل ما جاء في هذه الأوراق هي مجرد اجتهادات انطلقت فيها من إيماني العميق بأمتنا العربية العظيمة التي تستحق منا جميعاً أن نبذل كل ما في وسعنا لإنهاضها واستعادة مكانتها ورسالتها الحضارية . فإن كنت قد أصبت فالحمد لله ، وإن كنت قد أخطأت أو قصرت فليعذرني كل الأخوة العروبيين .

                                   أخوكم

                                      عبد الله الحوراني

غزة /فلسطين : 28/4/2007

 


موقع عبد الله الحوراني
حقوق الطبع محفوظة