Abdullah  Al-Hourani

 

 

الرئيســـية
سيرة ذاتية
مقـــالات
دراســــات 
أقـــــــلام
المجلس المركزي
الجبهة القومية
صـــــــــور
روابـــــط
اتصــل بنـا
 

 

التطبيـع الثقـافـي

وأثـره فـي الصـراع العربـي الصهيونـي*

 

 بقلم: عبد الله الحوراني  

 

كان الإمام الشافعي رضي الله عنه يقول :

                مذهبي صواب  ويحتمل الخطأ

                                        ومذهب غيري خطأ  ويحتمل الصواب .

رغم أن معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية سبقت اتفاقات السلام الفلسطينية الإسرائيلية بأربعة عشر عاماً، إلا أن فكرة التطبيع لم تطرح جدياً، بأبعادها السياسية والاقتصادية والثقافية، إلا في أعقاب الاتفاقات الفلسطينية الإسرائيلية، ويمكن رؤية الأسباب التي حالت دون أن تكون المعاهدة المصرية الإسرائيلية الباب الذي يتسرب منه التطبيع:

أولاً: الرفض العربي الواسع على المستويين الرسمي والشعبي الذي جوبهت به هذه الاتفاقية.

ثانياً: روح العداء المتأصلة في ضمير الشعب العربي في مصر تجاه إسرائيل، نتيجة الحروب والاعتداءات الإسرائيلية وما خلّفته من خسائر بشرية ومادية جسيمة.

ثالثاً: عدم حل القضية الفلسطينية، وهي جوهر الصراع مع الحركة الصهيونية وإسرائيل، وارتباط مصر الوثيق بهذه القضية، وبحقوق الشعب الفلسطيني قومياً وروحياً.

رابعاً: دور المثقفين والمفكرين والمبدعين المصريين الريادي في تحصين المجتمع المصري والدفاع عن الحقوق القومية.

خامساً: وجود مؤسسات ونقابات تمثيلية للقطاعات الشعبية والمهنية لعبت دوراً مهما في مقاومة التطبيع.

سادساً: دور الدولة المصرية القائم حتى الآن على عدم تشجيع التطبيع، بل ومقاومته، إدراكاً منها لمخاطره وأبعاده.

سابعاً: لم تلغ معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية استمرار الصراع العربي الصهيوني، ذلك أن بقية الأراضي العربية المحتلة في كل من فلسطين والأردن وسوريا، ولبنان لاحقاً، لم يتم الجلاء الإسرائيلي عنها، كما أن الحقوق الوطنية الفلسطينية لم تتحقق.

ثامنا: مهما قيل عن التفريط في نصر أكتوبر العسكري، إلا أنه عملياً كان وراء استعادة كامل الأراضي العربية المصرية المحتلة، بينما جاءت الاتفاقات اللاحقة الفلسطينية والأردنية نتيجة هزيمة عربية. فأزمة الخليج والحرب التي أعقبتها لم يكن فيه منتصر ومهزوم، وإنما مهزوم فقط، هو الأمة العربية بكاملها، سلاحاً ومالاً وتضامناً ، فجَّرت إلى محادثات السلام استدعاءً وبالأمر، وليس طواعية.

تاسعاً: لم تأت معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، كما هي الحال عند توقيع اتفاقات السلام الفلسطينية الإسرائيلية، في ظل الهيمنة الأمريكية المطلقة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي، وتفرد الولايات المتحدة بدورها في حكم العالم وتسميته بالنظام الدولي الجديد بكل ما نعرفه عن الانحياز الأمريكي لإسرائيل ومصالحها، ولكننا ارتضيناها حكماً وراعياً لعملية السلام، فكنا كمن يأتمن الذئب على أغنامه.

قبل اتفاقات السلام، ومنذ أن بدأت مفاوضات مدريد، وأثناء تواصلها في واشنطن، كان الحديث عن التطبيع خافتاً وقليلاً.

في هذا الوقت المبكر نسبياً، وتحديداً في يوليو (تموز) 1992 كانت لي مساهمة في إثارة سؤال التطبيع، جاءت على شكل مداخلة قدمتُها في اجتماع للمجلس الأعلى للتربية والثقافة والعلوم الفلسطيني عقد في القاهرة في ذلك التاريخ، ثم نُشرت لاحقاً كمقالة في عدد من الصحف العربية في سبتمبر (أيلول) 1992. كانت المقالة بعنوان "بلاغ سياسي لمثقف عربي" وجاء فيها:

ونحن في هذه المرحلة الحساسة من أطوار القضية الفلسطينية، نقف، ربما لأول مرة بهذا القدر من الجدية والخطورة، أمام ما هو قادم من جواب سياسي عن أسئلة تاريخية. فما هو دور المثقف الذي حمل هذه الأسئلة، وعبر عنها بمختلف أشكال الإبداع منذ بدايات القرن، حتى يومنا هذا ؟.

ويبدو أن الزمن المتاح لنا للتعاطي مع هذه الأسئلة وتحديد أسلوب التعامل معها، والموقف منها، ليس زمناً مفتوحاً، بل هو أقصر مما نتصور. فالتحرك السياسي الجاري في المنطقة، وعلى الصعيد الدولي، يوحي بأن حلاً ما أصبح على الأبواب، أو هكذا يقول المنغمسون في العملية السياسية، ويجري تقديم هذا الحل بشكل احتفالي، ويطلق عليه وصف الإنجاز ضمن المقاييس والموازين القائمة عربياً وإقليمياً ودولياً.

وبغض النظر إن كانت كلمة "الإنجاز" هي الوصف الملائم الذي يمكن إطلاقه على هذا الحل، وبغض النظر عن أن أي إنجاز فعلي يتحقق لشعبنا بعد كفاحه الطويل وصبره المرير سيحظى بالترحاب اللائق من أبناء شعبنا كافة، إلا أن هذا الإنجاز إن كان سيعطينا شيئاً، فإن الثابت أن هذا الشيء لن يكون مجاناً، بل هناك استحقاقات تقترب منا، بنفس درجة اقتراب ما نسميه إنجازات.

وإذا كان السياسي الذي فينا ملزماً بدفع هذه الاستحقاقات، فإن الثقافي الذي فينا يقف على مفترق الأسئلة.

فما هو دور المثقف إزاء ما يجري ويستجد ؟.

هل دور المثقف أن يبرر ما يجري ؟.

هل دوره أن يقول: لا، ويختفي هارباً بضميره المستريح ؟.

وماذا عن المثقف الغارق حتى أذنيه في العملية السياسية ؟.

قبل هذه الأسئلة المتزايدة والمحرجة، لابد من توضيح أن السياسي ليس متهماً، ولكنه في لحظة اختيار، فهو أمام مشروع أو برنامج يتعاطى مع واقع ربما لم يكن له دور في صنعه، وإذا تغيرت الظروف فإنه يتحرك في ضوء ما يستجد، وقد يكون عليه أن يسهم في تغيير هذه الظروف، ولكن هذا لا يعفيه في نهاية الأمر من دفع استحقاق ما، وهذا الاستحقاق الآن مفروض علينا، فهل يحظى السياسيُ بمباركة الثقافي؟، أم أن على الثاني أن يحاكم الأول ؟.

أم أننا بصدد معادلة تلقي على السياسي التعاطي مع اليومي، وتحمّلُ الثقافي مسؤولية المبادئ وحراسة الحق التاريخي؟.

ربما كان رجل الإعلام المنشغل بالتفاصيل اليومية، هو الذي يواكب السياسي، بل أن رجل الإعلام بهذا المعنى هو سياسي يدخل منطقة التكتيك ، ويقاتل لإبراز هذا الموقف وتسويغهِ، والرد على السؤال وتفنيده، والخطر كله هو في الخلط بين الإعلامي والثقافي، وإن كانت أدواتهما المباشرة واحدة.

فالمثقف يضع أمامه هدفه البعيد دائماً، ويوظف إبداعه ليحافظ على الهدف الاستراتيجي، أما رجل الإعلام السياسي فهو ـ وإن كان لا يحق لأحد أن يتهمه بالتنازل عن الهدف الاستراتيجي ـ ملزم بتقديم أجوبة بحجم الأسئلة المطروحة، وكثيراً ما يكون في مأزق الطالب في الامتحان، وأمامه سطر صارم يقول: أجب بنعم أو لا. وإذا ظلت العجلة السياسية تدور ضمن المعطيات الراهنة ، دون متغيرات دراماتيكية عربية أو دولية، ـ ويبدو أن الأمر كذلك حتى الآن ـ فإن السياسي الفلسطيني مطالب بأبهظ " نعم " في تاريخ قضيته، ومهما كابرنا، ومهما ماطلنا في تقديم الجواب، فإن استحقاقات لا علاقة لها بالحق، ستفرض نفسها علينا، دون أي لف أو دوران، وأياً كانت الكلمات والتعبيرات التي ستستخدم في وصف الحالة، أو تبريرها أو تفسيرها، فإن موضوع الاعتراف بالعدو سيكون مطروحاً، وكذلك موضوع التطبيع، لا على المستوى الفلسطيني فقط، بل على المستوى العربي.

قد يجيز السياسي لنفسه، أو قد يجوز له أن يسمي ما يقوم به مناورة تكتيكية في معركة طويلة، وأن يضعه في خانة الهدف المرحلي؟؟ ربما. لكن تسويغ ذلك والقبول به محكوم بشروط وضوابط أساسُها أن تتوفر في المرحلي مقومات الحد الأدنى الوطني، وأن يوظف المرحلي لتحقيق الاستراتيجي في المدى البعيد، لا أن يكون بديلاً عنه أو إلغاءً له، وبحيث يبقى باب المستقبل مفتوحاً، ويظل الجسر بين الحاضر والمستقبل موصولاً. وبهذا المعنى فإن ميدان المناورة أمام السياسي ليس مفتوحاً على مصراعيه، وأن حريته في المناورة محدودة. أما الثقافي فإنه محروم حتى من هذا الهامش الضيق في المناورة. إذ ليس في قاموس الثقافة كلمة مناورة. هناك مناورة سياسية، إعلامية، عسكرية، ولكن ليس هناك مناورة ثقافية، فالمثقف يتعامل مع قيم مطلقة، ولا يمكن تجزئتها إلى أجزاء ومراحل، وهو حامل راية الحق التاريخي، والمدافع الأول عنه، ومهمته أن يستخدم كل أدواته وأشكاله الإبداعية للتعبير عنه، وحمايته، وإحاطته بسور من المحرمات التي تمنع المساس بقدسيته.

وإذا كان على السياسي أن يحرق دمه للبحث عن صيغة أقل الخسائر مقابل أفضل الممكن، فإن الثقافي، الذي هو ذاكرة الأمة ووجدانها، وحارس روحها، لا يمكن أن يكون شريكاً للسياسي فيما هو مجبر عليه، أو مضطر لعمله. فالعدو مثلا يسعى فيما يسعى إليه، إلى تطبيع علاقاته مع العرب، ويعمل على قبر شعار طالما ناضلنا من أجل إعطائه مضمونه الحقيقي، ووضعه موضع التنفيذ ألا وهو شعار " قومية التحرير"، ليحلَّ محله شعار " قومية ـ التطبيع" ، مما يلغي جدوى البعد القومي أصلاً ، بحيث تصبح الأرض العربية ساحات متفرقة، تنشئ علاقات متفرقة مع العدو الصهيوني، وفيما بينها، ومن يدري فقد يكون القادم من السواد بحيث تصبح الصلة بين هذا العدو وبين بعض الأقطار العربية، أفضل من صلات هذه الأقطار بعضها ببعض (كما هو حاصل في العلاقة مع العدو "السوبر") وفي هذه الحالة التي لا نريد لها أن تكون، ما هو دور المثقف الفلسطيني ؟.

هل يمكن أن يكون الجسر الذي تعبر عليه عربة التطبيع الإسرائيلية العربية ؟.

وهل يمكن أن يكون الحصان الذي يجر هذه العربة مطوِّفاً بها البلاد العربية مسوقاً بضاعتها ؟.

وماذا يقول لأشقائه من المثقفين والمبدعين العرب الذين حمل وإياهم راية النضال القومي، وتولى معهم حراسة التراث الثقافي والفكري للأمة؟، وجعلوا معاً من فلسطين وقضيتها رمزاً للقيم النبيلة في تاريخنا وعصرنا؟.

ويزداد موقف المثقف الفلسطيني تعقيداً وصعوبة وهو يرى أن الحل الذي يجري ترويجه ـ هذا إذا قبل العدو ـ يقوم على مقايضة جزء من الوطن التاريخي للشعب الفلسطيني بجزء آخر منه، وحل مشكلة جزء من السكان على حساب حقوق ومستقبل الجزء الآخر، وتقسيم الشعب الواحد إلى داخل وخارج ووضعهما في حالة تعارض.

إن مسؤولية المثقف الفلسطيني والعربي تمنعه من الانتظار حتى الوصول إلى هذه النتائج من أجل أن يقول كلمته التي هي أمانة الأمة، إنه ملزم بالتذكير الدائم بأن أولادنا الذين لم يولدوا بعد، لم يفوضونا بالتنازل عن حقوقهم الوطنية الكاملة. ولهذا سيكتب الشاعر والروائي، ويرسم الرسام، ويغني المغني، وينتج السينمائي والمسرحي، ما يعمق نهر التاريخ ، وما يؤكد مثلنا الشعبي: "ما ضاع حق وراءه مطالب".

إن لنا في عدونا نفسه مثالاً، فسياسيوه، على تشددهم، يأخذون ويعطون بنسبة ما في المجال السياسي، لكن كتبهم التربوية، وإنتاجَهم الأدبي والفني، ومؤرخيهم، لا يتراجعون عن مصطلح ، أرض الميعاد، أو إسرائيل الكبرى. فإذا كان هؤلاء المتمسكون بالخرافة على هذه الدرجة من التشدد، فماذا عن حراس الروح الوطنية والقومية فينا من مبدعين ومثقفين؟.

ربما بدا أن الجانب الاستعماري في المشروع الصهيوني، أي دور إسرائيل كأداة للإمبريالية الأمريكية والغربية بوجه عام، قد طرأت عليه تغيرات نتيجة للتطورات الدولية، مما يوحي للبعض أن المشروع الصهيوني يتزعزع ميدانيا، لكن الجانب التوراتي والتلمودي في المشروع الصهيوني لم يتزعزع، ولهذا فإننا في حلبة صراع وجودي من أعقد عمليات الصراع في التاريخ، وهو ما لن تحلّه جولةٌ أو جولتان في معترك طويل، ولهذا لا يمكن للمثقف أن يبرر ما يجري. ولكن لأن في داخل المثقف سياسياً بحجم ما، فإن من غير المنطقي الاستسهال في عملية الاتهام المجانية، ولا الانسحاب تحت شعار الهرب بالطهرانية الوطنية ، والاكتفاء بتميمة: "لا".

إن على المثقف أن يواصل نشيد الروح، ويرسي في الذاكرة الجمعية، وفي وجدان العالم، أن فلسطين العربية لأصحابها العرب الفلسطينيين. وإذا كانت الظروف والمعادلات السياسية وموازين القوى الراهنة لا تسمح بترجمة هذا الشعار إلى واقع، فإن ذلك لا يلغيه، ولا يلغي إمكانية توفر شروط تحقيقه مستقبلاً. وهنا تأتي مسؤولية الثقافي في استخدام أدواته ووسائله الإبداعية لتغيير الوضع الراهن، وصناعة شروط المستقبل، بما في ذلك خلق جيل تحقيق الحلم.

صحيح أن المظهر الخارجي لهذه المعادلة بين الثقافي والسياسي ينطوي على التناقض، ولكنه تناقض العناصر التي تؤكد وحدة الكتلة. وليس معنى وحدة الكتلة أن يريح المثقف ضميره بصرخة في وادٍ، يقولها بين فترة وفترة، بل أنه بإصراره على الحق التاريخي يصنع من الوجدان الجمعي، قوة مادية ترشد السياسي وتحميه، أو حتى تتصادم معه في لحظة ما، وليس إلا الاحتكام إلى المبادئ، وإلا تعميقُ الديمقراطية التي لن يكون هناك معنى لكلمة واحدة مما تقدم، ما لم تكن هي الشرط الأول الذي يحكم علاقة السياسي بالثقافي، والثقافي بالسياسي.

يوم أُطلِقَت هذه الصرخة المبكرة منبهةً لموضوع التطبيع، ومحذّرةً من أبعاده وأخطاره، وداعيةً المثقفين والمبدعين لوعي مسؤولياتهم والقيام بدورهم، لم تكن مخاطر التطبيع قد بانت، ولم تكن ملامح الشرق أوسطية قد اتضحت، وبالتالي لم تكن الحركة الإسرائيلية النشطة باتجاه التطبيع الاقتصادي والثقافي قد ظهرت بصورة جلية. وربما بسبب ذلك، لم تلق هذه الصرخة صداها المطلوب، وإن كان عدد من المبدعين العرب الفلسطينيين قد تناولوها بالتعليق الإيجابي. وحده من أدرك مغزاها، ورأى فيها تعرضاً استباقياً أو خُطة اعتراضيه لمشروع كان يجري الإعداد له، هو أديبنا الكبير الراحل اميل حبيبي الذي كان من رواد حركة التطبيع الثقافي. وكان قد بدأ العمل لخلق تجمع ثقافي عربي إسرائيلي، وأدار حوارات في طشقند عام 92 من خلال اجتماع لكتاب آسيا وإفريقيا، وفي القاهرة عام 93، ولقي جدلاً وصداً من المثقفين المصريين.

الحديث عن المقالات المتبادلة

لكن مكانة اميل الأدبية المرموقة، ودورَه مع إخوانه ورفاقه من أدباء وشعراء ومناضلي شعبنا داخل الأراضي المحتلة عام 48 في الحفاظ على الهوية القومية لأبناء شعبه، وتصديهم لمحاولات إسرائيل طمس هذه الهوية شفعت لاميل محاولاته (وإن لم يسلم من انتقادات واسعة حين تسلم جائزة أدبية من رئيس وزراء إسرائيل الأسبق اسحق شامير)، أو ربما لأن موضوع التطبيع لم يكن قد أخذ أبعاده.

وفي وقت لاحق، ومبكر نسبياً أيضاً، كان لي شرف التنبيه لمخاطر التطبيع. ففي مداخلتي أمام اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية في الاجتماع الذي عقد يوم 9/9/93 للتصويت على اتفاقات أوسلو حددت موقفاً أقتطف منه بعض الفقرات:

" أتساءل قبل الشروع في حديثي عما إذا كنت محتاجاً إلى قدر من البلاغة ، فأستحضر على الفور علاقة لغوية بين البلاغة والبلاغ. ولأننا على هذا المفترق النوعي الدقيق من مسيرة شعبنا، ولأننا نقف بين تاريخين، ينتهي التاريخُ الأول منهما بما قد يصدر عن هذا الاجتماع، ليبدأ تاريخ آخر، فقد اتضح لي أن البلاغ هو الأساس، لأن كل كلمة تقال هنا، والآن، ستحسب على قائلها أمام التاريخ، بما هو حق عام، وأمام شعبنا الفلسطيني والعربي، وأمام الأهل والأصدقاء والمعارف، بما هم شهود على الجانب الذاتي والخاص لكل منا".

وفي فقرة أخرى "إننا بالمنظور التاريخي البعيد لسنا فلسطينيين أكثر من المواطنين العرب الآخرين الذين كانت فلسطين التعبير العملي عن هويتهم القومية، والتجسيد الفعلي لمفهوم الوحدة القومية لديهم، إلا بمقدار ما يعنيه قرارُنا الوطني المستقل من أمانة نحن ملزمون بأدائها سليمة لا أمام الأبناء والأجيال الآتية وحسب، بل أمام أجيالنا المعاصرة، وحياتنا اليومية الحاضرة، وأمام الأمة التي سلمتنا هذا القرار وأتمنتنا عليه". 

وحول القدس جاء فيها "أما القدس فنحن محكومين وطنياً ودينياً وتاريخياً وحقوقياً بالحفاظ على القدس الشريف".

"إن وضع القدس لا يحتمل تأويلين مؤجلين يتم التوفيق بينهما في مرحلة لاحقة، علماً بأن قادة العدو لا يعيرون اهتماماً حتى لتأويلنا المؤجل بشأن القدس، فهم يعتبرونها منذ الآن، خارج النقاش بوصفها عاصمة الهيكل الثالث، ولا أظن برنامجاً وطنياً فلسطينيا، مهما كانت مرونة مرحليته، يتسع لتأجيل البت الواضح والصريح بشأن أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين".

واستطراداً …" ماذا عن المستوى الثقافي والروحي في قضيتنا الوطنية ؟. من حقي أن أطمئن على الأناشيد المدرسية، وعلى دروس التاريخ والجغرافيا، وعلى آيات القرآن الكريم من ألا يطرأ عليها تغيير".

وتحوطاً لما يجري الآن قلت: " هل كتب علينا أن نكون جسر العبور الذي تعبره إسرائيل إلى عالمنا العربي؟.

وهل سنقود عربة التطبيع الإسرائيلي العربي ؟.

وبماذا، وكيف نواجه المثقفين والمفكرين والمناضلين العرب، وجماهيرنا العربية، الذين تحملوا عبء الكفاح معنا، وجعلوا من فلسطين رسالة تحرر عربية وعالمية".

وعموماً، نستطيع القول: أن حديث التطبيع، ظلَّ حتى توقيع اتفاقيات السلام مجرد تحذير أو تنبيه هنا أو هناك، أو اجتهاد لهذا المفكر أو ذاك، ولم تتصاعد وتيرتُه ويأخذ بعدَه، إلا بعد توقيع الاتفاقات، وبعد أن بدأت إسرائيل تستثمر نتائج هذه الاتفاقات، وأخذت طبيعة الصراع تتجسد بأشكال مختلفة، وتفصحُ عن الأبعاد التي ظلت محتجبة حين كان الشكل العسكري للصراع هو الأبرز، وحين كان التوسع الإسرائيلي يتكشف من خلال طابعه العسكري فقط.

وليس في وسعنا، ونحن نخوض في موضوع التطبيع الثقافي وأبعاده، وما أثير ويثار حوله من مساجلات أن نفصل الموضوع عن طبيعة الصراع الذي يجري على ساحة وطننا العربي أو أطراف هذا الصراع، ولا عن طبيعة إسرائيل والحركة الصهيونية، كما لا يمكن فصله عن نوعية الحلول المطروحة لهذا الصراع.

إن الصراع العربي الإسرائيلي ليس صراعاً بين الدولة الإسرائيلية أو الحركة الصهيونية والشعب الفلسطيني، ينتهي بمجرد أن فرضت إسرائيل نتيجة ظروف محلية ودولية على القيادة الفلسطينية، وإنما هو صراع بين قوة غاضبة تمثل حركة استعمارية عدوانية توسعية ذات طبيعة عنصرية ، وبين أمة ذات تاريخ وحضارة، ترى في هذا العدوان انتهاكا لوحدتها الترابية، وسيادتها الإقليمية، وهدفه ضرب وعرقلة مشروعها النهضوي الحضاري. بل هو صراع ينتمي لموجات الغزو الخارجي التي تعاقبت على الأمة عبر التاريخ، ويمتد في المستقبل بأشكالٍ وأساليب تأخذ طابع العصر الذي تقع فيه وتستخدمُ أدواته. وهو صراع لا يتصل بالموقع فقط، وإنما يطال الثروة والثقافة والرسالة الحضارية. وأطراف هذا الصراع لا تقتصر على جانبين فقط الأمةُ من جهة، والحركة الصهيونية من جهة أخرى، وإنما يقف خلف هذه الحركة كلُّ مطامع الغرب الاستعماري وأهدافه ومصالحه، بما يملكه من إمكانيات إعلامية هائلة.

في مقابلة أجرتها مؤخراً جريدةُ هآرتس الإسرائيلية مع ايهود باراك ـ للذين يتباكون على حزب العمل واحتفلوا بنجاحه ـ وزير خارجية إسرائيل السابق في حكومة بيريز (والزعيم المستقبلي لحزب العمل) سُئل: هل الصراع الإسرائيلي ـ العربي صراع بشأن الوجود أم بشأن الحدود ؟، وهل نقطة انطلاقه هي سنة 67، أم سنة 48، أم ربما سنة 1917؟ فأجاب قائلاً:

"هذا صراع معقد جداً يحيط بمختلف جوانب الواقع المعاش، صراعٌ يخترق جميع أبعاد هويتنا وهويتهم، الأبعاد السياسية والجغرافية والحضارية، وأيضاً البعد الديني، وفيه شئ من الصدام الجاري بين العالم الأول والعالم الثالث. (على اعتبار أنهم ينتمون للعالم الأول ونحن ننتمي للثالث)، وأضاف: أعتقد أن نقطة الانطلاق الأقوى للصراع هي سنة 48، لكن ما حدث سنة 48 ما كان ليحدث لولا ما حدث سنة 1917 (وعد بلفور) أو سنة 1882 (تاريخ إنشاء أول مستوطنة يهودية في فلسطين).

وبهذا المعنى فهو قطعاً صراع بشأن الوجود، وهو في مجال آخر منه صراعٌ ديني أيضاً مشحون بالتوتر. "انتهى كلام باراك".

إن الاستنتاج الأول الذي نستخلصه من أفكار السيد باراك هو تأكيده بأن الصراع يتعلق بالوجود. وهو يعني أن وجود أحد الطرفين يهدد وجود الآخر أو ينفيه، وحتى لا ينتفي وجودهم فهم بالتأكيد يعملون وسيعملون على نفي وجودنا.

(ملاحظة: هذا الكلام هو لزعيم حزب العمل وليس لزعيم الليكود) .

الاستخلاص الثاني الذي برز في حديث السيد باراك هو إشارته أكثر من مرة إلى أن الصراع له جانب ديني.

هذه الإشارة الأخيرة تقودنا إلى إلقاء نظرة على البعد الديني للحركة الصهيونية وللوجود الإسرائيلي. فالعقيدة الصهيونية ـ كما يقول أصحابها ـ عقيدة دينية تستند إلى رسالة إلآهية (التوراة) ، وليس في وسع أحد تغييرها. وإسرائيل في الأساس إدعاء توراتي ، يؤمن به ويعمل على أساسه كلُّ يهود إسرائيل. المعتدلون العلمانيون، والمتطرفون الدينيون سواء بسواء، والخلافات بينهم ليست أكثر من تفاصيل. ومفهوم الاعتدال والعلمانية عندهم لا يصل إلى حدود الفهم المعروف للعلمانية، بمعنى الدولة المنفتحة على المساواة بين المواطنين قومياً وعرقياً ودينياً، لأنه لو بلغ مفهوم العلمانية عندهم هذا الحد، لانتفى أساس قيام الدولة.

إسرائيل ترى نفسها فوق القرارات البشرية، وتروج لنفسها بمزاعم تقوم على قراءتها للتوراة. وربما كانت هذه النظرة هي التي تحكم موقفها من القرارات الدولية التي أدانتها، والتي تجاوزت الـ 192 قراراً، حيث ترى أن هذه القرارات لا تساوي الحبرَ الذي كتبت به.

ديفيد بن غوريون كان ملحداً، ومع ذلك كان يردد أسطورة شعب الله المختار، ويقول عن فلسطين إن هذه الأرض منحها الله لنا.

إسرائيل لم تنشئ دستوراً لها حتى الآن كي لا تضطر لتحديد حدودها، وحتى لا تكشف عن طبيعتها الدينية، بما يكذِّبُ كلَّ ادعاءاتها للعلمانية والديموقراطية.

وإسرائيل لم تصدر قانوناً للجنسية حتى لا تحدد من ينطبق عليه قانون الجنسية، وحتى لا يتمتع العرب فيها، أو غيرهم من أصحاب الديانات الأخرى، بحقهم في الجنسية، فيشوهون النقاء العرقي للدولة اليهودية ذات الديانة الواحدة.

أما المناهج التربوية سواءٌ في المدارس أو الجيش أو المجتمع عموماً، فهي تنضح بكل ما هو عرقي وعنصري، ويؤكد مقولة شعب الله المختار، ويعادي وينفي وجود الأغيار، ولم يطرأ على هذه المناهج حتى الآن أي تغيير ينسجم مع أطروحات السلام والتعايش التي تطلقها. فعند التجنيد مثلاً يحصل المجند على "التوراة"، ومعها مقدمة من كبير الحاخامات عن مملكة اليهود، وخريطة إسرائيل الكبرى، التي وعد الله بها شعب إسرائيل من النيل إلى الفرات.

ذكرت هآرتس يوم الجمعة 14/3/97 أن هناك ملصقات إسرائيلية ، تحمل شعار هارحوما للدفاع عن القدس "هارحوما الاسم العبري لجبل أبو غنيم" ، وقالت إن هذا الشعارš