Abdullah  Al-Hourani

 

 

 التطبيـع الثقـافـي

وأثـره فـي الصـراع العربـي الصهيونـي*

 

 بقلم: عبد الله الحوراني  

 

كان الإمام الشافعي رضي الله عنه يقول :

                مذهبي صواب  ويحتمل الخطأ

                                        ومذهب غيري خطأ  ويحتمل الصواب .

رغم أن معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية سبقت اتفاقات السلام الفلسطينية الإسرائيلية بأربعة عشر عاماً، إلا أن فكرة التطبيع لم تطرح جدياً، بأبعادها السياسية والاقتصادية والثقافية، إلا في أعقاب الاتفاقات الفلسطينية الإسرائيلية، ويمكن رؤية الأسباب التي حالت دون أن تكون المعاهدة المصرية الإسرائيلية الباب الذي يتسرب منه التطبيع:

أولاً: الرفض العربي الواسع على المستويين الرسمي والشعبي الذي جوبهت به هذه الاتفاقية.

ثانياً: روح العداء المتأصلة في ضمير الشعب العربي في مصر تجاه إسرائيل، نتيجة الحروب والاعتداءات الإسرائيلية وما خلّفته من خسائر بشرية ومادية جسيمة.

ثالثاً: عدم حل القضية الفلسطينية، وهي جوهر الصراع مع الحركة الصهيونية وإسرائيل، وارتباط مصر الوثيق بهذه القضية، وبحقوق الشعب الفلسطيني قومياً وروحياً.

رابعاً: دور المثقفين والمفكرين والمبدعين المصريين الريادي في تحصين المجتمع المصري والدفاع عن الحقوق القومية.

خامساً: وجود مؤسسات ونقابات تمثيلية للقطاعات الشعبية والمهنية لعبت دوراً مهما في مقاومة التطبيع.

سادساً: دور الدولة المصرية القائم حتى الآن على عدم تشجيع التطبيع، بل ومقاومته، إدراكاً منها لمخاطره وأبعاده.

سابعاً: لم تلغ معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية استمرار الصراع العربي الصهيوني، ذلك أن بقية الأراضي العربية المحتلة في كل من فلسطين والأردن وسوريا، ولبنان لاحقاً، لم يتم الجلاء الإسرائيلي عنها، كما أن الحقوق الوطنية الفلسطينية لم تتحقق.

ثامنا: مهما قيل عن التفريط في نصر أكتوبر العسكري، إلا أنه عملياً كان وراء استعادة كامل الأراضي العربية المصرية المحتلة، بينما جاءت الاتفاقات اللاحقة الفلسطينية والأردنية نتيجة هزيمة عربية. فأزمة الخليج والحرب التي أعقبتها لم يكن فيه منتصر ومهزوم، وإنما مهزوم فقط، هو الأمة العربية بكاملها، سلاحاً ومالاً وتضامناً ، فجَّرت إلى محادثات السلام استدعاءً وبالأمر، وليس طواعية.

تاسعاً: لم تأت معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، كما هي الحال عند توقيع اتفاقات السلام الفلسطينية الإسرائيلية، في ظل الهيمنة الأمريكية المطلقة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي، وتفرد الولايات المتحدة بدورها في حكم العالم وتسميته بالنظام الدولي الجديد بكل ما نعرفه عن الانحياز الأمريكي لإسرائيل ومصالحها، ولكننا ارتضيناها حكماً وراعياً لعملية السلام، فكنا كمن يأتمن الذئب على أغنامه.

قبل اتفاقات السلام، ومنذ أن بدأت مفاوضات مدريد، وأثناء تواصلها في واشنطن، كان الحديث عن التطبيع خافتاً وقليلاً.

في هذا الوقت المبكر نسبياً، وتحديداً في يوليو (تموز) 1992 كانت لي مساهمة في إثارة سؤال التطبيع، جاءت على شكل مداخلة قدمتُها في اجتماع للمجلس الأعلى للتربية والثقافة والعلوم الفلسطيني عقد في القاهرة في ذلك التاريخ، ثم نُشرت لاحقاً كمقالة في عدد من الصحف العربية في سبتمبر (أيلول) 1992. كانت المقالة بعنوان "بلاغ سياسي لمثقف عربي" وجاء فيها:

ونحن في هذه المرحلة الحساسة من أطوار القضية الفلسطينية، نقف، ربما لأول مرة بهذا القدر من الجدية والخطورة، أمام ما هو قادم من جواب سياسي عن أسئلة تاريخية. فما هو دور المثقف الذي حمل هذه الأسئلة، وعبر عنها بمختلف أشكال الإبداع منذ بدايات القرن، حتى يومنا هذا؟.
      ويبدو أن الزمن المتاح لنا للتعاطي مع هذه الأسئلة وتحديد أسلوب التعامل معها، والموقف منها، ليس زمناً مفتوحاً، بل هو أقصر مما نتصور. فالتحرك السياسي الجاري في المنطقة، وعلى الصعيد الدولي، يوحي بأن حلاً ما أصبح على الأبواب، أو هكذا يقول المنغمسون في العملية السياسية، ويجري تقديم هذا الحل بشكل احتفالي، ويطلق عليه وصف الإنجاز ضمن المقاييس والموازين القائمة عربياً وإقليمياً ودولياً.

وبغض النظر إن كانت كلمة "الإنجاز" هي الوصف الملائم الذي يمكن إطلاقه على هذا الحل، وبغض النظر عن أن أي إنجاز فعلي يتحقق لشعبنا بعد كفاحه الطويل وصبره المرير سيحظى بالترحاب اللائق من أبناء شعبنا كافة، إلا أن هذا الإنجاز إن كان سيعطينا شيئاً، فإن الثابت أن هذا الشيء لن يكون مجاناً، بل هناك استحقاقات تقترب منا، بنفس درجة اقتراب ما نسميه إنجازات.

وإذا كان السياسي الذي فينا ملزماً بدفع هذه الاستحقاقات، فإن الثقافي الذي فينا يقف على مفترق الأسئلة.

فما هو دور المثقف إزاء ما يجري ويستجد ؟.

هل دور المثقف أن يبرر ما يجري ؟.

هل دوره أن يقول: لا، ويختفي هارباً بضميره المستريح ؟.

وماذا عن المثقف الغارق حتى أذنيه في العملية السياسية ؟.

قبل هذه الأسئلة المتزايدة والمحرجة، لابد من توضيح أن السياسي ليس متهماً، ولكنه في لحظة اختيار، فهو أمام مشروع أو برنامج يتعاطى مع واقع ربما لم يكن له دور في صنعه، وإذا تغيرت الظروف فإنه يتحرك في ضوء ما يستجد، وقد يكون عليه أن يسهم في تغيير هذه الظروف، ولكن هذا لا يعفيه في نهاية الأمر من دفع استحقاق ما، وهذا الاستحقاق الآن مفروض علينا، فهل يحظى السياسيُ بمباركة الثقافي؟، أم أن على الثاني أن يحاكم الأول؟.

أم أننا بصدد معادلة تلقي على السياسي التعاطي مع اليومي، وتحمّلُ الثقافي مسؤولية المبادئ وحراسة الحق التاريخي؟.

ربما كان رجل الإعلام المنشغل بالتفاصيل اليومية، هو الذي يواكب السياسي، بل أن رجل الإعلام بهذا المعنى هو سياسي يدخل منطقة التكتيك ، ويقاتل لإبراز هذا الموقف وتسويغهِ، والرد على السؤال وتفنيده، والخطر كله هو في الخلط بين الإعلامي والثقافي، وإن كانت أدواتهما المباشرة واحدة.

فالمثقف يضع أمامه هدفه البعيد دائماً، ويوظف إبداعه ليحافظ على الهدف الاستراتيجي، أما رجل الإعلام السياسي فهو ـ وإن كان لا يحق لأحد أن يتهمه بالتنازل عن الهدف الاستراتيجي ـ ملزم بتقديم أجوبة بحجم الأسئلة المطروحة، وكثيراً ما يكون في مأزق الطالب في الامتحان، وأمامه سطر صارم يقول: أجب بنعم أو لا. وإذا ظلت العجلة السياسية تدور ضمن المعطيات الراهنة ، دون متغيرات دراماتيكية عربية أو دولية، ـ ويبدو أن الأمر كذلك حتى الآن ـ فإن السياسي الفلسطيني مطالب بأبهظ " نعم " في تاريخ قضيته، ومهما كابرنا، ومهما ماطلنا في تقديم الجواب، فإن استحقاقات لا علاقة لها بالحق، ستفرض نفسها علينا، دون أي لف أو دوران، وأياً كانت الكلمات والتعبيرات التي ستستخدم في وصف الحالة، أو تبريرها أو تفسيرها، فإن موضوع الاعتراف بالعدو سيكون مطروحاً، وكذلك موضوع التطبيع، لا على المستوى الفلسطيني فقط، بل على المستوى العربي.

قد يجيز السياسي لنفسه، أو قد يجوز له أن يسمي ما يقوم به مناورة تكتيكية في معركة طويلة، وأن يضعه في خانة الهدف المرحلي؟؟ ربما. لكن تسويغ ذلك والقبول به محكوم بشروط وضوابط أساسُها أن تتوفر في المرحلي مقومات الحد الأدنى الوطني، وأن يوظف المرحلي لتحقيق الاستراتيجي في المدى البعيد، لا أن يكون بديلاً عنه أو إلغاءً له، وبحيث يبقى باب المستقبل مفتوحاً، ويظل الجسر بين الحاضر والمستقبل موصولاً. وبهذا المعنى فإن ميدان المناورة أمام السياسي ليس مفتوحاً على مصراعيه، وأن حريته في المناورة محدودة. أما الثقافي فإنه محروم حتى من هذا الهامش الضيق في المناورة. إذ ليس في قاموس الثقافة كلمة مناورة. هناك مناورة سياسية، إعلامية، عسكرية، ولكن ليس هناك مناورة ثقافية، فالمثقف يتعامل مع قيم مطلقة، ولا يمكن تجزئتها إلى أجزاء ومراحل، وهو حامل راية الحق التاريخي، والمدافع الأول عنه، ومهمته أن يستخدم كل أدواته وأشكاله الإبداعية للتعبير عنه، وحمايته، وإحاطته بسور من المحرمات التي تمنع المساس بقدسيته.

وإذا كان على السياسي أن يحرق دمه للبحث عن صيغة أقل الخسائر مقابل أفضل الممكن، فإن الثقافي، الذي هو ذاكرة الأمة ووجدانها، وحارس روحها، لا يمكن أن يكون شريكاً للسياسي فيما هو مجبر عليه، أو مضطر لعمله. فالعدو مثلا يسعى فيما يسعى إليه، إلى تطبيع علاقاته مع العرب، ويعمل على قبر شعار طالما ناضلنا من أجل إعطائه مضمونه الحقيقي، ووضعه موضع التنفيذ ألا وهو شعار " قومية التحرير"، ليحلَّ محله شعار " قومية ـ التطبيع" ، مما يلغي جدوى البعد القومي أصلاً ، بحيث تصبح الأرض العربية ساحات متفرقة، تنشئ علاقات متفرقة مع العدو الصهيوني، وفيما بينها، ومن يدري فقد يكون القادم من السواد بحيث تصبح الصلة بين هذا العدو وبين بعض الأقطار العربية، أفضل من صلات هذه الأقطار بعضها ببعض (كما هو حاصل في العلاقة مع العدو "السوبر") وفي هذه الحالة التي لا نريد لها أن تكون، ما هو دور المثقف الفلسطيني؟.

هل يمكن أن يكون الجسر الذي تعبر عليه عربة التطبيع الإسرائيلية العربية ؟.

وهل يمكن أن يكون الحصان الذي يجر هذه العربة مطوِّفاً بها البلاد العربية مسوقاً بضاعتها ؟.

وماذا يقول لأشقائه من المثقفين والمبدعين العرب الذين حمل وإياهم راية النضال القومي، وتولى معهم حراسة التراث الثقافي والفكري للأمة؟، وجعلوا معاً من فلسطين وقضيتها رمزاً للقيم النبيلة في تاريخنا وعصرنا؟.

ويزداد موقف المثقف الفلسطيني تعقيداً وصعوبة وهو يرى أن الحل الذي يجري ترويجه ـ هذا إذا قبل العدو ـ يقوم على مقايضة جزء من الوطن التاريخي للشعب الفلسطيني بجزء آخر منه، وحل مشكلة جزء من السكان على حساب حقوق ومستقبل الجزء الآخر، وتقسيم الشعب الواحد إلى داخل وخارج ووضعهما في حالة تعارض.

إن مسؤولية المثقف الفلسطيني والعربي تمنعه من الانتظار حتى الوصول إلى هذه النتائج من أجل أن يقول كلمته التي هي أمانة الأمة، إنه ملزم بالتذكير الدائم بأن أولادنا الذين لم يولدوا بعد، لم يفوضونا بالتنازل عن حقوقهم الوطنية الكاملة. ولهذا سيكتب الشاعر والروائي، ويرسم الرسام، ويغني المغني، وينتج السينمائي والمسرحي، ما يعمق نهر التاريخ ، وما يؤكد مثلنا الشعبي: "ما ضاع حق وراءه مطالب".

إن لنا في عدونا نفسه مثالاً، فسياسيوه، على تشددهم، يأخذون ويعطون بنسبة ما في المجال السياسي، لكن كتبهم التربوية، وإنتاجَهم الأدبي والفني، ومؤرخيهم، لا يتراجعون عن مصطلح ، أرض الميعاد، أو إسرائيل الكبرى. فإذا كان هؤلاء المتمسكون بالخرافة على هذه الدرجة من التشدد، فماذا عن حراس الروح الوطنية والقومية فينا من مبدعين ومثقفين؟.

ربما بدا أن الجانب الاستعماري في المشروع الصهيوني، أي دور إسرائيل كأداة للإمبريالية الأمريكية والغربية بوجه عام، قد طرأت عليه تغيرات نتيجة للتطورات الدولية، مما يوحي للبعض أن المشروع الصهيوني يتزعزع ميدانيا، لكن الجانب التوراتي والتلمودي في المشروع الصهيوني لم يتزعزع، ولهذا فإننا في حلبة صراع وجودي من أعقد عمليات الصراع في التاريخ، وهو ما لن تحلّه جولةٌ أو جولتان في معترك طويل، ولهذا لا يمكن للمثقف أن يبرر ما يجري. ولكن لأن في داخل المثقف سياسياً بحجم ما، فإن من غير المنطقي الاستسهال في عملية الاتهام المجانية، ولا الانسحاب تحت شعار الهرب بالطهرانية الوطنية ، والاكتفاء بتميمة: "لا".

إن على المثقف أن يواصل نشيد الروح، ويرسي في الذاكرة الجمعية، وفي وجدان العالم، أن فلسطين العربية لأصحابها العرب الفلسطينيين. وإذا كانت الظروف والمعادلات السياسية وموازين القوى الراهنة لا تسمح بترجمة هذا الشعار إلى واقع، فإن ذلك لا يلغيه، ولا يلغي إمكانية توفر شروط تحقيقه مستقبلاً. وهنا تأتي مسؤولية الثقافي في استخدام أدواته ووسائله الإبداعية لتغيير الوضع الراهن، وصناعة شروط المستقبل، بما في ذلك خلق جيل تحقيق الحلم.

صحيح أن المظهر الخارجي لهذه المعادلة بين الثقافي والسياسي ينطوي على التناقض، ولكنه تناقض العناصر التي تؤكد وحدة الكتلة. وليس معنى وحدة الكتلة أن يريح المثقف ضميره بصرخة في وادٍ، يقولها بين فترة وفترة، بل أنه بإصراره على الحق التاريخي يصنع من الوجدان الجمعي، قوة مادية ترشد السياسي وتحميه، أو حتى تتصادم معه في لحظة ما، وليس إلا الاحتكام إلى المبادئ، وإلا تعميقُ الديمقراطية التي لن يكون هناك معنى لكلمة واحدة مما تقدم، ما لم تكن هي الشرط الأول الذي يحكم علاقة السياسي بالثقافي، والثقافي بالسياسي.

يوم أُطلِقَت هذه الصرخة المبكرة منبهةً لموضوع التطبيع، ومحذّرةً من أبعاده وأخطاره، وداعيةً المثقفين والمبدعين لوعي مسؤولياتهم والقيام بدورهم، لم تكن مخاطر التطبيع قد بانت، ولم تكن ملامح الشرق أوسطية قد اتضحت، وبالتالي لم تكن الحركة الإسرائيلية النشطة باتجاه التطبيع الاقتصادي والثقافي قد ظهرت بصورة جلية. وربما بسبب ذلك، لم تلق هذه الصرخة صداها المطلوب، وإن كان عدد من المبدعين العرب الفلسطينيين قد تناولوها بالتعليق الإيجابي. وحده من أدرك مغزاها، ورأى فيها تعرضاً استباقياً أو خُطة اعتراضيه لمشروع كان يجري الإعداد له، هو أديبنا الكبير الراحل اميل حبيبي الذي كان من رواد حركة التطبيع الثقافي. وكان قد بدأ العمل لخلق تجمع ثقافي عربي إسرائيلي، وأدار حوارات في طشقند عام 92 من خلال اجتماع لكتاب آسيا وإفريقيا، وفي القاهرة عام 93، ولقي جدلاً وصداً من المثقفين المصريين.

الحديث عن المقالات المتبادلة

لكن مكانة اميل الأدبية المرموقة، ودورَه مع إخوانه ورفاقه من أدباء وشعراء ومناضلي شعبنا داخل الأراضي المحتلة عام 48 في الحفاظ على الهوية القومية لأبناء شعبه، وتصديهم لمحاولات إسرائيل طمس هذه الهوية شفعت لاميل محاولاته (وإن لم يسلم من انتقادات واسعة حين تسلم جائزة أدبية من رئيس وزراء إسرائيل الأسبق اسحق شامير)، أو ربما لأن موضوع التطبيع لم يكن قد أخذ أبعاده.

وفي وقت لاحق، ومبكر نسبياً أيضاً، كان لي شرف التنبيه لمخاطر التطبيع. ففي مداخلتي أمام اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية في الاجتماع الذي عقد يوم 9/9/93 للتصويت على اتفاقات أوسلو حددت موقفاً أقتطف منه بعض الفقرات:

" أتساءل قبل الشروع في حديثي عما إذا كنت محتاجاً إلى قدر من البلاغة ، فأستحضر على الفور علاقة لغوية بين البلاغة والبلاغ. ولأننا على هذا المفترق النوعي الدقيق من مسيرة شعبنا، ولأننا نقف بين تاريخين، ينتهي التاريخُ الأول منهما بما قد يصدر عن هذا الاجتماع، ليبدأ تاريخ آخر، فقد اتضح لي أن البلاغ هو الأساس، لأن كل كلمة تقال هنا، والآن، ستحسب على قائلها أمام التاريخ، بما هو حق عام، وأمام شعبنا الفلسطيني والعربي، وأمام الأهل والأصدقاء والمعارف، بما هم شهود على الجانب الذاتي والخاص لكل منا".

وفي فقرة أخرى "إننا بالمنظور التاريخي البعيد لسنا فلسطينيين أكثر من المواطنين العرب الآخرين الذين كانت فلسطين التعبير العملي عن هويتهم القومية، والتجسيد الفعلي لمفهوم الوحدة القومية لديهم، إلا بمقدار ما يعنيه قرارُنا الوطني المستقل من أمانة نحن ملزمون بأدائها سليمة لا أمام الأبناء والأجيال الآتية وحسب، بل أمام أجيالنا المعاصرة، وحياتنا اليومية الحاضرة، وأمام الأمة التي سلمتنا هذا القرار وأتمنتنا عليه". 

وحول القدس جاء فيها "أما القدس فنحن محكومين وطنياً ودينياً وتاريخياً وحقوقياً بالحفاظ على القدس الشريف".

"إن وضع القدس لا يحتمل تأويلين مؤجلين يتم التوفيق بينهما في مرحلة لاحقة، علماً بأن قادة العدو لا يعيرون اهتماماً حتى لتأويلنا المؤجل بشأن القدس، فهم يعتبرونها منذ الآن، خارج النقاش بوصفها عاصمة الهيكل الثالث، ولا أظن برنامجاً وطنياً فلسطينيا، مهما كانت مرونة مرحليته، يتسع لتأجيل البت الواضح والصريح بشأن أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين".

واستطراداً …" ماذا عن المستوى الثقافي والروحي في قضيتنا الوطنية ؟. من حقي أن أطمئن على الأناشيد المدرسية، وعلى دروس التاريخ والجغرافيا، وعلى آيات القرآن الكريم من ألا يطرأ عليها تغيير".

وتحوطاً لما يجري الآن قلت: " هل كتب علينا أن نكون جسر العبور الذي تعبره إسرائيل إلى عالمنا العربي؟.

وهل سنقود عربة التطبيع الإسرائيلي العربي؟.

وبماذا، وكيف نواجه المثقفين والمفكرين والمناضلين العرب، وجماهيرنا العربية، الذين تحملوا عبء الكفاح معنا، وجعلوا من فلسطين رسالة تحرر عربية وعالمية".

وعموماً، نستطيع القول: أن حديث التطبيع، ظلَّ حتى توقيع اتفاقيات السلام مجرد تحذير أو تنبيه هنا أو هناك، أو اجتهاد لهذا المفكر أو ذاك، ولم تتصاعد وتيرتُه ويأخذ بعدَه، إلا بعد توقيع الاتفاقات، وبعد أن بدأت إسرائيل تستثمر نتائج هذه الاتفاقات، وأخذت طبيعة الصراع تتجسد بأشكال مختلفة، وتفصحُ عن الأبعاد التي ظلت محتجبة حين كان الشكل العسكري للصراع هو الأبرز، وحين كان التوسع الإسرائيلي يتكشف من خلال طابعه العسكري فقط.

وليس في وسعنا، ونحن نخوض في موضوع التطبيع الثقافي وأبعاده، وما أثير ويثار حوله من مساجلات أن نفصل الموضوع عن طبيعة الصراع الذي يجري على ساحة وطننا العربي أو أطراف هذا الصراع، ولا عن طبيعة إسرائيل والحركة الصهيونية، كما لا يمكن فصله عن نوعية الحلول المطروحة لهذا الصراع.

إن الصراع العربي الإسرائيلي ليس صراعاً بين الدولة الإسرائيلية أو الحركة الصهيونية والشعب الفلسطيني، ينتهي بمجرد أن فرضت إسرائيل نتيجة ظروف محلية ودولية على القيادة الفلسطينية، وإنما هو صراع بين قوة غاضبة تمثل حركة استعمارية عدوانية توسعية ذات طبيعة عنصرية ، وبين أمة ذات تاريخ وحضارة، ترى في هذا العدوان انتهاكا لوحدتها الترابية، وسيادتها الإقليمية، وهدفه ضرب وعرقلة مشروعها النهضوي الحضاري. بل هو صراع ينتمي لموجات الغزو الخارجي التي تعاقبت على الأمة عبر التاريخ، ويمتد في المستقبل بأشكالٍ وأساليب تأخذ طابع العصر الذي تقع فيه وتستخدمُ أدواته. وهو صراع لا يتصل بالموقع فقط، وإنما يطال الثروة والثقافة والرسالة الحضارية. وأطراف هذا الصراع لا تقتصر على جانبين فقط الأمةُ من جهة، والحركة الصهيونية من جهة أخرى، وإنما يقف خلف هذه الحركة كلُّ مطامع الغرب الاستعماري وأهدافه ومصالحه، بما يملكه من إمكانيات إعلامية هائلة.

في مقابلة أجرتها مؤخراً جريدةُ هآرتس الإسرائيلية مع ايهود باراك ـ للذين يتباكون على حزب العمل واحتفلوا بنجاحه ـ وزير خارجية إسرائيل السابق في حكومة بيريز (والزعيم المستقبلي لحزب العمل) سُئل: هل الصراع الإسرائيلي ـ العربي صراع بشأن الوجود أم بشأن الحدود ؟، وهل نقطة انطلاقه هي سنة 67، أم سنة 48، أم ربما سنة 1917؟ فأجاب قائلاً:

"هذا صراع معقد جداً يحيط بمختلف جوانب الواقع المعاش، صراعٌ يخترق جميع أبعاد هويتنا وهويتهم، الأبعاد السياسية والجغرافية والحضارية، وأيضاً البعد الديني، وفيه شئ من الصدام الجاري بين العالم الأول والعالم الثالث. (على اعتبار أنهم ينتمون للعالم الأول ونحن ننتمي للثالث)، وأضاف: أعتقد أن نقطة الانطلاق الأقوى للصراع هي سنة 48، لكن ما حدث سنة 48 ما كان ليحدث لولا ما حدث سنة 1917 (وعد بلفور) أو سنة 1882 (تاريخ إنشاء أول مستوطنة يهودية في فلسطين).

وبهذا المعنى فهو قطعاً صراع بشأن الوجود، وهو في مجال آخر منه صراعٌ ديني أيضاً مشحون بالتوتر. "انتهى كلام باراك".

إن الاستنتاج الأول الذي نستخلصه من أفكار السيد باراك هو تأكيده بأن الصراع يتعلق بالوجود. وهو يعني أن وجود أحد الطرفين يهدد وجود الآخر أو ينفيه، وحتى لا ينتفي وجودهم فهم بالتأكيد يعملون وسيعملون على نفي وجودنا.

(ملاحظة: هذا الكلام هو لزعيم حزب العمل وليس لزعيم الليكود) .

الاستخلاص الثاني الذي برز في حديث السيد باراك هو إشارته أكثر من مرة إلى أن الصراع له جانب ديني.

هذه الإشارة الأخيرة تقودنا إلى إلقاء نظرة على البعد الديني للحركة الصهيونية وللوجود الإسرائيلي. فالعقيدة الصهيونية ـ كما يقول أصحابها ـ عقيدة دينية تستند إلى رسالة إلآهية (التوراة) ، وليس في وسع أحد تغييرها. وإسرائيل في الأساس إدعاء توراتي ، يؤمن به ويعمل على أساسه كلُّ يهود إسرائيل. المعتدلون العلمانيون، والمتطرفون الدينيون سواء بسواء، والخلافات بينهم ليست أكثر من تفاصيل. ومفهوم الاعتدال والعلمانية عندهم لا يصل إلى حدود الفهم المعروف للعلمانية، بمعنى الدولة المنفتحة على المساواة بين المواطنين قومياً وعرقياً ودينياً، لأنه لو بلغ مفهوم العلمانية عندهم هذا الحد، لانتفى أساس قيام الدولة.

إسرائيل ترى نفسها فوق القرارات البشرية، وتروج لنفسها بمزاعم تقوم على قراءتها للتوراة. وربما كانت هذه النظرة هي التي تحكم موقفها من القرارات الدولية التي أدانتها، والتي تجاوزت الـ 192 قراراً، حيث ترى أن هذه القرارات لا تساوي الحبرَ الذي كتبت به.

ديفيد بن غوريون كان ملحداً، ومع ذلك كان يردد أسطورة شعب الله المختار، ويقول عن فلسطين إن هذه الأرض منحها الله لنا.

إسرائيل لم تنشئ دستوراً لها حتى الآن كي لا تضطر لتحديد حدودها، وحتى لا تكشف عن طبيعتها الدينية، بما يكذِّبُ كلَّ ادعاءاتها للعلمانية والديموقراطية.

وإسرائيل لم تصدر قانوناً للجنسية حتى لا تحدد من ينطبق عليه قانون الجنسية، وحتى لا يتمتع العرب فيها، أو غيرهم من أصحاب الديانات الأخرى، بحقهم في الجنسية، فيشوهون النقاء العرقي للدولة اليهودية ذات الديانة الواحدة.

أما المناهج التربوية سواءٌ في المدارس أو الجيش أو المجتمع عموماً، فهي تنضح بكل ما هو عرقي وعنصري، ويؤكد مقولة شعب الله المختار، ويعادي وينفي وجود الأغيار، ولم يطرأ على هذه المناهج حتى الآن أي تغيير ينسجم مع أطروحات السلام والتعايش التي تطلقها. فعند التجنيد مثلاً يحصل المجند على "التوراة"، ومعها مقدمة من كبير الحاخامات عن مملكة اليهود، وخريطة إسرائيل الكبرى، التي وعد الله بها شعب إسرائيل من النيل إلى الفرات.

ذكرت هآرتس يوم الجمعة 14/3/97 أن هناك ملصقات إسرائيلية ، تحمل شعار هارحوما للدفاع عن القدس "هارحوما الاسم العبري لجبل أبو غنيم" ، وقالت إن هذا الشعار، وضع على خلفية تحمل خريطة أرض إسرائيل، التي تشمل الأردن وجزء من أراضي العراق.

هذه الطبيعةُ العنصرية للمجتمع الصهيوني في فلسطين (إسرائيل)، تدفعه للشعور بالغربة والخوف من محيطه، وهو بذلك يؤكد خاصيته كمجتمع استعماري استيطاني. فمن أبرز خصائص مثل هذه المجتمعات، الخوف من المحيط الإقليمي، وهذا الخوف يدفعها إلى تحصين نفسها بمزيد من الاستيطان، ومزيدٍ من السلاح والتفوق. وهو ما دفع المجتمع الصهيوني في فلسطين إلى التفكير ببناء ترسانته النووية في وقت مبكر، كأداة للتهديد وفرض الإرادة، ومن ناحية أخرى، استمر نهجهُ الاستيطاني بأعلى وتائره، في ظل حديثه عن السلام، وبعد توقيعه لاتفاقياته. (150 ألف دونم ، 22 ألف دونم طرقات).

فهو مازال يسعى، ويستقدم موجاتٍ من اليهود المستوطنين إلى إسرائيل ، ومن إسرائيل إلى الأراضي العربية المحتلة، ويواصل نهبَ الأرض العربية من جهة، وطرد سكانها من جهة أخرى. فكيف له أن يقبل أو يفكر بقبول عودة اللاجئين، أو النازحين الفلسطينيين إلى وطنهم.

إن أحد أبرز زعماء الاعتدال في إسرائيل "شلوميت الوني" رئيس حركة ميرتس حتى الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة، ووزير التربية والثقافة في حكومة رابين تقول: إن فكرة عودة اللاجئين الفلسطينيين يجب ألا تراود أصحابَها، حتى في الحلم.

مثل هذه المجتمعات الاستيطانية تحمل مأزقها في ذاتها، فهي من جهة تريد أن تحتفظ بنزعة التميز والتفوق والاختلاف عن محيطها الإقليمي، ومن جهة أخرى تود التعامل مع هذا المحيط لاستغلاله، ولضمان حياتها على حسابه تحوطاً لاحتمالات تراجع الدعم الخارجي لها، مع الحرص في الوقت نفسه على ضمان كل شروط التفوق، واحتياطات عدم الذوبان في المحيط.

وفي حالة النموذج الاستيطاني الإسرائيلي يبدو حل الإشكالية التي تواجهه أكثر تعقيداً، فلا الحل الديموقراطي للمسألة ـ كما جرى في جنوب أفريقيا ـ سهل، لأنه يصطدم بالجانب العقائدي للصهيونية ، القائم على النخبوية والتفوق والنقاء العرقي. ولا حل إبادة السكان الأصليين، كما حدث لهنود أمريكا الحمر ممكن، بل هو مستحيل نظراً للمحيط العربي الهائل الذي يحيط بإسرائيل.

وربما لا يبقى أمام هذا النموذج على المدى البعيد غير الفشل والهزيمة، كما حدث مع كل الغزوات الإفرنجية السابقة، وكما حصل مع المستوطنين الفرنسيين في الجزائر، والمغرب العربي عموماً.

وبرغم تعقيداتِ هذا الصراع وطبيعته، حملت الحلول التي طرحت لإنهائه مزيداً من العوامل التي تطيل أمده، ذلك أنها جاءت لتعكس الخلل الكبير في موازين القوى بين أطراف الصراع. فقد جاءت والوضع الفلسطيني الذاتي في أضعف حالاته (وضع منظمة التحرير والانتفاضة)، وكذا الوضعُ العربي الخارجُ من حرب الخليج منهكاً ومستنزفاً وممزقاً، وبالتالي فهو لا يملك أي قدرة على الاحتفاظ ولو بقدر بسيط من شروطه.

أما الوضع الدولي فتحكمه وتتحكم فيه قوة واحدة وحيدة لا يملك عصيانها إلا من تحلى بقدرة هائلة على التحمل، وراهن على المستقبل أكثر من رهانه على الحاضر.

لذلك جاءت الحلول المفروضة مصاغة بالشروط والرغبات الإسرائيلية، مستفيدة إلى أقصى حد من الواقع الراهن لتكبيل المستقبل ومصادرة حقوق الأجيال اللاحقة.

أطلقوا على الحل صفات العادل والشامل والدائم، وهو ليس بعادل ولا شامل ولا دائم.

حدود هذا الحل لو جرى تطبيقه على أحسن وجه، لن تعيد للعرب أكثر من 18% من مساحة فلسطين الطبيعية، وهي مساحة الضفة وغزة. وكل حد لا يعيد السيادة العربية على فلسطين كاملة، ويعيد الأربعة ملايين لاجئ إلى ديارهم وممتلكاتهم، ويعيد بقية الأراضي العربية المحتلة في الجولان وجنوب لبنان، لا يمكن وصفه بالعدل. فما بالنا بالحل الذي لن يعيد الضفة وغزة كاملتين، ولن يعيد القدس ولا اللاجئين، ويبقى الاستيطان والوجود العسكري الإسرائيلي قائماً على أكثر من 50% من أراضي الضفة ؟.

أما شمول الحل فقد نقضوه منذ اللحظة الأولى حين رفضوا، وقبلنا، معالجة موضوع الصراع العربي الإسرائيلي كقضية واحدة ، وأصروا، وقبلنا، على التفاوض مع كل طرف عربي على حده لاستفرادهِ وإضعافه. وأحيانا للمساومة على قضية عربية على حساب الأخرى ، أو الاستقواء بطرف على طرف. ومن هنا انتفت صفة الشمول، إلا إذا كان المقصود بالشمول هو مجموع الحلول الانفرادية.

وأما الديمومة فكيف لها أن تكون ما دامت قد انتفت صفتا العدل والشمول، وما دام العدوان الإسرائيلي على الأمة العربية سيظل قائماً بأشكاله القديمة والحديثة.

لم تقتصر عملية تجزئة الحل على الفصل بين القضايا العربية، بل إن الحل الواحد جزءوه إلى حلول ومراحل، كما حدث في الحل الفلسطيني، وكل مرحلة قسموها أيضاً إلى مراحل. خمس سنوات ـ الهدف: نهب الأرض، استكمال عملية التطبيع مع الأطراف العربية، حتى يصل الفلسطينيون لمباحثات الحل النهائي وقد خُلقت وقائعُ جديدة. فلا أرضَ يفاوضون عليها إلا القليل (خاصة وأن انتزاع اعتراف من الجانب الإسرائيلي بأن الضفة وغزة أراض محتلة لم يتم)، ولا وضع عربي يسندهم، بعد أن تكون عملية التطبيع قد استكملت.

وقد سهّل من عملية تجزئة الحل إلى حلول، وتجزئة الصراع العربي الإسرائيلي إلى صراعات فلسطينية وأردنية وسورية ولبنانية ومصرية مع إسرائيل، وبالتالي عملية الاستفراد الإسرائيلي بكل طرف شعاران، رفع أحدهما الطرف الفلسطيني يقول باستقلالية القرار الوطني الفلسطيني، وأكملته الحكومات العربية، وحتى بعض القوى والأحزاب الوطنية والقومية، بشعار آخر يقول: نقبل ما يقبل به الفلسطينيون.

رفع الفلسطينيون شعارهم هرباً من تدخل بعض الأنظمة العربية في قضيتهم وقرارهم، ولحرمان هذه الأنظمة من استخدام الورقة الفلسطينية ـ كما يقولون ـ في المساومة مع إسرائيل، حتى لا يتم الانتقاص من الحقوق الفلسطينية لحساب حقوق أُخرى .

وقد غالى الطرف الفلسطيني في استخدام هذا الشعار، متجاوزا حدود الأنظمة، إلى تطبيقه على القوى السياسية والشعبية العربية. بل إنه اعتبر كل نصح أو نقد يقدم للجانب الفلسطيني، تدخلا في شئونه الداخلية. وقد فعل الطرف الفلسطيني ذلك دون أن يدري أنه بذلك يعزل القضية عن بعدها القومي، ويحمِّل نفسه ما لا طاقة له به وحده، ويوفر بذلك لكل الذين يودون التهرب من مسؤولياتهم القومية الذريعة والغطاء. ولم يتردد هؤلاء في أن يرفعوا شعارهم الذي يريحهم يعفيهم من مسؤولياتهم ، ويضع مسؤولية التفريط بالحقوق والأرض الفلسطينية على عاتق الفلسطينيين وحدهم، فأطلقوا شعارهم القائل: نقبل ما يقبل به الفلسطينيون، وبرّءوا أنفسهم من كل تقصير أو ظلم أوقعوه في حق الشعب العربي الفلسطيني، وحق القضية القومية.

ومن ناحية أخرى ، شكل هذا الشعار غطاءً للاندفاع في عملية التطبيع، وتبادل التمثيل السياسي والتجاري مع إسرائيل، التي سارعت إليها بعض الأطراف العربية دون أن تنتظر لترى حدود التنازل الذي ستقدمه إسرائيل، وماهية الحقوق التي ستعطيها لأشقائهم الفلسطينيين والعرب، الذي ما تزال أرضهم محتلة، من حيث الانسحاب من الأرض، أو من حيث السيادة عليها.

ولم تكن الصورة الاحتفالية المضخمة عمداً، التي قدمت بها اتفاقات أوسلو، وتحميلُها مضامين لا تحمل منها شيئاً، لضمان قبول الشارع الفلسطيني والعربي بها، أقل أثراً في تعميق الانقسام في الواقع العربي من جهة، وإحداث نوع من الارتخاء والتقبل تجاه الوجود الإسرائيلي من جهة أخرى. كما خلقت انطباعاً في الشارع العربي بأن قضية فلسطين قد حُلت، أو هي في طريقها إلى الحل.

وبذلك تولد نوع من الانصراف عن الاهتمام بها، أو الشعور بالمسؤولية القومية تجاهها. وأصبحت القضية الفلسطينية قضية رسمية فقط، يجري التداول بشأنها بين المسؤولين وحدهم، وتحت عنوان واحد هو المفاوضات، وما يجري فيه سلباً أو إيجاباً، وتم غياب أو تغييب الدور الشعبي والقوى السياسية العربية ، وباتت عملية استعادة الاهتمام الشعبي بالقضية الفلسطينية، وإعادة استقطاب الشارع العربي، وإعادة دوره النضالي تجاه القضية، موضوعاً بحد ذاته.

ولم تستثن هذه الحالة من الإرباك والارتباك والانقسام التي أحدثتها عملية السلام الجارية صفوف المثقفين والمبدعين العرب والفلسطينيين.

وحتى يأتي دور المثقفين والمفكرين في سياقه الصحيح، يجب أولاً وعي حقيقة التناقض بين مفهوم السلام الإسرائيلي ومفهوم السلام العربي. فشروط ومواصفات كل من السلامين لا تتحقق إلا على حساب شروط ومواصفات السلام الآخر . وكل من السلامين يتعارض مصلحياً، ويتصادم أمنياً ، ويختلف ثقافياً مع السلام الآخر.

إن مفهوم إسرائيل للسلام يقوم على الأمن ، وكلما تعزز الأمن الإسرائيلي تهدد الأمن القومي العربي لأن الأمن في مفهومها يعني:

أولاً : ضمان تفوقها العسكري والتقني والنووي، أي توفير كل عوامل الردع والعدوان لها.

ثانياً : ومفهوم الأمن لديها يحمل بُعداً جغرافياً بما يعنيه من استمرار سيطرتها على الأرض تحت الحجج الأمنية على أغلب أراضي الضفة، غور الأردن، الجولان، الجنوب اللبناني، والتوسع كلما اقتضت الحاجة الأمنية.

ثالثاُ : ويحمل بعداً ديموغرفيا، وتحت هذا العنوان يستمر الاستيطان ويتوسع، ويتم استقدام المزيد من المهاجرين اليهود، وضمهم إلى المستوطنات في الضفة والقطاع والجولان، ويتم تهجير السكان الأصليين (العرب)، وترفض عودة اللاجئين، وحتى من نزح بعد عام 1967، ويضيق الذرع الإسرائيلي بعرب الجليل والمثلث ، وتزايد أعدادهم مما يهدد التركيبة السكانية في إسرائيل ذاتها.

رابعاً : ومفهوم الأمن لديها يعني حرمان الشعب الفلسطيني وسلطته أو دولته من كل عناصر القوة العسكرية ـ سلطة أو دولة منزوعة السلاح ـ إلا في حدود ما يحقق الأغراض الأمنية وحفظ النظام داخل السلطة، وما يساعد على كبح كل تهديد لأمن إسرائيل.

خامساً : وهناك مفهومها الاقتصادي للأمن. فبعد تراجع منطق الحرب عالمياً، والكلفة الغالية التي كانت إسرائيل تدفعها في هذه الحروب، فضلاً عما كانت تشكله من استفزازات للعرب ودفعهم نحو التكتل في مواجهتها، تحول السعي الإسرائيلي نحو الهيمنة الاقتصادية على البلدان العربية، وبذلك يتحول مفهوم إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات، إلى الهيمنة الاقتصادية. وهي نفس السياسة التي اتبعها الغرب بعد انتهاء عصر الاستعمار التقليدي.

إسرائيل تريد السوق العربية ، واليد العاملة العربية، ورأس المال العربي، وتريد أن تكون أيضاً وسيطاً أو متعهداً لرأس المال والاستثمار الأجنبي القادم إلى المنطقة ، في ظل نظام العولمة، وفي ظل الشرق أوسطية التي طرحتها. وليس غريباً أن يكون صاحب فكرة الشرق أوسطية، هو نفسه مهندس أو مفكر عملية السلام بكاملها ـ شيمون بيريز.

سادسا : وهناك الأمن الثقافي، أو التطبيع الثقافي الذي قد يكون أخطرها. فهدفه هو الوصول إلى عقل المواطن العربي ووجدانه، وضرب المناعة النفسية لديه، ودفعه للقبول بالآخر ضمن شروطه، التي يفرضها في عصر قوته، والترويج لفكرة المشاركة مع الآخر. وسينعكس هذا التطبيع في المناهج المدرسية الرسمية، التي ستكون ملزمة بإجراء التحويرات فيها، بما لا يتناقض مع الاتفاقات المعقودة.

إن التطبيع الثقافي يستهدف المناهج المدرسية التي تخص الأجيال المعاصرة واللاحقة لتنسجم مع الاتفاقات السياسية التي كرّست الاعتراف بالآخر على حساب جزء من الذات العربية (فلسطين) وبذلك يضعف منهج التربية الرسمي مناعة الأجيال القادمة تجاه عدوها التاريخي، ويصادر إرادتها في إنجاز ما عجزت أجيالها السابقة عن إنجازه من أهداف التحرر.

والتطبيع الثقافي يستهدف مفردات قاموس خطابنا السياسي والثقافي. فنحن نتحدث الآن عن إعادة الانتشار بدلاً من الانسحاب أو جلاء الاحتلال، ووقف الاستيطان بدلا من إزالته، ولم نعد نستخدم كلمة العدو الصهيوني، وتردد ألسنتنا دون وعي ، المسميات الإسرائيلية لكثير من الأماكن العربية، ومن يدري أي صفات بدل "العدو" سنطلقها على إسرائيل في وقت لاحق.

يلاحظ على خطابنا أنه يتسم بنبرة استعطافية توحي وكأن الطرف الإسرائيلي هو الثابت وصاحب الحق. وأننا نحن الطارئون. كما يختصر خطابنا حقوقنا في حدود الضفة والقطاع كحد أقصى. متجاهلاً تماماً حقنا التاريخي في فلسطين كاملة.

والتطبيع الثقافي يستهدف إعادة صياغة مفاهيمنا ومناهج تفكيرنا، بما ينسجم مع المتغيرات الإقليمية والدولية، أي إعادة النظر في الكثير من قضايا تاريخنا العربي، وإعادة قراءة، ربما كتابة، تاريخنا الماضي والمعاصر، فنعيد النظر في موقفنا من الحركة الصهيونية، والطبيعة الاستعمارية العدوانية لإسرائيل، ودور الغرب الاستعماري فيما وصل إليه حال أمتنا من التخلف والتجزئة ونهب الثروات، ونعيد النظر أيضاً في موقفنا من الوحدة القومية للأمة، بل ربما في مفهوم الأمة ذاته، والترويج للشرق أوسطية بدل الوحدة العربية السياسية والاقتصادية، وإغفال موقف الإسلام ودوره في الحضارة والتراث العربي والإنساني. وهذا النمط من التفكير يحول المثقف إلى موظف، مهمته إنتاج خطاب الحاكم والترويج لسياساته.

والتطبيع الثقافي يهدف إلى مسح الذاكرة التاريخية للأمة، وقطع صلاتها بماضيها ، من خلال الدعوة للابتعاد عن كل ما يثير الأحقاد، ويسعِّر موجة العداء، أو يثير أسبابه بدعوتنا للتركيز على متغيرات الحاضر، والانطلاق منها إلى المستقبل في الوقت الذي يتمسك العدو فيه، بنبش الماضي علَّه يجد فيه بعض ما يؤكد حقه كاحتفالات إسرائيل بثلاثة آلاف عام على إنشاء القدس، وإحياء التراث اليهودي في القدس والخليل (الحرم الإبراهيمي ـ مقبرة الأنبياء)، وبيت لحم ـ (قبر راحيل)، ونابلس (قبر يوسف). (حفر الأنفاق في القدس حتى لو أدى الأمر إلى هدم الأماكن الإسلامية المقدسة).

والتطبيع الثقافي يستهدف الإبداع بكل أجناسه.

كان الصراع العربي ضد الصهيونية وأهدافها وأخطارها على الوطن العربي، وكذلك مقاومة الأطماع الغربية في وطننا وثرواته، عناوين رئيسية، في إبداعنا الأدبي والفني من شعر، ورواية، وموسيقى، وأغاني، ومسرح، وسينما، وفن تشكيلي. فأي اتجاه ستسلكه هذه الإبداعات في ظل التطبيع الثقافي، وفي ظل المتغيرات السياسية والاقتصادية، وتغير المفاهيم والأفكار؟.

لنلاحظ مثلاً ما جرى للإبداع الفلسطيني خلال السنوات الثلاث الأخيرة. فقد تراجعت عملية الإبداع الفلسطينية من حيث الإنتاج، في كل المجالات الأدبية، الشعر ، الرواية ، المسرح ….. الخ.

فلم نلاحظ صدور أية مجموعات شعرية لكبار الشعراء، ولم تصدر أية رواية باستثناء عمل واحد لأحد الكتاب، ولم ينتج فيلم سينمائي واحد في مناطق السلطة الوطنية خلال السنوات الثلاث . وتوقف إنتاج الأغاني الثورية التي تمجد الوطن والنضال، وتحفز روح المقاومة.

ويمكن فهم الأسباب التي قادت إلى هذا الحال:

-   نتيجة الإرباك ، أو الارتباك الذي وقع فيه المبدعون تجاه الحل السياسي الذي وقع، ومفاهيم التحرر والسلطة والسيادة .

-    طبيعة الاتفاقات التي تنص على عدم التحريض على الطرف الآخر ، أو التعريض به ، وإلا اعتبر ذلك خرقاً للاتفاقيات ، وقد بدأت الاستجابة لهذا الواقع ، والانسجام معه، تأخذ طريقها لكتب التربية المدرسية ، لكنها لم تغز إنتاج المبدعين بعد ، الذي ظل صامتاً.

-    اصطدم المبدع بالواقع المر ، وتناقض صورة الوطن في الواقع مع صورة الوطن في الحلم. كان الوطن في الحلم فسيحاً بغير حدود، جميلا بغير تشوهات، آمنا بغير خوف. فإذا الوطن في الواقع محصور، أو محاصر في مدينة أو قرية أو حارة أحيانا، وإذا العسكر في كل منعطف، يجثمون على صدر الأرض والإنسان، ويترصدون الخطى والأحلام، ويحرّمون على أبناء الوطن الواحد حق اللقاء.

-   العلاقة التشابكية بين السلطة الوطنية وسلطة الاحتلال ـ وما هو موقف المثقف والمبدع منها ؟ ، وكيف يتصرف حيالها ؟، وكيف سيكون رد الفعل من تصرفه؟.

-   انخراط عدد كبير من المثقفين والمبدعين في مراكز مسؤولة في السلطة الوطنية ، وعدم الاهتداء حتى الآن إلى الصيغة التي تحرر إبداعهم من قيود مسؤولياتهم .

-    وحتى إبداع المثقفين الفلسطينيين داخل الخط الأخضر  (أراضي 48) داخَلَه الارتباك نتيجة الحل السياسي وتعقيداته .

والتطبيع الثقافي يهدف بالمحصلة إلى غزو وتدمير قلعة الدفاع عن روح الأمة وحراس أحلامها ، وحملة رسالتها، وهم المثقفون، والمبدعون، والمفكرون، وكسبهم إن أمكن من خلال الحوار معهم، وإقناعهم بصورة الإسرائيلي الطيب، الذي يؤمن بالتعايش مع العرب، ودعوة المثقفين للإطلاع على التجربة الإسرائيلية، للإبتهار بالمجتمع المتطور (دعوات للاستراحة في منتجعات سياحية، ومنح للتفرغ الإبداعي) وتبادل الزيارات في مرحلة لاحقة بين المثقفين من الجانبين، والنتيجة، تسويق إسرائيل ثقافياً للعالم العربي.

من قراءاتنا هذه لمفهوم السلام الإسرائيلي، نلاحظ أنه أبعد بكثير من إنهاء حالة الحرب، وإقامة علاقات تحددها رغبات الطرفين المتعاديين، وتستجيب لمصالحهما معاً. إنه بسط النفوذ الإسرائيلي على المنطقة بكاملها، والتحكم في طبيعة تطورها، والتدخل في سياساتها الداخلية والثقافية والإعلامية والتربوية، وأنماط العيش والسلوك وطرق التفكير، وعلاقاتها الدولية السياسية والاقتصادية والعسكرية.

إن طبيعة السلام الذي تفرضه إسرائيل على العرب يتجاوز إقامة علاقات بين إسرائيل والدول العربية، أو حتى إقامة نوع من التعاون بين دول المنطقة. إنه إلغاء جذري وشامل ومنهجي ومخطط للأمة العربية وتاريخها وثقافتها وقيمها الأخلاقية والدينية، وشخصيتها القومية، وتحويلها إلى كم من الأفراد في آلية اقتصادية اجتماعية ثقافية جديدة، إلى كمٍّ من البشر، لا أُمة تمتلك موروثها الثقافي، وتطمح لتنمية مجتمعاتها، والمساهمة في بناء الحضارة الإنسانية.

التطبيع الثقافي هو تكريس الحاضر والانطلاق منه وتجاهل الماضي والتاريخ والتراث والحضارة.

في ضوء ما تقدم ، كيف نرى دور المثقفين والمفكرين والمبدعين العرب؟، وأين موقفهم وموقعهم من كل ذلك؟.

كان القائد الفرنسي " كليمنصو" يقول: إن الحرب أكثر جدية من أن نتركها للعسكريين وحدهم. وباعتقادي أن عملية السلام أخطر من أن تترك للسياسيين وحدهم. ذلك أن صناعة السلام هي بالأساس صناعة فكرية. فهي تعيد صياغة حاضر الأمة ومستقبلها، وترسم آفاق تطورها، وتضع قوانين وأنظمة هذا التطور في مجالات الحياة كافة. وهي بهذا البعد تدخل في صميم عمل المثقفين والمفكرين، وإذا تخلوا عن التدخل فيها، وتحديد موقف من كل ما يجري في ساحتها يكون مثلهم في ذلك مثل الجندي الذي يتردد في إطلاق النار دفاعاً عن نفسه وعن هدفه وقت تعرضه للخطر.

والدعوة للتدخل في السياسة هنا، لا تعني دخول ميدان التفاوض وتكتيكاته، فهذه مهمة السياسيين المحترفين. أما المثقفون والمبدعون فمهمتهم الدفاع عن القيم والمبادئ والأفكار الصريحة والواضحة، وليس المساومة عليها ، ولا الدخول في صياغات قانونية وتوفيقية، أو القبول بالحلول الوسطية أو الناقصة. فالمثقفون ليسوا مفاوضين سياسيين يخضعون لشروط التفاوض، ومتطلباتها، وألاعيب السياسة، ومناوراتها.

إن دخول المثقفين هذا الميدان يحولهم إلى سياسيين محترفين دون أن يتقنوا دور السياسي، وفي الوقت نفسه يُبعدهم عن منطلقات المثقف وقيمه.

"إن وظيفة المثقف هي إعمال الفكر، وعليه بالتالي أن يختبر المقولات السياسية اختباراً نقدياً، بمقتضى فكره المستند إلى المبادئ.

وسلاح المثقف هو فكره، وبقدر اتسام فكره بالاتساق والصرامة المنطقية يكون فعالاً، وإذا ما انطوى على تضارب وتخبط، فإن المثقف يقضي على مصداقيته بنفسه.

وإذا ألحق المثقف موقفه بالسياسي، وخضع لشروطه وإرادته، وابتعد عن المواقف التي تستند إلى مبادئ في التعامل مع الواقع، فإنه يقضي على فعاليته، ويفقد دوره ومهمته.

والمثقف ليس خبيراً فنياً، مهمته تقديم الاستشارة الفنية الخالصة في مجال تخصصه، دون أي شبهة هوى فكري أو سياسي. فهذه هي سمات المدرسة الأمريكية في التفكير التي انتشرت مؤخراً في حياتنا الثقافية العربية عبر ندوات وورشات عمل وطاولات مستديرة، وهي نشاطات يجري الإنفاق عليها بغير حساب من منظمات دولية تسمي نفسها منظمات غير حكومية. في الوقت الذي تقف وراءها حكومات غربية وأجهزتها الاستخبارية.

والخطر في هذا النوع من المدارس ليس في الأفكار التي يطرحها فقط، وإنما فيما يفرضه علينا من أنماط التفكير وأساليبه ، لننتج ما يريده من أفكار.

هذه المدارس الفكرية هي التي تحول المثقف إلى موظف، مهمته إنتاج خطاب الحاكم، والترويج لسياساته وتسويقها.

وليس على السياسي الوطني أن يضيق ذرعاً بمعارضة المثقف أو تناقضه معه، وعدم تسليمه بشروط السياسي ومقولاته حول اختلال الموازين، وصعوبة الظروف، وغيرها من مفردات العمل السياسي.

فدور المثقف والمبدع مطلوب أكثر في زمن الانكسارات منه في زمن الانتصارات بسبب رؤياه وشفافيته التي تسبق الآخرين، وقدرته على إنارة الظلام. فهو لم يصبح مبدعاً  إلا لتميزه في الرؤيا واستشراف المستقبل.

إنه يحمي السياسي من الانزلاق، ويضع الخطوط الحمراء عند حدود الخطر. بل هو يستبق حدوث الخطر ويدق نواقيسه، وبذلك يبصر السياسي ويوعيه، ويُصَلِّب مواقفه، ويشكل برفضه عوامل قوة للسياسي يستند إليها في معاركه السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

إن استيعاب السياسي لدور المثقف وفهمه على هذا النحو، يخلق علاقة تكاملية بينهما. ولنا أن ندلل على ذلك بما نلحظه من انسجام في مناخ العلاقة بين السياسي والثقافي على الصعيد العربي، كلما أظهر الأول علائم الصلابة التفاوضية، وابتعد بمسافة كافية عما يعتبره الثاني تفريطاً غير مبرر في الحقوق. بل أن الدليل يبدو أكثر وضوحاً في حالة التأييد الجماهيري للحاكم أو المسؤول السياسي كلما اقترب باطروحاته وأفعاله من الأهداف الوطنية والقومية للأمة وتمسك بها. وهي بالطبع الأهداف التي صاغتها ونظرت لها عقول المفكرين والمثقفين العرب.

أما مطالبة المثقف العربي أن يدعم عملية سلام تحت شروط الاحتلال، وسياسةٍ إسرائيلية مسلحة بقواعد الردع النووية، وتقف بالمرصاد للمشروع النهضوي الوحدوي العربي، فمعناه الإجهازُ على كل حوائط الصد العربي السياسية والثقافية.

فالمثقف العربي هو جزء من الاحتياط الاستراتيجي للأمة ، تماماً كما القوة العسكرية الاحتياطية الضاربة، أو كاحتياطِ الذهب الذي يشكل غطاءً لعملة أيِّ بلد، أو كرصيدِ الدولة الاحتياطي من العملات الصعبة الذي لا تمسه، وكلما نقص هذا الاحتياط كلما اهتزت المكانة الاقتصادية للدولة. وعلى هذا الأساس لا يجوز الزجُ بالمثقف العربي أو استنزافه في المواقف أو المناورات التكتيكية، فهو خط الدفاع الأخير.

والمثقفون عموماً، والمبدعون خصوصاً، هم رسل العصر في زمن توقف فيه نزول الرسالات السماوية. ودعوتهم للانخراط في العملية السياسية الجارية، والانصياع لشروطها المجحفة، والانضواء تحت لوائها المهلهل ، هي دعوة لهم للتخلي عن رسالتهم. ورسالتهم التي يحملونها هي تجديد حضارة الأمة، وصيانة تاريخها وتراثها، ونقلها للأجيال القادمة. وليس في وسع الرسل أن يتخلوا عن رسالاتهم.

وفي سياق الدعوات لالتحاق الثقافي بالسياسي أو إلحاقه به، تأتي مبادرة أصحاب مؤتمر وإعلان كوبنهاغن. ولا أظن أننا بحاجة إلى كبير جهد لنكشف ثغرات هذا الإعلان، ومدى انحيازه لوجهة النظر الإسرائيلية، فهو:

·   لم يتطرق لجذور الصراع العربي الصهيوني وأسبابه، ولماذا كان هذا الصراع. الحجة في ذلك عدم إثارة الأحقاد، أو الدخول في الادعاءات التاريخية المتبادلة حول الحقوق. وهنا كانت نقطة التنازل الأولى. حيث تم الاعتداء على ذاكرة الأمة، وعلى حقوقها التاريخية في هذه الأرض، وما عانته على يد الكيان الصهيوني منذ نشأته.

·   ولم يصف الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية والعربية بأنه احتلال، ولو مرّة واحدة. وبهذا تبنى الإعلان ـ ضمنياً ـ، مقولة الحكومة الإسرائيلية التي تصف هذه الأراضي بأنها أراض متنازع عليها.

·   وحين أشار الإعلان إلى الدولة الفلسطينية، لم يحدد مكان إقامة هذه الدولة، وعلى أي جزء من الأرض الفلسطينية، ولم يُشر إلى الضفة والقطاع، ويخل بإطلاق صفة مستقلة على هذه الدولة.

·   ولم يحدد موقفاً من طبيعة الاستيطان، ولم يُشر إلى عدم شرعيته، ولم يطالب بإزالته، وأقصى ما طالب به هو عدم بناء مستوطنات جديدة، وذلك فقط لإزالة مخاوف الفلسطينيين، ومن أجل توفير مناخ مناسب للمفاوضات.

·   ولم تحظ قضية القدس أو قضية اللاجئين بأكثر مما حظيت به قضية الاستيطان. إذ لم يرق الإعلان إلى مستوى الموقف الدولي، فلم يُشر حتى إلى قرارات الشرعية الدولية الخاصة بالقدس والاستيطان واللاجئين.

من حق أصحاب الإعلان أن يتبنوا هذه الآراء بوصفها وجهة نظر رسمية مطروحة، وتجري المفاوضات في محيطها. وبوصفهم يمثلون هذه القوى الرسمية المتفاوضة، أو على الأقل يمثلون وجهة نظرها. ولكن ما ليس من حقهم هو أن ينسبوا هذه الآراء لمواقف القوى الشعبية العربية، ولا نريد أن ندخل في الصفة التمثيلية للوفود العربية في كوبنهاغن، لكننا نشير فقط إلى راعي المؤتمر السيد هربرت بونديك الدينماركي. فهو يحمل الجنسية الإسرائيلية، وقام ولداه بالخدمة في الجيش الإسرائيلي، حيث قتل أحدهما. ومن الجانب الإسرائيلي نشير فقط إلى ديفيد كمحي نائب رئيس الموساد الإسرائيلي سابقاً، ونائب وزير الخارجية الإسرائيلي سابقاً أيضاً.

إن خطورة مثل هذه التحركات أنها تفتح ثغرة في الجبهة الثقافية العربية، التي بدت موحدة متماسكة إلى حد كبير حتى الآن، في وجه كل محاولات الاختراق والتطبيع، ثغرةً تتسرب منها وجهة النظر الإسرائيلية عبر مسميات مختلفة تحمل تارة واجهة يسارية، وأخرى تدعو إلى السلام، وكلاهما تُعبر، ولكن بطرق مختلفة، عن المصالح والمفاهيم الإسرائيلية.

وخطورتها أيضاً تأتي من دعوتها إلى ما هو أكثر من التطبيع، وما هو أكثر من التعارف، أنها تدعو إلى التحالف. أي تحالف أطراف عربية مع أطراف إسرائيلية، والتحالف لا يكون إلا بين أصدقاء، أو على الأقل بين أصحاب مصالح وأهداف مشتركة. فما هي الأهداف المشتركة التي تجمع بين المثقفين العرب وأطراف إسرائيلية ؟، أي بين المعتدي عليه والمعتدي. والتحالف يكون عادة موجهاً ضد طرف معين، فمن هو الطرف العربي الذي يستهدفه هذا التحالف؟.

إن تحالفاً من هذا النوع يدخل في إطار خداع الجماهير العربية، حين يتم إيهامُها بوجود قوى إسرائيلية مؤثرة تتنكر للفكر الصهيوني، وتتنصل منه، وتستجيبُ للحقوق العربية في فلسطين. وهو أيضاً تزوير للإرادة الفكرية، لا يقل عن تزوير إرادتها السياسية، لأنه يقبل ـ وباسم قطاع المثقفين ـ بتعويم الحقوق العربية في فلسطين، أو إبهامِها، كما حدث في إعلان كوبنهاغن. في الوقت الذي يشكل فيه الوضوح والتحديد أبرز صفات المثقفين.

كان مفهوم شيمون بيريز للسلام المرتبط بمشروعه حول الشرق ـ أوسطية، نوعاً من التجديد في الحركة الصهيونية، وتطويراً لمفاهيم التوسع والهيمنة الإسرائيلية في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية. وقد نجحت هذه السياسة في الاقتراب من أهدافها عبر مظاهر التطبيع السياسي والاقتصادي التي أخذت تشق طريقها إلى بعض البلدان العربية. وعندما تعثرت الحركة السياسية بسقوط بيريز ومجيء نتنياهو الأكثر فجاجة في التعبير عن حقيقة المجتمع الإسرائيلي، وارتباطه بالأهداف الصهيونية، تحركت الجبهة الثقافية، وأعلنت ما سمته التحالف من أجل السلام، لتغطية ما فضحته سياسات نتنياهو المكشوفة.

إن الحركة الصهيونية تجدد نفسها، تارة تحت مسمى الشرق ـ أوسطية، وأخرى تحت مسمى التحالف من أجل السلام، ولكن دون أن تقدم دليلا واحداً على التخلي عن جوهرها. فهي تقدم لنا يومياً كل ما يؤكد طبيعتها العدوانية التوسعية الاستيطانية، وتصادمها مع الطموح العربي نحو مشروع نهضوي يمكنهم من لعب دور في الحضارة الإنسانية.

فنحن نلاحظ مدى الاقتراب ـ إلى حد التوحد أحيانا ـ بين الأطراف الإسرائيلية المتعددة حول الموقف من القدس والاستيطان واللاجئين والأمن، والتمسك بعوامل الردع النووي، بحيث يشكل التطرف قاسماً مشتركاً لوحدة المجتمع الإسرائيلي.

وأمام بقاء المشروع الصهيوني على حاله، بما يمثله من اعتداء على الوجود العربي، وتهديد له، حاضراً ومستقبلاً، لا يبقى أمام المثقفين والمفكرين والمبدعين العرب غير التمسك بأهدافهم القومية، وخطابهم القومي، وإعادة إنتاجه بلغة تأخذ في الاعتبار، تطورات العصر، وتقدمه العلمي والتكنولوجي. فأهدافنا في التحرر السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وفي الوحدة العربية، وفي وضع الثروة العربية في خدمة أهداف التنمية العربية ، كلها كانت، ولازالت، أهدافاً عادلة وصحيحة. وإذا كانت هذه الأهداف لم تتحقق ، فليس ذلك لقصور فيها، وإنما لقصور فينا، نحن أصحابها من سياسيين ومفكرين ومثقفين. أهدافنا لم تُهزم ، نحن الذين هُزمنا، لقصور في برامجنا وخططنا في أدائنا وأدواتنا، في عدم قدرتنا على توفير الصمود في وجه مخططات الغزو الاستعماري لبلادنا بأشكاله المختلفة العسكرية والسياسية والاقتصادية.

إن الهجمة الصهيونية، والاستعمارية عموماً، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، تنجز اليوم مشروعها في الاستيلاء على فلسطين شرعياً بمحاولة انتزاع الموافقة الفلسطينية والعربية عليه، وتنتقل لتوسيع مشروعها باحتواء المستقبل العربي، في إطار الشرق أوسطية، والنظام الدولي الجديد.

ولمواجهة ذلك، يبرز دور المثقفين، بوصفهم عقل الأمة ووجدانها وضميرها وحرس أحلامها في:

·    رفض التسليم بالأمر الواقع، ورفض الخضوع لأية اتفاقيات تنتقص من حقوق الأمة، أو تصادر مستقبل أجيالها.

·    إدامة الصراع بيننا وبين العدو. فالصراع بيننا وبينه صراع مطلق، وليس صراعاً أحادي الجانب. وحتى الصراع السياسي والتفاوضي يحتاج إلى كل مقومات الصراع الأخرى، الثقافية والاقتصادية والعسكرية. فالعدو يوظف كل طاقاته وأدواته وعلاقاته لفرض إرادته.

·    حماية إرادة الأمة من الهزيمة، أو الانكسار، فالصراع القائم هو بين إرادتنا وإرادة العدو، قبل أن يكون صراعاً بين قدرات الطرفين. وتعزيز الإرادة الشعبية هي مهمة المثقفين والمبدعين وصناعتهم، قبل أن تكون مهمة السياسيين. وإذا نجونا بإرادتنا من الهزيمة، فسنكون قادرين مستقبلاً على صناعة القدرة التي تضعها موضع التنفيذ. التعامل مع الصراع الصهيوني، والاستعماري عموماً، بمنظور قومي، وليس بمنظور قطري أو مجزأ. وسبيل المثقفين إلى ذلك، هو إحياء مشروع العروبة في مواجهة القطرية البغيضة. فمن القطرية تتسرب كل المخاطر، تبدأ بتعزيز الذات، وتعزيز الذات يقودها للبحث عن خصوصيات تميزها عن المحيط القومي، وعن تراث يخصها بمعزل عن التراث القومي، والانغلاق القطري لا يجد أمنه للدفاع عن نفسه، وحماية ذاته، إلا في تحالفات أجنبية على حساب الأشقاء. والنزعة القطرية تقود إلى النعرة الإقليمية.

·    وإذا كانت شروط الوحدة القومية السياسية غير قائمة، أو غير قابلة للتحقق الآن، فكل شروط الوحدة الثقافية قائمة، وقابلة للتحقق.

·    لمواجهة الشرق أوسطية في جانبها الاقتصادي يمكن للمثقفين أن يلعبوا دوراً هاماً، في التأكيد على الوحدة الاقتصادية العربية، أو وضع اتفاقية السوق العربية المشتركة موضع التنفيذ.

·    تكثيف اللقاءات بين المفكرين والمثقفين العرب، لمناقشة هموم ومشاكل الواقع العربي، وسبل تجاوزها، بعيداً عن الانتماءات القطرية لهؤلاء المثقفين، ووضع تصوراتهم للخروج بالواقع العربي من أزمته، ورسم ملامح المستقبل.

·      تشكيل مؤسسات ثقافية قومية لمقاومة التطبيع بكل أبعاده السياسية والاقتصادية والثقافية.

·    وإذا كنا نؤكد على مقاومة التطبيع الثقافي، فلأنه يستهدف السيطرة على الثروة الفكرية للأمة، وتطويعها، واستدراج المثقفين العرب للقبول بالواقع، وبالحلول المفروضة في ظل اختلال الموازين القائم، والانطلاق مع نظرائهم الإسرائيليين من قاعدة الحاضر، الذي أملته إسرائيل، للتنظير للمستقبل المشترك .

ويمكن لهذه المؤسسات القومية أن تلعب دوراً في:

-     التصدي لأنماط الثقافة المسطحة، التي لا تمتلك أي عمق إنساني، والحيلولة دون تغلغلها في مجتمعاتنا ـ تسرباً من إسرائيل وغيرها من دول الغرب ـ بما تحمله من آفات الانحلال الاجتماعي.

-     القيام بدور التثقيف الشعبي، والحفاظ على الذاكرة، وحماية مقومات الهوية القومية، أمام إمكانية اضطرار المؤسسات الثقافية الرسمية الالتزام بمواقف تفرضها الاتفاقات مع العدو.

-              تشجيع الإبداع والإنتاج الفني والفكري الذي يخدم إحياء التراث الحضاري والإنساني للأمة.

-     وعموماً، فإن المثقفين والمفكرين والمبدعين العرب أمام امتحان لمصداقيتهم، ومدى أهليتهم لأداء الأمانة التي يحملونها، ولا خيار لهم غير النجاح في هذا الامتحان عبر استخدام كل وسائلهم وأدواتهم الإبداعية.

-     وبعد ذلك كله، وقبل ذلك كله أيضاً يبقى النضال من أجل قضية الديموقراطية وحرية الرأي، ومأسسة المجتمع الفلسطيني والعربي من أهم الواجبات الملقاة على عاتق المثقفين والمفكرين. ونجاحهم في ذلك هو الذي يحمي أية مكتسبات يمكن تحقيقها.

 

وكما بدأنا بالإمام الشافعي نختم بالإمام أبي حنيفة النعمان حيث يقول:

"هذا رأينا وهو أحسن ما قدرنا عليه . ومن جاء بأفضل منه فهو أولى منا بالصواب" .

وكان إذا سئل :

"هل هذا الذي تفتي به هو الحق الذي لا شك فيه؟".

يجيب :

"والله لا أدري ، لعله الباطل الذي لا شك فيه" .


* محاضرة ألقاها الأستاذ/ عبد الله الحوراني في :

- المجمع الثقافي              -    أبو ظبي       نيسان 1997م.
- نادي الجسرة الثقافي        -    الدوحة        أيار 1997م.
- جمعية الشبان المسيحية     -   غزة            سبتمبر 1997م.
- بيت الحكمة                
 -   بغداد          أكتوبر 1997م.

 ***


موقع عبد الله الحوراني
حقوق الطبع محفوظة