Abdullah  Al-Hourani

 

 

التحالف الغربي الصهيوني والأمة العربية
الأسس ـ المسارات ـ المقاومة

 

 

بقلم : عبد الله الحوراني

 

 

مقدمــة :

      يهدف هذا البحث إلى إلقاء أضواء قوية على واحدة من أهم ظواهر العلاقات الدولية، على الصعيدين الفردي والحركي (السياسي)، التي كانت لها تأثيرات عميقة على مسار الحياة العربية، بكافة أبعادها، تقريبا على امتداد قرن ونيف من السنين، إنها ظاهرة التحالف الوثيق، متعدد الأبعاد والمصادر والأهداف والمداخل بين القوى الغربية والحركة الصهيونية الاستعمارية.

يشير مفهوم القوى الغربية في هذا السياق إلى الدائرتين، الأوروبية والأمريكية، بخاصة على جانبي الأطلسي، اللتين تجمعهما معا وما يعرف بمنظومة "الحضارة الغربية المسيحية"، وما يقصد بالشق الصهيوني من هذا التحالف، "بحركة الصهيونية" فكرا، وتعبيراتها الحركية، بما فيها من تنظيمات متعددة الأغراض. و"إسرائيل" ككيان جسد قيامه في قلب المنطقة العربية، هدفا أسمى لهذه الحركة منذ باكورة تبلورها .

لقد كان هذا التحالف، منذ بدايته، مصدر إقلاق وتحديات كبرى للأمة العربية، وفرض عليها انعطافات حادة على الصعد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية الفكرية، فقد انشغلت الأمة، قواها الحية الفاعلة على مستوى الفكر والحركة، بأسبابه ومساره ومحدداته وأيضاً بمصيره.

ولذلك فإن جهدنا هذا ينضوي تحت تراث من الاهتمامات المشابهة يستلهمه ويستهدي به، محاولا الإضافة إليه، وفق المستجدات التي تقتضيها المرحلة المقبلة من مسار هذا التحالف المشؤوم من جهة، ومسيرة الأمة العربية من جهة أخرى، على طريق مقاومته والاستجابة لتحدياته .

وهكذا، نتصور أن هذه التعميمات تفرض التطرق إلى أسس التحالف الغربي الصهيوني ومحدداته، وأبعاده (ملامحه الأساسية) ومراحله، وأضراره على الأمة، واتجاهاته المستقبلية، وكيفية مقاومته.

 

أولا:     محددات التحالف الغربي الصهيوني

الفكرة الأساسية في هذا الجزء، أن علاقة التحالف بين الطرفين لها أصول وقواعد تستند إليها، فكأي علاقة تنشأ بين أطراف العلاقات الدولية، لم تنشأ الخصوصية الممتدة بين القوى الغربية والتنظيمات الصهيونية من فراغ .

1   .   لقد تواضع محللو هذه العلاقة على أنها تقوم على توافق بين الطرفين نشأ في "لحظة تاريخية" بعينها، هي مرحلة المد الاستعماري الغربي عموما، وعادة ما يشار إلى هذا التوافق بالمحددات الاستراتيجية (التعاقدية أو المادية المنظورة) للتحالف.

تعود هذه اللحظة في بعض الآراء إلى نهاية العهد العثماني بعد الحرب العالمية الأولى، ويبلغ الأمر بالبعض الارتداد بهذه اللحظة إلى زمن الحملة الفرنسية (حين نادى نابليون بونابرت .. بعودة أبناء يعقوب إلى فلسطين)، وأيا ما كانت البداية الحقيقية لهذا التحالف، فإن دوافعه ومصادره تقع في استشعار القوى الغربية، بأن احتضان الصهيونية يحقق لها مصلحة ذات أبعاد استراتيجية في المنطقة العربية، واستشعار الصهيونية من جانبها، إلا أن هذه القوى يمكنها أن تشكل الظهير الأضمن للوفاء، بمساندة أهدافها في إقامة كيانها الاستيطاني في فلسطين .

في إطار هذا الفهم (التحليل)، فإن للتحالف الغربي الصهيوني خلفية عريضة من لقاء المصالح المادية. ويركز أصحاب هذا التحليل على تطور هذه المصالح في المراحل التاريخية المختلفة، تبعا لتباين طبيعة ما تراه القوى الغربية من مصالح في المنطقة العربية (وهي عندهم الشرق الأدنى أو الأوسط)، وكذا تبعا لاختلاف أدوار القوى المختلف ومكانتها في إطار النظام والعلاقات الدولية.

v    وأهم المصالح الاستراتيجية التي عنى التحالف بمتابعتها:

·            حتى الحرب العالمية الثانية: 

-                منع قيام الوحدة العربية.

-                تفكيك الجغرافية السياسية للوطن العربي، الدول القطرية القائمة.

-                الحفاظ على سهولة الاتصال بين أجزاء المستعمرات الغربية .

-                التواصل مع الآليات الدينية والطائفية، وتشجيع الميول الانفصالية لديها.

-                الحيلولة دون تطور العالم العربي تقنيا وعمليا .

·              منذ الحرب العالمية الثانية إلى تفكك الاتحاد السوفيتي:

في هذه المرحلة ظلت معظم المصالح السابقة قائمة على حالها، وان حذفت منها بعض التطورات قضية التواصل بين أجزاء المستعمرات، وأضيف إليها: منع وقوع المنطقة في فك النفوذ السوفيتي، ومحاربة التيارات الشيوعية في إطار الصراع الاستراتيجي بين المعسكرين الغربي والاشتراكي. وتشجيع النظم الرأسمالية، وقد تصاعد في هذه المرحلة كهدف استراتيجي للتحالف، الحفاظ على وجود الدولة الصهيونية، بصفتها أحد التعبيرات الاستراتيجية وقاعدة متقدمة للتحالف في وجه كل من النفوذ السوفيتي من جهة، وكافة الطموحات العربية المناهضة للهيمنة الغربية، وذراعا لمحاربة تطور النظام العربي القومي، وحركة التحرر القومي العربي، التي شهدت نهوضا أقلق الوجود الاستعماري الغربي والكيان الصهيوني ومصالحها في المنطقة خلال عقدي الخمسينات والستينات.

·            بعد تفكك الاتحاد السوفيتي وحرب الخليج :

تراجع، مؤقتا، حجم الدور الاستراتيجي لإسرائيل في سياق التنافس مع المعسكر الاشتراكي، وان كان هذا الأمر بصورة مؤقتة قد تطول أو تقصر، لأنها ترتبط بالمدى الزمني الذي تستغرقه حالة النهوض الروسي من جديد، والتحالفات التي قد تلوح في الأفق، روسيا ـ صينيا، لمواجهة النظام الأحادي القطب الذي تمثله الولايات المتحدة .

كما ترتبط بالتحولات والتطورات التي قد تحدث في الجمهوريات الآسيوية، التي انفصلت عن الاتحاد السوفيتي. وهي في أغلبها جمهوريات إسلامية ترتبط روحيا وثقافيا بالجوار العربي الإسلامي، ومدى نجاح هذا الجوار في استقطابها وإبعاد النفوذ الإسرائيلي عنها .

وإذا كان الجانب المتعلق بانهيار المعسكر الاشتراكي قد قلل مؤقتا من حجم الدور الاستراتيجي لإسرائيل، فقد برز بالمقابل عاملان أكدا أهمية هذا الدور.

أولهما: العدو الذي اتفق طرفا التحالف على ضرورة وجوده كهدف بديل، تمثل مواجهته مصلحة استراتيجية لتحالفهما، وهو التصدي للتيارات الإسلامية السياسية المتصاعدة، وهو ما يتعاملون معه تحت عنوان مقاومة الإرهاب.

بل أحيانا يذهبون إلى أبعد من ذلك، حين يصورون الإسلام ككل، كتاريخ وحضارة، على أنه حركة مضادة للحضارة الغربية هدفها ضرب هذه الحضارة والقضاء عليها، ويتجاهلون تماما دور الحضارة العربية الإسلامية في التراث الحضاري للإنسانية، وتفاعل هذه الحضارة مع الحضارات السابقة واللاحقة لها، كما يخلطون عمدا بين الطموحات التحررية النهضوية والوحدوية للأمة العربية بكل تياراتها العلمانية والعقلانية والقومية والإسلامية، وبين التطرف الأعمى والظلامي الذي يعزونه للإسلام ليبرروا تحالفهم ومواقفهم العدوانية .

وثانيهما: حالة التمرد التي مثلها العراق سواء ببنائه قدرات عسكرية وعلمية وتقنية، أو بأطروحاته حول تسخير الثروة العربية لتحقيق التنمية والتطور في الوطن العربي، وعدم احتكارها من قبل الدول المنتجة لهذه الثروة. مما ذكر من جهة بالمشروع الذي طرحه عبد الناصر في الستينات، ومات دونه، ومن جهة أخرى بالأحلام العربية في خلق القوة العربية القادرة التي يمكنها أن تحمي المصالح والحقوق العربية، كما يمكنها أن تفوض، على الأقل، حلا متوازنا للصراع العربي الصهيوني، وكلا الأمرين يرى فيه طرفا التحالف الغربي ـ الصهيوني تهديدا لوجودهما ومخططاتهما في المنطقة، بل ان هذا التحالف رأى في آفاق هذا التمرد، حتى لو تم قمعه كما حدث، تحذيرا من تمردات مستقبلية تحتم عليهما بقاء تحالفهما الاستراتيجي قائما .

وخلاصة يمكن القول، أن نهاية الحرب الباردة رسميا مع انتهاء الاتحاد السوفيتي لم تلغ مكانة إسرائيل في الاستراتيجية الغربية، ولم تقلل من مكانتها الإقليمية، ولعل العكس هو الصحيح. لذلك إن مساعي الغرب لإنشاء إسرائيل وتكريس مكانتها، أسبق زمنيا من نشوب الحرب الباردة، وأسبق أيضا من قيام المنظومة الاشتراكية والاتحاد السوفيتي نفسه. ومن الإسرائيليين من رأى أن نهاية الحرب الباردة أخذت بمكانة العرب لا بمكانة إسرائيل، برغم أن العرب هم الذين فقدوا قدرتهم على استغلال العداء بين الشرق والغرب، فالتصدي للخطر الشيوعي لم يكن وحده عامل الربط الاستراتيجي بين الغرب وإسرائيل، كون الحفاظ على أمن إسرائيل وعلى هيمنتها في الشرق الأوسط، مثل دوما هدفا استراتيجيا في حد ذاته بالنسبة للغرب. بدليل أن الدعم الغربي لإسرائيل لم يتوقف مع توقف الحرب الباردة وزوال الخطر السوفيتي. وهناك من الأدلة ما يؤكد أن الهم الأكبر للولايات المتحدة من وراء حملتها العدوانية على العراق في حرب الخليج، كان تثبيت أمن إسرائيل، وحمايتها من تطور القدرات العسكرية والتقنية والتنموية لأحد الأطراف الإقليمية (العراق) والإصرار على استمرار الحظر عليه بما يوقف إمكانية تطوره علميا وعسكريا، وفي الوقت نفسه السكوت، بل الدفاع عن بقاء الترسانة النووية الإسرائيلية.

ويبقى أوضح دليل على هذا الاعتقاد، هو ما قاله صراحة الجنرال شوارزكوف، قائد قوات التحالف العدواني على العراق، في مقابلة معه أجرتها إذاعة الجيش الإسرائيلي في أعقاب الحرب: "أن الهدف من هذه الحرب هو تدمير العدو الرئيسي لإسرائيل من أجل حمايتها وتأمينها مستقبلا".

وعموما إذا كانت نهاية الحرب الباردة، ومنع إسرائيل من القيام بدور مباشر في حرب الخليج قد أنهى دور إسرائيل في الحروب بالوكالة، فإن إسرائيل تظل وكيلا احتياطيا للاستراتيجية الغربية في المجالات الاستخبارية والتموينية العسكرية، وأداة تدمير لأية بوادر صحية في تطور الوطن العربي، هذا إذا لم تؤد اتفاقيات التعاون الأمني التي تتضمنها معاهدات السلام العربية ـ الإسرائيلية إلى إدخالها طرفا مباشرا في الصراعات العربية ـ العربية، أو داخل القطر العربي الواحد.

2.      للتحالف الغربي الصهيوني مرتكزات غير منظورة يمكن أن يطلق عليها الأبعاد الروحية الدينية. فإذا صنفت الأسس الاستراتيجية ذات الطبيعة المصلحية المادية بأنها أبعاد تعاقدية للتحالف، فإن الأبعاد الدينية الروحية تمثل الجانب غير المنظور وغير التعاقدي لهذا التحالف .

والواقع أن هذه الأبعاد لم يلتفت إليها كثيرا من جانب مدرسة التحليل المادي للتاريخ (ومنه الصراع الغربي ـ الصهيوني / العربي في فلسطين ومن حولها)، ومع أنها تمثل الجانب الأرسخ الذي يمكنه أن يعيش بلا سقف تاريخي محدد، لأنه يصل التحالف بجذور دينية يصعب تغيرها وفق تطورات المصالح المادية الاستراتيجية.

وأساس هذه الأبعاد الثقافية الدينية للتحالف، إيمان جماعات دينية قوية في المنظومة الأوروبية ـ الأمريكية بثلاث أفكار تدفع لمساندة الغرب لإسرائيل والحركة الصهيونية .

·                 الفكرة الأولى:

أن الصهيونية نتاج الفكر الحضاري الغربي، وان الحضارة الغربية لها شقان: مسيحي ويهودي. فبعض الكنائس المسيحية البروتستانتية ذات الصلة بالعقيدة الألفية والفكر الاسترجاعي تتخذ موقف التأييد من قيام دولة يهودية في فلسطين بوصفها حقا تاريخيا ودينيا لليهود، باعتبار أن عودة اليهود إلى الأرض الموعودة (فلسطين تحديدا) هي برهان على صدق التوراة وعلى اكتمال الزمان والعودة الثانية للسيد المسيح.

ويرتبط أصحاب العقيدة الألفية بدعوة "الاسترجاع" أي إرجاع اليهود إلى فلسطين، ويركز الألفيون والاسترجاعيون على أن إسرائيل وشعبها "المختار" هم طبقا للعهد القديم، عنصر مقدس يجب الدفاع عنه، ويعتبرون أن إسرائيل الواردة في التوراة هي إسرائيل المعاصرة في فلسطين، وغالبا ما يطلق على هذه الاتجاهات الدينية مصطلح "الصهيونية المسيحية" وعلى معتنقيها "الصهيونيون غير اليهود".

ويعتبر "الإنجيليون" أبرز الطوائف المسيحية تبنيا لهذه الأفكار، وهم كما هو معروف، منتشرون بكثرة في الغرب، حتى أن عددهم في الولايات المتحدة الأمريكية يتجاوز الأربعين مليونا.

كما يلاحظ أن تبني المشروع الصهيوني من جانب بريطانيا تحديدا، إبان صدارتها في النظام الدولي عشية الحرب العالمية الأولى وغداتها، لم يكن مجرد استجابة للطموحات الاستعمارية في المشرق العربي، بل إنه مثل في أحد وجوهه الهامة، منهجا منسجماً مع ما ترسخ في الثقافة الإنجليزية من تأثر بالأفكار التوراتية، قبل صدور وعد بلفور بوقت طويل، حتى أن المؤرخة اليهودية "بربارة كوشمان"، "تؤكد أنه بدون التراث التوراتي الذي تغلغل في الفكر والأدب والتعليم والطقوس الدينية الإنجليزية، كان من المشكوك فيه أن يصدر وعد بلفور عام 1917، أو يتم الانتداب البريطاني على فلسطين بعد ذلك بوقت قصير، وذلك رغم العوامل الاستراتيجية التي برزت على المسرح فيما بعد".

وقد أضحى معلوما الآن، أن التأثيرات الفكرية الصهيونية غير اليهودية، بكل أطيافها، كانت منتشرة في معظم دول أوروبا والولايات المتحدة، وأنها قد وجدت صداها في مواقف قادة وزعماء سياسيين وتجار ومفكرين وأدباء ورجال لاهوت، الأمر الذي فعل فعله في المراحل التحضيرية لإنشاء الكيان الصهيوني، ومازال صداه يتردد في الخطاب الثقافي والسياسي الغربي تجاه هذا الكيان حتى الوقت الحاضر، فقائمة "الألفيين" المؤثرين في صناعة القرار في الغرب، تضم بين جنباتها أسماء معاصرة على قدر عظيم من الأهمية (مثل الرئيسين الأمريكيين السابقين كارتر وريغان...).

إن هذه الهالة المقدسة التي تضفى على الوجود الإسرائيلي، تفرض على أصحاب هذه المعتقدات أن يدافعوا عن هذه الوجود، ومما لا يخلو من مضامين في هذا الصدد، ما يؤثر عن الرئيس الأمريكي الحالي بيل كلينتون من أنه قال في إحدى المناسبات "آمنت بدعم إسرائيل منذ عرفت أول شئ عن قضيتها، وربما كان لنشأتي الدينية علاقة بذلك. لقد ذكر لي قسيس بأنه يأمل أن أرشح نفسي في الانتخابات الرئاسية، وأنني إذا خذلت إسرائيل فإن الله لن يسامحني أبداً".

·                  الفكرة الثانية :

أن الصهيونية بنزعتها الاستيطانية تمثل إحدى حركات الاستيطان الغربي في عوالم الآخرين، كالأمريكيين، وجنوب إفريقيا، ونيوزيلندا، والجزائر، وبالطبع فلسطين، فلابد من نصرتها في كل الأحوال . وهذه الحقيقة تؤكد أن تجربة الاستيطان الصهيوني قد زرعت في رحم الفكر الاستيطاني الغربي، وولدت، ثم نمت وأينعت في أحضان نماذجه التطبيقية، وأن دروب الصلة بين حركة الاستيطان الأوروبي والاستيطان الصهيوني في فلسطين متعددة، بحيث لا يسهل الخوض في احتمال الفهم بين المجتمع الاستيطاني الإسرائيلي، وبين أصله الأوروبي، وشبيهه في جنوب إفريقيا .

فمن ناحية، يمثل الاستيطان الصهيوني بالنسبة إلى الغرب وحضارته، أحد نماذج هجرة الأقليات الأوروبية للبحث عن عالم جديد (البيوريتانز من بريطانيا، الهوجونوت والكالفانيين من فرنسا، اليهود من أوروبا عموما ...) وقد تمت أول هجرة استيطانية يهودية خارج أوروبا صوب الولايات المتحدة، وذلك حين اصطحب "كولومبس" في رحلته الاستكشافية، خمسة من اليهود، فكأن الحركة الاستيطانية اليهودية لم تنفصل عن الحركة الأوروبية الأم منذ البداية، وهذا يدخل في تفسير التعاطف الغربي مع المجتمع اليهودي في فلسطين .

ومن ناحية ثانية، فإن علاقة المجتمع الصهيوني في فلسطين بأوروبا قد تحدد في ضوء الصلة بين المجتمع الاستيطاني وبين بلدان المنشأ أو الأصل، حيث تظل بلدان الأصل على تواصل عاطفي مع المجتمع المهاجر في موطنه الجديد.

ومن ناحية ثالثة، يمكن القول أن علاقة المجتمع الصهيوني في فلسطين بالولايات المتحدة، تقوم في أحد مداخلها على استشعار الأمريكان وتأثرهم بالتجربة الاستيطانية المشتركة، كذلك يتغذى التعاطف الأمريكي على فكرة أن كلا من المجتمع الأمريكي والمجتمع الإسرائيلي هو مجتمع أقليات مهاجرة، وأن كلاهما يسعى لصهر هذه الأقليات في بوتقة لبلورة مجتمع جديد يافع. ومن هنا لا يستهجن معظم الأمريكيون الممارسات الإسرائيلية، ولا يرون أن ما يحدث في فلسطين أمر غير طبيعي.

ومما يتصل بالجوانب السابقة، أن بين أبناء المجتمعات الغربية من هم قادرون على فهم تجربة إسرائيل من حيث نشأتها، ومكانتها بالنسبة إلى محيطها الإقليمي في إطار نظرتهم إلى دور الرجل الأبيض ورسالته التاريخية في تمدين الآخرين، فإسرائيل عندهم، تجسيد حي للفلسفة التي تمجد الحضارة الغربية، والتخلي عنها يعني هدم ما بناه هذا الرجل في "الشرق الأوسط المتخلف". وبالنسبة إلى الثقافة الأمريكية، فإن إسرائيل ـ ورجلها المهاجر الأبيض ـ نجحت في إنجاز ما قام به الرواد الأوائل في أمريكا، حين أحالوا البراري القاحلة إلى جنات وارفة. وهنا تكون إسرائيل عامل حضارة ومدنية في إقليم لا يعترف بالجميل. وذات حين أثار الرئيس الأمريكي الأسبق "كارتر" هذا المفهوم حين قال : "لقد أقام رواد وأقوام تجمعوا من كلا الشعبين من دول شتى الولايات المتحدة وإسرائيل. فشعبي كذلك أمة مهاجرين، كما أننا نتقاسم معا ميراث التوراة".

إن نظرة لها مثل هذا الإيغال في تضاعيف العقل الغربي، تجعل من إسرائيل دون شك جزءا من الميراث الحضاري الغربي. وهي نظرة لا علاقة لها بتغير النظام الدولي، فإسرائيل، بكلمات أخرى، تبدو كممثل دائم للغرب وحضارته في هذه المنطقة، ولأنه ليس في الأفق حتى الأن ما يوحي بتغيير رؤية الغرب لنفسه أو إيمانه بسطوته الممتدة في كل مكان، وبخاصة في ضوء ما يباشر به جانب من الفكر الغربي بالنسبة إلى زوال كل منافسة للحضارة الغربية وقيمها على نطاق عالمي، فإنه يصبح من اللغو افتراض تنازل الغرب عن مكانة إقليمية متقدمة لإسرائيل كأحد مكونات هيبته في "الشرق الأوسط".

·                  الفكرة الثالثة :

تنجم عن عوامل الانحياز الحضاري والإعجاب السياسي في الغرب بالفكر الصهيوني والنظام الإسرائيلي.

إن جوهر هذه الدوافع الداعية إلى دعم إسرائيل، في الغرب، وهو الجزم بأن إسرائيل هي، من حيث بنيتها وممارستها السياسية، لا تعدو كونها مثالا حيا في "الشرق الأوسط" للبني والممارسات السياسية الغربية، ليس هذا فحسب، بل إن هناك مركبا فكريا ينساب في الوعاء اللاشعوري للرأي العام الغربي على مستوى خاصة الناس وعامتهم: بأن إسرائيل هي في كل جوانب حياتها القيمية والفلسفية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية لا تخرج ، بحال، عن الجوانب الغربية المثيلة، سواء من حيث الفكر أو الحركة. فاليهودي الذي يعيش في إسرائيل الآن، عاش مطولا بين الغربيين، واستقى منهم مثله وتقاليده على كل الصعد عبر قرون ممتدة، وينظر الغربيون حولهم فيجدون ما يؤكد هذا المركب الفكري، ذلك أن مظاهر الصلة الإسرائيلية بهم مازالت حية متواترة بينهم، ويمكن التأكد منها، بمجرد إلقاء نظرة على المؤسسات المالية والبنوك والأنشطة الاقتصادية والإعلامية، ومختلف مناحي الحياة المؤثرة.

إن الغرب لا ينظر في أعماقه إلى إسرائيل باعتبارها مجرد "دولة شرق أوسطية" تسعى إلى سلوك الطريق الغربي والفلسفة الغربية في الحياة والاقتداء بهما، كما هو شأن دول أصلية كثيرة في المنطقة، لكنه يتقيد بكونها جزءا منه، يحمل جيناته الوراثية ـ إذا صح التعبير ـ في كل شيء، إسرائيل عند الغرب، دولة شرق أوسطية بالمفهوم الجغرافي والاستراتيجي فقط، بينما هي من حيث الفكر والسلوك دولة غربية صرفة. وذلك، ما على مجتمعات الشرق الأوسط، ولا سيما العربية منها، إلا أن تحذو حذو إسرائيل وتستهدي بنظمها الاقتصادية والسياسية وتقدمها التقني، إذا أرادت الاقتداء بالغرب .

كذلك، فإن مما يلقى إعجابا واهتماما في أوروبا، ويصل إلى حد الانبهار في الولايات المتحدة، صورة إسرائيل "الدولة الديموقراطية الصغيرة المثابرة" وفي هذا الشأن فإن إسرائيل القوية المنتصرة في "الشرق الأوسط" تؤدي مهمة جليلة للعالم الحر، في هذه المنطقة ذات القوى الاستبدادية والنظم الديكتاتورية الممثلة للشخصية الشرقية .

ومن جانبهم، لا ينكر الإسرائيليون معرفتهم بهذه المنطلقات، ويسعون إلى تعضيدها . وقد أشار بن جوريون إلى ذلك حين ذكر "أن إسرائيل جزء من الشرق الأوسط من حيث العامل الجغرافي فقط، ورغم أن الوقت تكفل بإظهار الكثير من سوءات النظام الإسرائيلي على صعد مختلفة، ككذب الادعاء بديمقراطية الحياة السياسية على الأقل تجاه الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة، وكبر حجم المشكلات الهيكلية الاقتصادية وعنصرية القيم الصهيونية ...، ورغم ذلك، فإن الغرب مازال ينظر إلى إسرائيل بحكم الاعتقاد بانتمائها إليه، على أنها الراعي الوحيد الذي يمكن الوثوق به لحراسة مثله في "الشرق الأوسط".

في ضوء هذه المنظومة من الدوافع التاريخية الدينية الثقافية، التي تؤطر العلاقة الغربية ـ الإسرائيلية، وتتغلغل في تضاعيفها، تبدو مسألة استمرار الرعية الغربية لإسرائيل عبر أفق زمني يصعب تحديده، قضية بديهية. فمن الثابت، أن الاستعصاء على تفكيك وعدم المرونة أو القابلية للتغير، هي سمات لصيقة بطبيعة هذه الدوافع، على الأقل مقارنة بما قد يعتري الروابط ذات الطبيعة المصلحية المادية البحتة، وإذا صح الوصف، أمكن القول أن المحدد التاريخي الثقافي الذي ينظم الصلة الغربية ـ الإسرائيلية، هو محدد عابر للنظم الدولية والإقليمية، مهما كان مخرجها النهائي، لن تقود إلى عزوف الغرب عن مساعدة إسرائيل على تبوء مكانة الصدارة في محيط وجودها. لا سيما، أن شعور الغرب بالانتصار النهائي في الصراع الأيديولوجي على نطاق عالمي، قد يقترن على الأرجح، بالشعور بإمكانية تحقيق النموذج الإسرائيلي   ـ المتفرع بتاريخه عضويا وقيميا عن الغرب ـ لانتصار نهائي رديف في هذه المنطقة من العالم، وتجدر الإشارة إلى أن إسرائيل كانت قد حددت خياراتها منذ ما قبل الحرب الباردة وأثناءها، فحرصت على إبقاء محيطها الإقليمي (المنطقة العربية أو الشرق الأوسط) موضوع لتغلغل المثل الغربية، ومما يذكر في هذا الشأن، أن إسرائيل تطلعت في الخمسينات للانضمام إلى حلف الأطلنطي. وعندما فشلت في ذلك طلبت رسميا توقيع معاهدة للدفاع المشترك مع واشنطن، والالتحاق بالجماعة الأوروبية. وفي كل الأحوال، فقد انحازت إسرائيل إلى الغرب ضد المثل الاشتراكية عالميا والمثل القومية العربية إقليميا، التي عارضها الغرب على حد سواء. ومن المتصور أنها في كل التحولات الدولية والإقليمية المواتية للغرب، سوف تعكف على محاولة استثمار خدماتها الأيديولوجية السابقة، لتعزيز مكانتها في أية ترتيبات يزمع الغرب، المنتصر أيديولوجيا ونظاميا، أعدادها.

ومن جهتهم يبادل الصهاينة الغرب وداً بود، فهم يعتبرون أنفسهم نتاجا لثقافة الغرب وممثلة في كل مكان، نجاحهم في الشرق نجاح له، والعكس بالعكس، وبغض النظر عن تنقل مركز قيادة الصهيونية بين القوى الغربية، فإن كل هذه القوى تتحرك من داخل دائرة حضارية واحدة، وتجمعها ثوابت استراتيجية، ثقافية، دينية، تحدد صلاتها بالعرب كجوهر حضاري ـ ثقافي مختلف، ومنافس ويمكنه ممارسة دور مقاوم وربما يكون ندا للتوجهات الغربية الصهيونية.

ومن وجهة نظر البعض، تجب هذه الأسس الثقافية الدينية الروحية للتحالف غيرها من الأسس وتسبقها عند اللزوم، وخير دليل على ذلك أن تراجع مكانة إسرائيل الاستراتيجية ـ العسكرية مثلا ـ أثناء حرب الخليج، إذ كانت معوقا للحركة العسكرية الأمريكية (الغربية)، لم يستتبعه، كما توقع البعض تراجع في قوة التحالف الغربي الصهيوني.

 

ثانيا:    مراحل التحالف

الفكرة الحاكمة في هذا الجزء هي: المتابعة الموجزة لمراحل التحالف الغربي الصهيوني فقد مر هذا التحالف بأطوار من الإرهاصات والفكرة الهائمة، إلى مرحلة التكوين الأول، إلى التبلور والبروز، إلى التعاقد الاستراتيجي المكتوب.

وفي كل هذه الأطوار كان العرب متواجدين بالقصد والهدف، وقد تتابعت قوة الأضرار التي ألحقتها بهم هذا التحالف في كل الأطوار بشكل واضح.

ويمكن في إطار هذا الجزء إلقاء أضواء مركزة مقتضبة على كل من هذه الأطوار على شاكلة ما يلي :

¨               مرحلة التحالف كفكرة هائمة:

ترتد في نظر البعض إلى عهد الحروب الصليبية، (ونفضل استخدام مفهوم حروب الفرنجة ..) حيث استعادة القدس في عقيدة بعض الشيع المسيحية، كانت سبيلا، لتطبيق نبوءات توراتية، يبدأها البعض من مرحلة غزوة الحملة الفرنسية، وآخرون بمطامع بريطانيا في المشرق العربي .

لكن هذه المرحلة تصل في كل الأحوال إلى فترة كتاب "الدولة اليهودية" لهرتزل، والدعوات السابقة له واللاحقة مباشرة.

¨      مرحلة الإرهاصات:

وهي تغطي سنوات تسويق المشروع الصهيوني بين الدول الأوروبية الكبرى. وبيان كل من القيادات الصهيونية من جانب والقيادات الأوروبية (والأمريكية) لفضائل ومزايا التحالف بين الجانبين، وصولا إلى صدور وعد بلفور.

¨      مرحلة التبلور:

بدءا من وعد بلفور مرورا بتبني هذا المشروع في عصبة الأمم وكذا من الولايات المتحدة التي لم تكن عضوا في العصبة، ولا يستثنى من هذه المرحلة العلاقة بين النازية والصهيونية التي نشأت من لقاء فكري (العنصرية والنقاء العرقي) ومصلحي (التخلص من اليهود في أوروبا بالنسبة للنازية، وتحويلهم إلى فلسطين بالنسبة للصهيونية).

¨      مرحلة التساند والمؤازرة:

تأييد قيام إسرائيل بعد تشجيع الهجرة الاستيطانية في فلسطين وبإظهار تحيز إسرائيل للغرب في صراعه الاستراتيجي مع الاشتراكية، وبالتعاون العسكري في حروب الطرفين ضد القومية العربية، والتعاون في استئصال الشعب الفلسطيني بعد النكبة (مشروعات توطين اللاجئين مثلا منذ الخمسينات إلى الآن) المساعدة في إنشاء إسرائيل، قرارات الأمم المتحدة وعدم تنفيذها التحالفات في الحروب العدوانية ضد العرب (73,67,56) التآمر على المشاريع الوحدوية، تعطيل كل أشكال العمل العربي المشترك.

¨      مرحلة التحالف الاستراتيجي التعاقدي:

وأهم مظاهرها بعد 1967 بخاصة، توقيع اتفاق التعاون الاستراتيجي عام 1981 بين الولايات المتحدة وإسرائيل وتوابعه حتى الآن، وعلى المستوى الأوروبي اتفاقات الشراكة الاقتصادية مع دول الاتحاد الأوروبي .

¨      مرحلة تسييد الكيان الصهيوني على الشرق الأوسط  :

وتبدأ مع مسارات عملية التسوية عبر صيغتي مدريد وأسلو وإعلان النظام الشرق أوسطي في المنطقة العربية، ومحاولة إزاحة النظام العربي .. وهي مستمرة حتى الآن (أننا نعيش مرحلة تحويل الكيان المستزرع إلى عضو أصيل في جسد المنطقة له مكانته الحصينة بمداخل متعددة، أهمها المدخل الاقتصادي).

 

ثالثا:    أبعاد التحالف وتأثيره على العرب

يندرج تحت هذا الجزء، التطرق إلى آيات التحالف الغربي الصهيوني ومظاهره وتأثيراته على الأمة العربية .

وفي حقيقة الأمر، فإن لهذا التحالف مظاهر وتجليات اقتصادية وعسكرية وسياسية، يصعب حصرها بالتحديد، ما يصعب التقييم الدقيق لتداعياتها على الأمة، غير أنه يمكن رصد الإطارات العريضة في هذا الشأن.

فدائرة الحضارة الغربية بكافة معانيها وأطرافها، هي الظهير الأساسي للصهيونية وهي في كل الأحوال المصدر الأم والموطن الأصلي للصهيونية فكرة حرة.

وفي إطار هذا الفهم فإن من تجليات التحالف ما يلي :

¨       على الصعيد الفكري

الفكر الغربي هو البيئة التي أنتجت الفكرة الصهيونية.

الصهيونية كفكرة هي إحدى تجليات الثقافة الغربية في أبعادها العنصرية، ويكفي ملاحظة ما بين النازية والصهيونية من محاكاة في تعريف الذات والآخر، كي ندرك التواصل بين العقيدتين.

ومن المثير أن نلاحظ هنا، أن الفكر الاستيطاني واستباحة أوطان الآخرين، هو منتج غربي، تعتبر الصهيونية إحدى تطبيقاته في المنطقة العربية.

هذه العلاقة أدت إلى التعزيز الفكري للصهيونية في العالم الغربي وتفهم الثقافة الغربية للممارسات الصهيونية ضد العرب، الفلسطينيين بخاصة.

كان من تداعيات العلاقة الأضرار بالقضية العربية لدى الرأي العام الغربي، وممارسة الصهيونية لدور تخريبي للتصورات المتبادلة بين العرب والغرب. ونادرا ما تمكنت قوى غربية من الفكاك من إسار التصور الصهيوني للصراع في المنطقة العربية، وحقيقة الظلم الذي أوقعه الغرب بالعرب، حين ساند الحركة الصهيونية بلا تحفظ.

¨      على الصعيد الاجتماعي ـ الاقتصادي

للتحالف على هذا الصعيد تجليات كبرى منها :

أ‌-                  التفاهم المشترك في قضية تهجير التجمعات اليهودية من الغرب إلى فلسطين منذ أكثر من مائة سنة.

وقد نجم عن ذلك تقويض الحياة الاجتماعية الفلسطينية وصولا إلى محاولة استئصال الوجود الاجتماعي الفلسطيني بفعل عمليات التهجير والمذابح الجماعية والإحلال، أي إحلال جماعات المهاجرين بدلا من المواطنين الأصليين في البلاد.

وقد قدم الاستعمار الغربي، في نموذجه البريطاني بفلسطين، المساهمة الأقوى في هذا السياق.

ب‌-     المساندة الاقتصادية: فالصهيونية تمتعت في ظل التحالف بمساحة واسعة من الحرية الاقتصادية بلا قيود في الغرب، كما حظيت إسرائيل بمكانة الكيان الأولى بالرعاية والدعم الاقتصادي متعدد الوجوه، مساعدات مالية ساعدت على التكوين الاقتصادي، وشراكة تجارية، وشراكة صناعية، وتبادل علمي وتقني، ومعونات بلا مقابل وقروض ميسرة.

وكان هذا المظهر للتحالف أهم العوامل المساعدة على تكوين اقتصاد إسرائيلي قادر على الإتيان ببرامج عدوانية واسعة النطاق وعالية التكلفة ضد الأمة العربية، وما كان في قدرته القيام بذلك دون تغطية اقتصادية من التحالف .

ج‌-     المساندة العسكرية: فالعسكرية الصهيونية، منذ مولدها وتكوينها الأول، وصولا إلى استحواذها على الرادع النووي قامت في كنف سياسة الباب المفتوح معها من الغرب (البريطاني فالألماني فالفرنسي فالأمريكي ـ على التوالي) وفي الوقت الراهن من المعروف أن التوازن العسكري الغربي الأمريكي لا يعمل بمعزل عن الظهير العسكري الغربي الصهيوني. وهناك تحالف مكتوب في المجالات العسكرية، تجعل الكيان الصهيوني جزءاً من الكيان العسكري الغربي.

ولعل هذا الجانب هو الأبرز بين جوانب التحالف الذي عانت منه الأمة العربية فالحروب الإسرائيلية المتوالية تحت تغطية ظاهرة وباطنة من التحالف الغربي الصهيوني. كما أن الاحتلال العسكري الإسرائيلي لأراضي عربية معروفا بممارسات استيطانية دائمة على هذه الأراضي، ما كان له أن يدوم بعيدا عن الظهير العسكري الغربي الصهيوني .

د‌-      المساندة السياسية: وتبدأ معالمها بالعطف السياسي على الفكرة الصهيونية وإعلان بلفور والانتداب على فلسطين لتسهيل قيام إسرائيل، ولا تنتهي بحجب الضغط السياسي الدولي عن إسرائيل في الأمم المتحدة في الوقت الحالي، لقد هيأ التحالف الغربي الصهيوني البيئة السياسية الملائمة إقليميا ودوليا، بما يسمح بقيام الكيان الصهيوني، ويمنع الوحدة السياسية العربية الفاعلة، ويمكن لهذا الكيان من الحياة برغم الضغوط العربية ومظاهر المقاومة.

ومنذ بضع سنوات صمم هذا التحالف مسارا لعملية تسوية الصراع الصهيوني العربي، بما يوافق أهدافه، ويمكن لمشروعه (الكيان الإسرائيلي) من الحفاظ على مكتسبات سياسة القوة والهيمنة في محيطه الإقليمي (العربي).

كما يمارس التحالف دورا أساسيا في التصدي لمظاهر المقاومة المختلفة لسياساته في المنطقة العربية، محاولا جهده عزل هذه المظاهر ووصمها بالإرهاب، ومطاردة عناصرها، بهدف تسكين كل مظاهر الرفض الإقليمي العربي لإسرائيل.

وتتبنى القوى الغربية الصهيونية مقاربة شبه موحدة لطبيعة مستقبل النظام الإقليمي العربي، كمظهر وحدوي للأمة يمكنه أن يحدد مسارها إلى الوحدة السياسية، النظام الإقليمي العربي مرفوض من كلا طرفي التحالف، والعمل على إفراغه من مضمونه "العروبي" يمثل مظهرا للتحالف وهدفا له في الوقت نفسه.

كما يتوافق الطرفان على استبدال هذا النظام بنظام شرق أوسطي لا تكون العروبة جوهره. وهناك مدخلان لتحقيق ذلك، استحث الطرفان السير نحوها واستقطاب التأييد لهما منذ بضع سنين، مدخل شرق أوسطية، ومدخل الشراكة المتوسطية. فعلى الرغم من الإطار الاقتصادي الذي يغلق هذين المدخلين بوصفهما إطارين للتعاون الاقتصادي الإقليمي فإن جوهرهما في الحقيقة سياسي.

من مظاهر التساند السياسي أيضا، أن طرفي التحالف يستميتان منذ عشرات السنين، في تغذية النزعات الانفصالية والطائفية، ليس فقط على صعيد الدول العربية وتعزيز النزعة القطرية، وإنما كذلك على صعيد الدول القطرية ذاتها، فلا توجد حركة سياسية لها بعد انفصالي أو انعزالي معوق لهدف الوحدة العربية، إلا وتحظى بمد التحالف وتأييده المادي والمعنوي، من العراق إلى لبنان إلى جنوب السودان.

ويدخل في باب التساند السياسي، محاولة الحفاظ على الوضع العلمي والاقتصادي الراهن للأمة العربية. ومن المعلوم أن تحقيق المكانة السياسية، إقليميا أو دوليا، ينبني على مستوى الرقي التكنولوجي والحضاري عموما، فإن تخطت الدول العربية، فرادى أو مجتمعة، حاجز التخلف الاقتصادي والاجتماعي والعلمي التكنولوجي، فإن قدراتها تتعزز في مواجهة قوى التحالف عموما، وفي مواجهة الكيان الصهيوني، القاعدة المتقدمة في قلب الأمة لهذا التحالف بخاصة، فأية ميزة لإسرائيل عن العرب بعد ذلك؟.

وقبل أن أدخل في القسم الأخير من هذه الدراسة والمتعلق بالأفاق المتوقعة لهذا التحالف، وأشكال مقاومته، أود أن أتعرض للوضع الإقليمي والمتغيرات التي تطرأ على هذا الوضع تجاه التعامل مع الوجود الإسرائيلي والسياسات التي تجري لتكييف هذا الوضع على أساس من تقبل إسرائيل ورسم دورها القيادي.

ظلت الدولة الصهيونية طوال الأعوام المنصرمة من عمرها تعاني نقيصة إقليمية أساسية، (وهي عدم اعتراف النظام العربي، والذي تمثله جامعة الدول العربية أساسا) الصريح بوجودها، ولجوئه إلى مقاطعتها في جميع المجالات. ونظرا إلى عدم قدرة هذا النظام على تصفية الوجود الإسرائيلي أو الانتصار الحاسم عليه، وأحجام العرب ـ في الوقت نفسه ـ عن التعامل معه أو إفساح مكان له في تعاملاتهم الإقليمية فكريا ومؤسسيا، فقد تعاظمت لدى إسرائيل عقدة. "عدم توازن المكانة". إذ أن تفوقها العسكري والنظامي والتقني … الخ، لم يشفع لها لدى المنطقة، ولم يترجم إلى وضعية يعترف بها سلم المكانة الإقليمية .

على ذلك، تكون وضعية إسرائيل، طوال الحرب الباردة قد تمشت مع القاعدة العامة لعلاقة الكيانات الاستيطانية بمحيطها الإقليمي والقائمة على الرفض. وهذه قاعدة تقليدية تستند إلى أعمدة:

    1.    منها: أن ترفض الدور الإقليمي للكيان الاستيطاني ـ إسرائيل في هذا الوضع ـ يكون شبيها برفض الكائن العضوي لما يزرع فيه على غير إرادته.

    2.    ومنها: الشعور الإقليمي بانعدام الأمن، نتيجة القدرات العسكرية للكيان الاستيطاني المقترن بنزعة عدوانية وبالتحالف مع قوى خارجية لا تتعاطف مع آمال شعوب المنطقة .

    3.    ومنها : أن أي رد فعل إقليمي سلبي تجاه الكيان الاستيطاني يشترط منذ البداية، الشعور بوجود هوية إقليمية ما. وقد توفر هذا الشرط عربيا، منذ عقود سابقة على قيام إسرائيل، ونما في إطار مقارعة وجودها. كما أن ذبول الشعور بالهوية الإقليمية الجماعية، ينعكس على مستوى القبول الإقليمي بالوجود الاستيطاني .

وثمة مؤشرات كثيرة توحي بوعي الفكر الغربي والصهيوني لهذه القاعدة. فالنظام الدولي الذي أعقب الحرب العالمية الثانية، ظل حريصا على طبيعة الدولة القطرية، التي غرسها في المنطقة العربية النظام الدولي الذي أعقب الحرب العالمية الأولى. ولم يبد قطبا للنظام أثناء الحرب الباردة، أية معارضة جذرية للوجود الإسرائيلي، أو أي تأييد جذري لرسوخ النظام الإقليمي العربي الذي يرفض هذا الوجود .

وبصفة خاصة، أظهر المعسكر الغربي مقاومة قوية لفكرة النظام العربي شكلا ومضمونا، وظلت محاولة إقامة "نظام شرق أوسطي" بديلا أثير لديه. وبالطبع، لم يكن الدأب الإسرائيلي على رفض الهوية العربية للإقليم المحيط بها، بأقل منه لدى الغرب. فالإلحاح الإسرائيلي الرامي إلى تفتيت المنطقة وإعادة تركيبها، على نحو يفسح لإسرائيل مكانا، يعد طموحا قديما قدم الحركة الصهيونية. وفي هذا السياق من الرفض الغربي ـ الإسرائيلي المشترك، جرت تأصيلات فكرية ومحاولات سياسية وأعمال عدوانية شرسة ضد النظام العربي. لكن التنافس الدولي أثناء الحرب الباردة، والتماسك النسبي للنظام العربي، شكلا قيدا ملموسا ضد ذلك الطموح .

أما وقد انتهت الحرب الباردة بانتصار ظاهر للغرب، وتواكب ذلك وانحسار المد القومي العربي، فإن هناك ما يغري بالقول، بأن البيئة الإقليمية أضحت مهيأة لاقتلاع أحد أهم أسباب الرفض الإقليمي لإسرائيل، وهو، كما سبقت الإشارة، الإيمان بالعقيدة العربية لهذا الإقليم، والدفع بإسرائيل إلى مكانة محورية ضمن هيكلية إقليمية جديدة. ولا شك أن نظرة فاحصة لما يعتمل على الساحة الإقليمية، وعلى وجه التحديد في إطار مسار تسوية الصراع العربي ـ الإسرائيلي، تكفي للخروج بهذا الانطباع .

وفي الحقيقة فإن للتسوية الجارية دلالات كثيرة، على أن دلالتها بالنسبة إلى مكانة إسرائيل الإقليمية ومستقبل النظام العربي تعتبر الأكثر أهمية، حتى ليمكن القول، أن القوى الغربية المهيمنة على النظام الدولي بعد الحرب الباردة، بالتوافق مع إسرائيل، قد توصلت إلى أن اللحظة الانتقالية الحالية هي اللحظة التاريخية المناسبة للإجهاز على ما بقي من الرفض الإقليمي العربي للكيان الإسرائيلي، وإعادة تصفيف المنطقة برمتها، وأن مسار التسوية هو الإطار المناسب لوضع التفصيلات الخاصة بهذا اليقين.

لقد انطوى هذا المسار على خارطة فريدة في هندستها، بحيث يصعب فصل ما فيها من عناصر البناء الإقليمي الجدي، عما فيها من رغبات في هدم البناء الإقليمي القديم. وكلا العمليتين لا تنفصلان عن رؤية معينة لمستقبل مكانة إسرائيل دوليا وإقليميا .

ويقينا، أن مسارا على هذه الشاكلة لم يكن من فيض المرحلة القصيرة المنقضية منذ انتهاء الحرب الباردة وبداية التسوية حسب "صيغة مدريد" الشهيرة لعام 1991. فالأقرب إلى المنطق، أن هذا المسار ضم أفكارا جديدة كما أنه احتوى على برامج ومشروعات قديمة، توسم طارحوها أن الأرض مهيأة لتنفيذها في هذا التوقيت .

ولا تحتاج البرهنة على ذلك إلى جهد كبير، إذ أن متابعة موجزة لبعض ما هو مطروح في صلب التسوية ـ يوضح ما يراد لإسرائيل من مكانة إقليمية بعد نفي الرفض العربي، والتيقن من أن ما يجري تداوله على طريق التسوية هو، في شطر هام منه، مجرد اجترار لمعروضات سابقة الإعداد والتجهيز .

(أ‌)      ففيما يتعلق بتحويل هوية النظام الإقليمي العربي نحو نظام "شرق أوسطي"، فهو هدف تاريخي راود معظم الأوساط الفكرية والسياسية، غربية وإسرائيلية، منذ دأبوا على استخدام مفهوم "الشرق الأدنى" و"الشرق الأوسط"، عوضا عن مفهوم المنطقة العربية والنظام العربي. حيث ينظرون إلى المنطقة على أنها قد تزاحمت بأخلاط من السلالات والأديان والشعوب واللغات، وان القاعدة فيها هي التنوع وليس التماثل أو الوحدة في إطار الجامع الحضاري العربي.

تقليديا، نهض المفهوم الأمريكي المميز للسلام بين العرب وإسرائيل على أهمية التعاون والارتباط الاقتصادي بين الجانبين. لقد عبرت عن ذلك إدارة "ترومان" (1948 ـ 1953)، وظلت الإدارات الأمريكية المتعاقبة تتراوح بين الاعتماد على إسرائيل ورعايتها، وبين محاولة بناء أحلاف عسكرية في المنطقة، تدعو لائتلاف إسرائيل مع دول عربية أو شرق أوسطية (تركيا وباكستان مثلا).

ومؤخرا، فإن المدخل المفضل للتسوية مهما كانت زاوية النظر، ينطلق من الطموح التقليدي لترسيخ مفهوم "الشرق الأوسط"، ليس كحالة مفترضة، وإنما كمشروع حقيقي ونظام تضمنه معاهدات واتفاقات وروابط متعددة الأبعاد. وفي نظام كهذا، من المتوقع العمل على تصفية التراث الأيديولوجي والخطاب السياسي وأساليب التنشئة والتعليم، وكل الظواهر المشابهة القائمة على رفض الأيديولوجية الصهيونية. ولأن هذا يجري، في توقيت تسعى فيه إسرائيل جهدها للاستمرار في عمليات الدمج الأيديولوجي والثقافي والسياسي للأعراق والثقافات والنحل في مجتمعها الداخلي، وصهرها في بوتقة الفكر الصهيوني، فإن الأمر يبدو وكأن المنطقة تشهد عملية تفكيك فكري وثقافي على الجانب العربي وحده. بعبارة أخرى، فإن معظم التوقعات تقوم بأن ما حلم به الغرب وإسرائيل في خطابهما الفكري والأكاديمي والسياسي حول وجود شرق أوسط متعدد الدول والثقافات والأديان .. الخ، لا تكون فيه إسرائيل وثقافتها الصهيونية ـ غربية في بيئتها، وسوف يصبح في متناول اليد بمجرد إقرار التسوية للنظام الجديد.

وقد يمكن الادعاء بأن هذه التوقعات توغل في التشاؤم، غير أن مسار الأحداث في المنطقة لا يدخلها في باب المستحيل. فمهما يكن من أمر، فإن إسرائيل لن تتعامل مع أي نظام مقبل في المنطقة، من الناحيتين القيمية والمؤسسية، إلا إذا كانت عضوا أصيلا في تفاعلاته، وفي هذه الحالة لن يكون نظاما عربيا صرفا.

(ب‌)    وفيما يتعلق بالأمن ونزع السلاح والتوازن العسكري في المنطقة، يلاحظ أنه طرح بالخصوص أكثر من مشروع غربي، تقوم كلها على أن الحد من التسلح يجب أن يشمل الأطراف العربية فقط، وأن مضمون هذا الحد يجب أن يرعى أمن إسرائيل ومصالحها، وأن التوازن العسكري المطلوب، هو التوازن القائم على تفوق إسرائيل التسلحي كما ونوعا في مواجهة الدول العربية جميعها. وكل ذلك، بذريعة أن حيازة إسرائيل للأسلحة لا يؤدي إلى عدم الاستقرار، بحكم أنها "أكثر عقلانية وقادرة على ضبط ردود أفعالها مقارنة بالعرب" . ومن الواضح أنه ليس في هذه المعادلة ما يبشر بأي جديد .

وبالتوازي مع المنطق الغربي، ترى إسرائيل أن وجودها في وضع الدولة التي تستحيل هزيمتها، بسبب امتلاكها لقوة الردع النووي منفردة، يجر المنطقة إلى حالة السلم الدائم. لذلك فإن إسرائيل القوية، تعد مطلبا هاما لتحقيق الحل السياسي والاستقرار المطلوب في الشرق الأوسط.

والواقع أن نهاية الحرب الباردة، وزوال الاتحاد السوفيتي كمورد أساسي للسلاح العربي، أديا بنظر الغرب إلى استعداد العرب للقبول بترتيبات أمنية شاملة تتضمن إسرائيل. في هذا السياق، تم طرح المبادرات التي تستند إلى المنطق المذكور، والتي تستهدف الحفاظ على الوضع الراهن القائم على التفوق الإسرائيلي في المنطقة. ويستقي من هذه الرؤية أن إسرائيل، بدعم ظاهر من الغرب، ليس لديها أية نية للتحرر من إسار القلق والارتباك وعقلية العسكر، وأنها في الوقت الذي تتجه فيه إلى توطيد مفهوم الشرق الأوسط والانتماء العضوي له، لا تستطيع أن ترى أن مكانتها الطبيعية يمكن أن تحقق من خلال التدافع السلمي بين أسباب القوة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والقيمية ...الخ، وإنما تحتاط لهذه المكانة بوجود التفوق ولا يطمئنها، ابتداء وانتهاء، سوى إقرار هذا التفوق من جانب بقية وحدات المنطق وبكامل إرادتهم. وهذا منطق ينتمي إلى طائفة الثوابت في عقلية المجتمع الاستيطاني الذي يستريب في محيطه الإقليمي، حتى وإن فتح هذا المحيط أبوابه وصادق على وجوده . 

(ج‌)      وفي دائرة التعامل الاقتصادي، أفصحت إسرائيل عن تصورات متكاملة للتعاون الإقليمي في مجالات الزراعة والمياه وتكنولوجيا الغذاء والطاقة والربط الكهربائي والسياحة والنقل، وغيرها. وتعتقد أن تنفيذ هذه التصورات من شأنه تعزيز الإمكانات العامة لكل دول منطقة "الشرق الأوسط". ويمكن الاستدلال على إدراك إسرائيل للمنافع المرجوة لمكانتها من جراء منطق التعامل الإقليمي المستحدث، من أنها ترى أن تمويل هذه المشروعات يمكن أن يتم عبر "آلية إقليمية" بإنشاء صندوق للتنمية في الشرق الأوسط، تساهم فيه الدول النفطية العربية بالطبع، بنصيب الأسد، وكذلك عبر "آلية دولية" بإقرار مشروع دولي للتنمية على غرار مشروع مارشال الشهير في أوروبا. أو بتمويل مؤسسات دولية تسعى للاستثمار في المنطقة.

بهذا، تعد إسرائيل نفسها لتستفيد من عملية إصلاح أوضاع المنطقة الاقتصادية مستقبلا، بمثل ما استفادت سابقا من المساعدات الغربية عندما ساهمت في تخريب هذه الأوضاع لفترة ممتدة. كما يلفت النظر، أنها تنصب من نفسها مهندسا ومنظما ومرشدا لاقتصاديات المنطقة برمتها. ويظهر ذلك جليا في لغة متنفذيها، الذين يرون المنطقة وكأنها ساحة انعدمت من الكفاءات، تتشوق إلى "العبقرية الاقتصادية الإسرائيلية"، يقول شيمون بيريس: " ان المنطقة تواجه أعداء مشتركين بين العرب وإسرائيل هم الصحراء والفقر والتطرف. ويجب على كل دول المنطقة أن تتصدى لهؤلاء الأعداء. ان منطقة الشرق الأوسط تضم 300 مليون نسمة و80 بالمائة من مساحتها صحاري. هناك كثير من الموارد المهدرة التي يمكن استخدامها في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية .

ومرة أخرى، ثمة ما يدحض الادعاء، بان الأفكار الإسرائيلية (الغربية) المتعلقة بالتعاون الاقتصادي في إطار خارطة شرق أوسطية جديدة للمنطقة. هي أفكار جديدة. ففي ذروة الصراع العربي ـ الإسرائيلي إقليميا، عنيت إسرائيل بأعداد الدراسات حول هذا الأمر. ومن ذلك الدراسة التي أعدها "ديفيد هوروفيتش"، حاكم مصرف إسرائيل الأسبق عام 1965، بإيعاز من جولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل فيما بعد، ودراسة "شاؤول مزراحي" من الجامعة العبرية أواسط العام 1967. وقد أشارت الدراستان في حينهما إلى أهمية السلام مع العرب للاقتصاد الإسرائيلي في إطار سوق مشتركة وتعاون اقتصادي. ودراسة "الشرق الأوسط عام 2000" التي أعدها أكاديميون إسرائيليون عام 1970، ورشحوا فيها صيغة للتعاون أما في إطار "سوق شرق أوسطية مشتركة"، تضم دولا عربية كثيرة إلى جانب قبرص وتركيا وإسرائيل وإيران "والفلسطينيين"، وإما في إطار "سوق مشتركة بحر متوسطية" تضم دولا عربية وأوروبية مع إسرائيل . وثمة نماذج أخرى مشابهة، حول جوانب التعاون التجاري وتصورات تاريخية كثيرة جرى مؤخرا نفض الغبار عنها وعرضها في ثوب جديد قشيب، وبخاصة بشأن التعامل في مجالات المياه والطاقة والسياحة. والمهم أن كل التصورات والدراسات الإسرائيلية السابقة منها والمتجددة والمكررة، تتفق على ضرورة محورية دور إسرائيل تقنيا وفنيا، وجدوى السوق العربية الواسعة، ومعاداة أية خطط للتعاون قد تستبعد حصول إسرائيل على فوائد مؤكدة أولى بالرعاية.

يلخص الدكتور غسان سلامة في ورقته التي قدمت لندوة مركز دراسات الوحدة العربية حول "الوطن العربي والتحديات الشرق أوسطية" الجديدة التي نظمت في بيروت نوفمبر ـ تشرين ثاني 1993 مخاطر الشرق أوسطية في خمس نقاط يسميها هواجس.

¨     هاجس الإلحاق ـ وهو إلحاق الاقتصاد العربي ـ بداية الأردن وفلسطين ونهاية مصر وسوريا ولبنان ـ بالاقتصاد الإسرائيلي من خلال ما يسمى مشروعات الربط الإقليمي في مجالات الطاقة (النفط) من خلال نقله عبر شبكة أنابيب من الجزيرة العربية إلى مواني حيفا وسدود على المتوسط مما يوفر من 3ـ6 دولار في الطن الواحد من نقله عبر قناة السويس. والسياحة (ريفيرا البحر الأحمر التي تربط بين ايلات الإسرائيلية، والعقبة الأردنية، وطابا المصرية، والساحل السعودي على خليج العقبة). والزراعة من خلال ما يسمى استزراع المناطق الصحراوية ومشاريع زراعية مشتركة، والبنية التحتية من خلال شبكات الطرق السريعة والخطوط الحديدية وربط شبكات الكهرباء من جنوب تركيا وحتى مصر. ومشاريع المياه وأهمها المشروع التركي المسمى بأنابيب السلام الذي تستعد إسرائيل لتمويله. والبنك الإقليمي للشرق الأوسط لاستخدام المال العربي في تمويل المشاريع التي تهيمن عليها إسرائيل.

¨              هاجس الاختراق ـ يقوم أساسا على إلغاء المقاطعة العربية لإسرائيل، وهو هدف أساسي في عمليات التسوية الجارية.

¨     هاجس الاختناق ـ ويرتكز إلى أن السوق الشرق أوسطية ستطوق العرب من الداخل ـ إسرائيل ـ ومن الخارج بدول مثل تركيا وإيران وربما الحبشة وارتيريا، مما قد يؤدي إلى ذوبان الجامعة العربية في مجموعة دول أوسع.

¨     هاجس الانسحاق ـ ويتراكم في النفس العربية هذا الشعور من خلال ملاحظة ما يجري من تراكم قدرات إسرائيل العسكرية النووية وتطورها التكنولوجي، بينما يجري تدمير دولي منظم للأسلحة الأقل تطورا (العراق). كما أن مصدر الأسلحة العربية ـ بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ـ هو الغرب حليف إسرائيل، بينما تمتلك إسرائيل قدراتها المتطورة في التكنولوجيا والتصنيع العسكري.

¨     هاجس الانشقاق ـ وهو انشقاق الجسم العربي إلى شظايا وعجز العرب عن إنشاء سوقهم المشتركة، ودخولهم للسوق الشرق أوسطية فرادى، ومتنافسين على خطب الود الإسرائيلي.

  

رابعا:   التحالف الغربي الصهيوني .. آفاقه ومقاومته

الفكرة الأساسية في هذا الجزء الختامي هي الإجابة عن التساؤلات:

       ·         القديمة الجديدة: ما مستقبل التحالف الغربي الصهيوني؟

       ·         أية مسارات سوف يأخذها مستقبلا، صعودا أم هبوطا؟

       ·         كيف يقاوم العرب التحالف وفق مساراته المتوقعة ؟

والوقع أن الإجابة عن هذه التساؤلات شغلت الذهن العربي، ولا سيما قواه الغيورة على الأهداف العربية التاريخية الكبرى، الوحدة، التقدم، الديمقراطية نبذ الكيان الصهيوني.

وقد تراوحت الإجابات وتباينت بحسب التكييفات المختلفة لمحددات التحالف وفلسفته

 1.      فالذين منحوا أولوية مطلقة للأسانيد الاستراتيجية للتحالف، وقوامها المصالح المادية المتبادلة أو المشتركة، رأوا أن نهاية التحالف رهن بتبدل الأطر الاستراتيجية التي تخلق في رحمها، وذلك، وبإيجاز، عول هؤلاء كثيرا على تغير النظام الدولي، من القطبية الثنائية، إلى انتصار المعسكر الغربي بزعامة الولايات المتحدة من ناحية، واعتبروا أن هذا التحول ينزع عن الصهيونية وكيانها (إسرائيل) صفة الحليف الاستراتيجي في مواجهة النفوذ السوفيتي في المنطقة "الشرق الأوسط" وأنه سرعان ما ستبرز التصدعات في التحالف الغربي الصهيوني التقليدي، كذلك، مضى هؤلاء إلى أن حرب الخليج الثانية (ضد العراق) أكدت سخف الادعاء بالظهير الإسرائيلي السهر على المصالح الغربية، فقد كانت إسرائيل أثناء الحرب عبئا لا مساعدا لجهود الغرب العسكرية.

وغداة سقوط المعسكر الاشتراكي وحرب الخليج، بدا أن المصالح الغربية تسير سيرا حسنا في الشرق الأوسط، فلا شيء يهدد النفط ولا الوجود العسكري الغربي في الخليج، كما أن معظم الدول العربية بدأت تنحاز إلى الفكر الرأسمالي والنظامي الغربي، كل هذه المعطيات والمستجدات، سوف تؤثر، من وجهة نظر أصحاب هذا الرأي في مسار التحالف بالسالب. 

 2.      أما الذي يتأملون التحالف بعيون وعقول أبعد من مجرد المصالح المادية (عسكرية، اقتصادية ...)، فإنهم لم يتوقفوا طويلا أمام التحليل السابق، ورأوا أن الصهيونية (وإسرائيل) جزء من الغرب الثقافي والسياسي .. وأن التحالف بينهما سوف لن يتأثر أو يهتز مستقبلا. إذ سوف يعثر الأصل والفرع (الغرب والصهيونية) على مبررات ودوافع جديدة لاستمرار التحالف ضد العرب كون المنطقة العربية منطقة ولود بالمتناقضات مع كلا الطرفين هذه فضلا عن أن حماية إسرائيل وأمنها واستمرارها قوية ومتفوقة هو هدف أمريكي أوروبي بحد ذاته.

لقد اتضح عاجلا بطلان الرؤية الأولى، وصحة الثانية. فقد عثر التحالف بالفعل على ضالته، لاستمرار المواجهة مع العرب، في الادعاء بخطر الأصولية الإسلامية. وبدا أن الإسلام، والعرب قلبه، عدو مرشح لدى شطر واسع من أنصار التحالف في العالم الغربي.

ولو استعرضنا الخيارات التي يتداولها المفكرون والسياسيون العرب، لمواجهة هذا الواقع والخروج منه، للاحظنا أن هناك من يطرح ما يسمى بخيار التراجع الاستراتيجي الذي يقوم على القبول بالتسوية السياسية أو السلمية للصراع العربي الصهيوني رغم شروطها المجحفة، والعمل على تحسين شروط تلك التسوية مع مرور الزمن، ومع التغير التدريجي في ميزان القوى، ويرى أصحاب هذا الرأي ضرورة إجراء مراجعة للأهداف القومية العربية، والاندماج في النظام الدولي الجديد. وهؤلاء هم من يرون مشروع الاستقلال القومي والوحدة العربية ضربا من المثاليات المستحيلة التحقيق. ومهما حاول أصحاب هذا الخيار أو الرأي أن يغلفوه بمسميات الواقعية أو اللبيرالية الجديدة إلا أنه يندرج في إطار الاستسلامية التي تتلمس طريقها نحو العقل العربي. وهو خيار ـ على أي حال ـ لم يجد طريقه نحو الواقع الشعبي العربي .

وتبقى الخيارات الأكثر قبولا واتساعا لدى القاعدة الشعبية العربية وحركتها السياسية والفكرية والنقابية والمهنية هي خيارات الرفض والمقاومة. وان تراوحت هذه الخيارات بين خيار المقاومة المتواصلة والشاملة لكل أشكال التطبيع السياسي والاقتصادي والثقافي مع إسرائيل، أو الارتهان للغرب. أو خيار التراجع التكتيكي بهدف الهجوم الاستراتيجي المضاد حين تتغير موازين القوى الدولية مع تنامي دور القوى الدولية الأخرى (روسيا ـ الصين ـ أوروبا ـ اليابان) وتراجع نظام القطبية الأمريكية الأحادية إلى نظام القطبية المتعددة .

وهناك من يستخلص من خيارات المقاومة المختلفة خيارا يسميه الخيار الاستراتيجي الدفاعي طويل النفس .

وبرأيي أن كل خيارات الرفض والمقاومة تبقى مفتوحة وبكل أشكالها ومسمياتها الدفاعية والهجومية، التكتيكية والاستراتيجية. وعلى الصعيدين الشعبي والرسمي، لكن الأساس هو توفر قدر معين من التنسيق بين أشكال المقاومة بحيث لا تتعارض هذه الخيارات مع تعضها مما يؤدي إلى إضرار بعضها ببعض، وإلى فتح ثغرات ينفذ منها خصوم الأمة وأعداؤها .

وإذا أردنا أن نحدد أشكال المقاومة بمسمياتها، يبرز في مقدمتها كل ما يتصل بعمليات التعبئة والحشد الثقافي والفكري والتربوي، ذلك أن تأسيس الوعي بجوهر الصراع العربي مع التحالف الغربي الصهيوني هام في الحفاظ على جذوة المقاومة والثقة في الذات . فمن بين أهم المداخل التي يتسرب منها التحالف لتدمير روح الأمة وإفساد عقلها هو الدعاية المضللة التي يمارسها هذا التحالف لإقناع أجيالنا القادمة بأن الاستسلام لإرادته هو اسلم الطرق، باعتبار أن العرب جربوا طويلا مواجهة التحالف بأشكال مختلفة وكان الفشل حليفهم.

إن إقناع أبناء الأمة بسخف هذا الادعاء، أمر هام، وعمل جليل يقع على عاتق أهل الفكر الثقافية والإعلام والتربية والتعليم، ولا بد من تجذير الوعي بأن انتصار التحالف الغربي الصهيوني رهن بكسر إرادة المواجهة لدى أبناء الأمة، وليس في اكتساب بعض المعارك هنا وهناك .

إن قيمة الانتفاضة الفلسطينية ضد الاحتلال لم يكن في أدائها العسكري أو حتى السياسي وإنما في قدرتها على بعث إرادة المواجهة، والثقة في الذات على الصعيد العربي. وقد لا تكون في حينها استثمرت جيدا، لكنها أعطت مؤشرا على القوة الداخلية المكنونة في ضمير الأمة حين يأتي وقت المواجهة الأكبر.

ومثل الانتفاضة هذا يمكن أن نسحبه على حرب الاستنزاف التي سبقت حرب أكتوبر المجيدة. فقد كانت بعثا لروح المقاتل العربي في مصر وحماية لروح الشعب العربي في مصر وغيرها من الانكسار حتى جاءت ساعة العبور .

وما نشهده اليوم من تعاطف شعبي عربي كاسح مع العراق ليس مصدره فقط حالة إنسانية تتعاطف مع الشعب العربي في العراق ضد الحصار الظالم، وإنما هو تعبير عن إرادة التحدي والصمود التي ما تزال كامنة في روح الأمة وتجد في الوقوف مع العراق مجالا للتعبير عنها في وجه التهديدات الأمريكية الإسرائيلية التي يقف العراق وحيدا في التصدي لها.

إن خيار الصمود الثقافي والفكري والمعنوي يستوجب التمسك بخطابنا القومي وأهدافه العادلة، وإعادة صياغته وإنتاجه بما يتلاءم مع تطورات العصر، وبخاصة حين نلاحظ أن إسرائيل لم تغير من جوهر أهدافها العدوانية التوسعية فهي تسعى الآن ـ في ظل مرحلة التسويات وتراجع سياسة الحروب ـ إلى إقامة إسرائيل الكبرى عبر هيمنتها الاقتصادية ووسائلها التكنولوجية من خلال مدخل الشرق أوسطية .

وإذا كان خيار المقاومة المسلحة ليس متاحا الآن بشكله الواسع، نظرا للوضع الدولي، وموازين القوى الراهنة، المختلة إقليميا ودوليا فليس معنى ذلك استبعاد هذا الخيار نهائيا .

فحالة الدفاع المشروع عن النفس في مواجهة الاحتلال والعدوان المستمر تستوجب بقاء هذا الخيار مفتوحا كلما كان الأمر متاحا. فليس ما يوجع العدو ويقض مضجعه كمثل هذا الخيار . والمثال الحي الراهن على ذلك هو ما يجري في جنوب لبنان على يد المقاومة الوطنية اللبنانية الباسلة .

وإذا كان العرب لم يحققوا الكثير ـ كما يروج دعاة الاستسلام من وراء هذه الآلية للمقاومة التي استخدموها على مدى خمس عقود، فليس معنى ذلك أن هذه الآلية قد فشلت كليا في تحقيق أهدافها. إذ لا يعلم أحد أي مدى كان يمكن للتحالف الغربي الصهيوني أن يصل، فيما لو لم يتول العرب المقاومة بهذه الآلية عبر المواجهات النظامية وغير النظامية .

ولأننا كعرب نعيش في عالم يعرف قوى ومحاور وتحالفات أخرى، لها مصالح ورؤى وأهداف، قد تتباين بنسب مختلفة مع التحالف الأمريكي الصهيوني، فإنه يجدر تفهم هذه الناحية، وتوسيع دائرة العلائق، وربما التحالف مع الآخرين بقصد تعزيز القوى ضد التحالف الصهيوني الأمريكي، وقد أحسن الجانب العربي هذا الأداء في مراحل ماضية. وذلك مثلا حين تمكن من عزل الصهيونية وكشف خطورتها وخطورة تحالفها مع أعداء الشعوب الأسيوية والإفريقية .

كما أن خارطة القوى الكبرى، عرضة للتبدل بمرور الوقت، ولا شك أن تفهم مسار هذه الخارطة، وأي موقع ينتظر الصين واليابان وروسيا، وأوروبا الموحدة، مستقبلا، دون استثناء الهند والبرازيل، لن يكون بلا جدوى في بناء التحالفات وقوى المساندة على الصعيد الدولي.

قبل ذلك جميعا، ثبت في أكثر من تجربة خشية أن القوى الذاتية العربية هي أساس المواجهة المجدية، فكل المعارك التي حقق فيها العرب انتصارات، ولو جزئية، ضد التحدي الغربي الصهيوني، هي تلك التي كان التضامن العربي معلما أساسيا من معالمها.

وهذا التضامن الذي نشير إليه يجب ألا يظل لغة نلوكها ونتشدق بها في المناسبات، أو شعارا مفرغا من أية مضامين. وإذا لم يترجم هذا الشعار إلى واقع عملي في مثل هذه الظروف فما هي الحاجة إليه بعد ذلك؟.

إن التضامن العربي بمفهومه الفاعل هو الحد الأدنى من التعبير عن الانتماء القومي، وإذا لم يتحقق قدر معين من التنسيق وتفعيل مؤسسات العمل العربي المشترك فإن احتمال اندثار هذه المؤسسات القائمة كالجامعة العربية وما يتفرع عنها من مؤسسات، اقتصادية وثقافية واجتماعية يصبح واردا، بل وقريبا في ظل حالة التفكك القائمة، وسياسة التفكك وإعادة التركيب الجارية من خلال النظام الشرق أوسطي، أو منظمة دول المتوسط، أو غيرها من المنظومات، والتحاق أو إلحاق الدول العربية بهذه المنظومات لا كوحدة إقليمية وإنما كحالات انفرادية كل حسب موقعها الجغرافي .

ولا يصل بنا الطموح ـ في ظل الظروف الراهنة ـ إلى الدعوة لإقامة الوحدة الاقتصادية العربية في عصر التكتلات الاقتصادية الكبيرة، وإنما ندعو فقط مراعين النزعة القطرية العربية النامية إلى درجة النرجسية عند الحكام العرب، وبخاصة في الكيانات الصغيرة ذات الثروة النفطية إلى :

(1)          إقامة الاتحاد الجمركي العربي

وهي خطوة تسمح باختلاف السياسات الاقتصادية في ما بين الأقطار العربية، ولا تستدعي درجة عالية من وحدة الموقف السياسي، انما تقتضي فقط استشعار المخاطر التي تحملها "السوق الشرق أوسطية" على هوية ومقومات الاقتصاد العربي الراهن. والمقصود بهذا الاتحاد هو وضع الخطوط العامة التي توجه السياسة الاقتصادية للبلاد العربية في علاقتها مع بعضها البعض في ظل الاتحاد الجمركي .

(2)        تطبيق الاتفاقية الموحدة لاستثمار رؤوس الأموال العربية

        وهي الاتفاقية التي أقرتها القمة العربية في عمان نوفمبر (تشرين ثاني) 1980. وتشكل الأحكام الواردة في هذه الاتفاقية الحد الأدنى المرغوب في مجال معاملة رؤوس الأموال والاستثمارات العربية من ضمان حرية انتقال رؤوس الأموال العربية، وتشجيع وتسهيل الاستثمار، دون أن يخضع رأس المال المستثمر لأية تدابير قد تلحق ضررا بأي من أصوله أو احتياطاته أو عوائده، أو تؤدي إلى المصادرة أو الاستيلاء الجبري، أو نزع الملكية أو التأميم أو التصفية.

(3)         تطوير العمل الاقتصادي العربي المشترك

ويتم ذلك من خلال تفعيل دول المجلس الاقتصادي والاجتماعي العربي في الجامعة العربية، وتمكينه من اتخاذ القرارات دون اشتراط الإجماع. وفي هذا المجال، يتم تفعيل مجلس الوحدة الاقتصادية العربية المشتركة وإقامة الاتحاد الجمركي، وأية أشكال أخرى من العمل الاقتصادي العربي المشترك.

(4)        إعادة النظر في مؤسسات العمل الاقتصادي العربي المشترك القائمة حاليا

تضم هذه المؤسسات العديد من المجالس المتخصصة في المجالات المختلفة الصناعية والتجارية، والزراعية، والسياحية، والإسكانية ...الخ. كما تضم العديد من صناديق النقد والتنمية، وهي مؤسسات لم يتعدَ دورها حتى الآن عقد الاجتماعات الدورية، واتخاذ التوصيات ورفعها لمجلس الوحدة الاقتصادية أو المجلس الاقتصادي، وكثيرا ما تكون هذه التوصيات مكررة، أو متعارضة، بحيث تحمل في ذاتها أسباب عدم تنفيذها، فضلا عن تعطلها عند المؤسسات الأعلى التي ترفع إليها بسبب اشتراط الإجماع في هذه المؤسسات، وبسبب النزعة القطرية التي تتحكم في هذه المؤسسات، أو هيمنة دول معينة عليها.

(5)         الانتباه لمشكلة المياه

في ظل التطورات الإقليمية والدولية الراهنة تبرز مشكلة المياه كقضية قد تكون مثار نزاع وتنافس حادين في المنطقة. وبصورة خاصة في حوضي النيل والفرات. وهذا يتطلب إيلاء الأهمية اللازمة لهذا الموضوع، ورفع التنسيق على المستوى العربي فيما يخص مياه النيل ومياه الفرات، والانتباه للتحالفات الجديدة التي تجري صياغتها بين إسرائيل والدول غير العربية الشريكة في هذين الحوضين، تركيا من الشمال، وبعض الدول الإفريقية جنوب السودان. وتنبيه لحظر السياسة الإسرائيلية بالضغط على العرب في المجال المائي من خلال هذه التحالفات.

(6)     التنسيق العربي في مجال العلاقات الخارجية مع التجمعات الاقتصادية الدولية

تقتضي تحديات النظام الشرق أوسطي، إعادة صياغة علاقات المجموعة العربية بالتجمعات الاقتصادية الكبرى الجديدة، "السوق الأوروبية الموحدة"، "مجموعة اقتصاديات بلدان الباسفيك"، بلدان "الفضاء المتوسطي"، وذلك بهدف الحصول على مزايا تفضيلية في مجالات التبادل التجاري، وأتاحت الفرصة للاقتصاديات العربية للمساواة وحرية الحركة، والحد من الدور الإسرائيلي في هذه التجمعات، وتخفيف من القيود والشروط الأمريكية ـ الإسرائيلية على الاقتصاد العربي.

وغني عن القول، أن كل بناء عربي في المجالات السياسية أو الاقتصادية أو الثقافية أو الاجتماعية، يبقى غير ممكن، أو قابل للدمار إذا لم تتوفر القوة العسكرية العربية المتطورة تقنيا، القادرة على الردع وحماية المنجزات. وهي قوة يجب ألا تظل مرتبطة أو مرتهنة للغرب، أو قائمة على بقاء المنطقة العربية ودولها القطرية سوقا لابتياع الأسلحة وتكديسها، بما يستنزف الثروة العربية لحساب قوى التحالف الغربي واقتصادياتها.

ففي إطار استراتيجية موحدة للدفاع العربي، والأمن القومي يمكن بناء قوة عسكرية عربية قائمة على تقنية (تكنولوجيا) عربية متطورة، وهذه يمكن تحقيقها بنفقات أقل كثيرا مما يهدر في مجال التسلح الذي تقوم به الدول العربية منفردة. هذا السلاح الذي لا تتوفر لبعض الدول العربية العناصر اللازمة أو الكفوءة لاستخدامه.

هذا فضلا عن أنه مهما بلغ حجم أو نوع السلاح المكدس في كل بلد على حدة فإنه يبقى عاجزا عن تحقيق الأمن الذاتي لهذا البلد في عصر إنشاء التكتلات الكبرى على المستوى الدولي.

من هنا تبرز أهمية وضرورة النظر إلى الأمن القومي العربي كوحدة واحدة والعمل على تحقيقه.

إن معظم هذه الأفكار تركز على دور المؤسسة العربية الرسمية (الجامعة والدول العربية) ومؤسساتها الفرعية المتخصصة في مجابهة ما يسمى بالنظام الدولي الجديد، وتطبيقاته في منطقتنا من خلال الشرق أوسطية وغيرها من المسميات.

لكن يبقى دور الحركة الشعبية العربية وقواها السياسية والنقابية والمهنية والثقافية والفكرية هو العامل الأكثر حسما في مجابهة هذه التحديات.

وإذا كنا قد أشرنا إلى أهمية إعادة النظر في عمل المؤسسات العربية الرسمية وتطوير أدائها وأنظمتها كشرط ضروري للبقاء أساسا قبل المجابهة، فإن الشيء نفسه ينطبق على الحركة الشعبية العربية التي عليها أن تعيد صياغة برامجها، وإنتاج خطابها وبنيتها التنظيمية والفكرية، وعلاقة تياراتها بعضها ببعض، وفق صيغ تحافظ على أهدافها الاستراتيجية في التحرر والوحدة الإنماء الاقتصادي من جهة تتلاءم مع روح العصر ومتغيراته من جهة أخرى. وهو دور يتحمل العبء الأساسي فيه مثقفو الأمة ومبدعوها ومفكروها .

وفي كل الأحوال، ينبغي ألا يغيب عن الإدراك العربي، أن المواجهة والاستجابة للتحدي العربي الصهيوني، معركة فرضت عليهم ولم يتخيروها، وهي بشكل ما جزء من قدرهم، بحكم موقعهم ومكانتهم في الجغرافيا والتاريخ الإنسانيين، إنه من غير المجدي لهم التهرب من هذا القدر، إلا باختفائهم من ساحة التاريخ.

 

المراجع التي تمت الاستفادة منها

لإنجاز هذه الدراسة

1.    د. أسعد رزوق، الصهيونية وحقوق الإنسان العربي (الجزء الأول)، مركز الأبحاث، منظمة التحرير الفلسطينية بيروت، 1968 ص 138.

2.    رجينا الشريف، (ترجمة أحمد عبد العزيز)، الصهيونية غير اليهودية .. جذورها التاريخية في الغرب، عالم المعرفة، الكويت، ديسمبر 1985.

3.    بدر عبد العاطي، العلاقات الإسرائيلية الأمريكية في ظل الإدارة الأمريكية في ظل الإدارة الأمريكية الجديدة، السياسة الدولية، العدد 111، يناير 1993، ص90 .

4.    موسى جميل الدويك، المستوطنات الإسرائيلية في الأرض العربية المحتلة، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة القاهرة 1992، ص 16ـ18.

5.    د. جورج جبور، الاستعمار الصهيوني في فلسطين في إطار نماذج الاستعمار الاستيطاني، معهد البحوث والدراسات العربية القاهرة 1975، ص12.

6.           د. علي الدين هلال، أمريكا والوحدة العربية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1989، ص52.

7.    محمد السعيد إدريس، الرؤية الأمريكية لإسرائيل، (في) مجموعة من الباحثين، السياسة الأمريكية والعرب، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1982، ص215.

8.    لواء أ. ج أحمد عبد الحليم، الحد من التسلح في مباحثات الشرق الأوسط، المؤتمر السنوي السادس للبحوث السياسية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 5ـ7 ديسمبر 1992، ص22ـ23.

9.           رؤوف سعيد، التعاون الاقتصادي الإقليمي في الشرق الأوسط، المؤتمر السنوي السادس للبحوث السياسية ص8.

10.         شيمون بيريس، عصر جديد لا يطيق المتخلفين ولا يغفر للجهلة، (في) مجموع خبراء

11.   غسان سلامة أمريكا والغرب: تطور السياسة الأمريكية في الوطن العربي، مجلة المستقبل العربي، العدد 29، ويوليو 1981، ص108ـ128.

12.   محمد خالد الأعزر، الغرب وإسرائيل ـ الدوافع الروحية للمساندة، مجلة مستقبل العالم الإسلامي، (ماطا)  العدد 18، شتاء 1996.

13.         محمد خالد الأزعر، نهاية الحرب الباردة ومكانة إسرائيل الإقليمية، مجلة شؤون عربية العدد 76، ديسمبر 1970.

14.   يوسف الحسن، البعد الديني في السياسة الأمريكية تجاه الصراع العربي الصهيوني، رسالة دكتوراه، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة 1988، ص10.

15.   د. عبد الوهاب المسيري، موسوعة المفاهيم والمصطلحات الصهيونية، مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية، القاهرة 1975، ص61.

16.   حسني حداد، الصهيونية المسيحية في أمريكا والعالم الديني في الشرق الأوسط، شؤون فلسطينية، العدد 92/93 تموز/ يوليو ـ آب/ أغسطس 1979، ص184.

17.   د. ماجد الكيالي، النظام الإقليمي في الشرق الأوسط ومفهوم التسوية الأمريكية ـ الإسرائيلية، الفكر الاستراتيجي العربي، العدد 41 تموز/ يوليو 1992، ص75.

18.   جورج قرم، الهدف الأمريكي الأول من الحرب .. أمن إسرائيل، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد5، شتاء 1991، ص64.

19.   محمود عبد الفضيل في ندوة "الوطن العربي والتحديات، الشرق أوسطية، الجديدة" التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت في 12ـ13 تشرين الثاني/ نوفمبر 1993.

   ***

 


موقع عبد الله الحوراني
حقوق الطبع محفوظة