|
|
|
|
|
|
اللاجئون قضية وموقف مقدمـــة: هذا الكتاب لا يؤرخ لقضية اللاجئين الفلسطينيين، ولا يبحث في نشأتها وأسبابها فذلك دور الباحثين والمؤرخين، وقد كتبوا فيه الكثير، ولكنه، من خلال مجموعة المقالات التي يتضمنها، يحاول تسليط الأضواء على أهمية هذه القضية، وموقعها كعنوان أساس للقضية الفلسطينية. كما يحاول لفت الأنظار إلى الأخطار المحدقة بحق اللاجئين في العودة من خلال مفاوضات الحل النهائي للصراع العربي الفلسطيني ـ الإسرائيلي. وفيه تحذير صريح من خطورة التلاعب بحق اللاجئين في العودة أو المقايضة عليه، بالتعويض، أو مبادلته بأي حق آخر من الحقوق الوطنية المشروعة لشعبنا. وتبرز هذه الصفحات، أهمية دور الحركة الجماهيرية الفلسطينية والعربية، في حماية حقوق اللاجئين في العودة. وهي بالمحصلة، ليست أكثر من صرخة استنهاض للدفاع عن حق العودة، والآن، وقبل فوات الأوان. من أجل إبقاء هذه القضية حية، كحق للأجيال حتى ينجزها جيل ما . عبد الله الحورانيغزة : كانون ثاني/ يناير 2001ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من إعلان بلفور إلى إعلان لطفي الخولي لم نكن نعلم أن هناك صلة فكرية تجمع بين صديقنا الأستاذ لطفي الخولي، واللورد آرثر بلفور وزير خارجية بريطانيا الأسبق، وصاحب الوعد المشئوم الذي حمل اسمه، والذي أعطت بموجبه حكومة بريطانيا لليهود سنة 1917 حق إقامة وطن قومي لهم في فلسطين على حساب الشعب العربي الفلسطيني، حتى فاجأنا الأستاذ الخولي، ومن معه فيما يسمى "حركة القاهرة للسلام" ببيان مشترك مع "حركة سلام إسرائيلية مماثلة" يقر فيه ببقاء القدس مدينة موحدة، وبالطبع تحت السيادة الإسرائيلية، وبالتنازل، تبرعاً وكرماً منه، عن حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى أرضهم وممتلكاتهم تنازلاً مطلقاً، وبدون شروط عن أي ادعاءات لاحقة حول اللاجئين، واستعادة حقوق الملكية في أراضي الدولة الأخرى". هكذا بالضبط جاء في بيان السيد الخولي، وإن كان البيان قد تعَطَّف وسمح للاجئين الفلسطينيين أن يستوعبوا في الدولة الفلسطينية ـ إذا قامت ـ وبرر الأستاذ الخولي مواقفه هذه، كالعادة، "بالواقعية التي عليها أن تأخذ في الاعتبار الحقائق التي جرت على أرض الواقع". عند ذلك أدركنا أي صلة تربط بين أفكار السيد الخولي وأفكار اللورد بلفور. كنا نتابع منذ سنوات حركة الأستاذ الخولي التطبيعية مع الجانب الإسرائيلي سواءٌ في المجال الثقافي أو غيره، من مؤتمر كوبنهاغن وبيانه الشهير، إلى زياراته المتعددة "لإسرائيل"، إلى دعواته لتشكيل تحالفات مع أطراف إسرائيلية، إلى غير ذلك من مظاهر التحرك. ومن باب حسن النية، كنا ننظر إلى حركة السيد الخولي ـ مع رفضنا لها ـ على أنها وجهة نظر سيضطر في النهاية للتراجع عنها أمام الرفض الكاسح لأفكاره وتحركاته من المثقفين العرب عامة، ومن مثقفي مصر العربية بشكل خاص. وأمام الرفض المصري الرسمي والشعبي لأشكال التطبيع المختلفة التي تسعى إليها حكومة تل أبيت. بل كان حسن النية يذهب بنا حد القناعة إلى أن السيد الخولي سيكتشف بنفسه الطبيعة العنصرية الصهيونية الغالبة على المجتمع الإسرائيلي والتي تشكل القاعدة الأساسية التي تنطلق منها سياسة الحكومة الإسرائيلية الراهنة، وبالتالي فهو لن يمضي طويلاً قبل أن يكتشف خطر تحركاته وحركاته على الحقوق العربية وليس الفلسطينية وحدها. ولكن يبدو أن الأستاذ لطفي الخولي ذهب بعيداً، وقد أخذته العزة بالإثم، فلم يعد يستمع لكل الدعوات التي أدانت تحركاته، وطالبته بالتوقف، وأصم أذنيه عن كل الدعوات العربية، وحتى الرسمية، التي تطالب بوقف كل أشكال التطبيع العربي الإسرائيلي التي تمت حتى الآن، كما جاء في قرارات القمة العربية السابقة، وكما يجري الآن عند تناول موضوع القمة القادمة. فالأستاذ الخولي بموقفه الجديد "المتطور" أو "المتهور" هذا يؤكد تبنيه لموقف اللورد بلفور الذي أعطى بوعده المعروف "حقاً لا يملكه إلى من لا يستحقه" والسيد الخولي يحذو حذوه فيتصرف في حقوق لا يملكها أحد غير أصحابها، ولا يملك أحد، هو أو غيره حق التصرف بها أو التنازل عنها بل إن السيد الخولي تجرأ على موقف لم يسبقه إليه أي عربي أو فلسطيني حين أعلن في وثيقته المنشورة، عن التنازل عن حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى وطنهم واستعادة أرضهم وممتلكاتهم، وحتى عن حقهم في المطالبة بها. ومن الملفت للنظر أن السيد الخولي تجرأ بموقفه هذا على ما لم تجرؤ عليه اتفاقيات أوسلو، رغم إجحافها وانتقاصها الشديدين للكثير من الحقوق الفلسطينية، فأقصى ما استطاعت اتفاقيات أوسلو أن تقترب منه في موضوع اللاجئين هو أنها أجلت بحث الموضوع إلى مفاوضات الحل النهائي. نظراً لحساسية الموضوع، باعتباره يشكل جوهر القضية الفلسطينية، وأحد العنوانين الرئيسيين للنكبة التي نحيي ذكراها الخمسين هذه الأيام. اغتصاب الأرض وتشريد اللاجئين. بل إن السيد الخولي أفصح عما لم يستطع أن يشير إليه تلميحاً أكثر المهاودين أو المتهاونين في الحقوق الفلسطينية جرأة، أو أكثرهم استعداداً للقبول بالإملاءات الإسرائيلية. اللهم إلا إذا كان السيد الخولي يعلم ما لا نعلمه عما يدبر بالظلام للتفريط بحقوق اللاجئين، وما وثيقته الجريئة هذه إلا بالون اختبار يطلقه لحساب من هم وراءه لمعرفة ردود الفعل، أو لتمرير هذه الأفكار ووضعها في "بورصة" التداول!!! ربما يكون مفيداً أن نذكر السيد الخولي ببعض الحقائق عن قضية اللاجئين قبل أن نثير تساؤلاتنا حول دوافعه وأغراضه. وفي هذا التوقيت بالذات. أولاً: من حيث العدد يشكل اللاجئون الفلسطينيون المقتلعون من أرضهم ما يقرب من ثلثي الشعب الفلسطيني وتحديداً 63.5% وبالأرقام يقترب عددهم من الخمسة ملايين لاجئ. والمسجلون منهم في سجلات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) يتجاوز عددهم 3.6 مليون لاجئ. ثانياً: أما من حيث السكن فيتوزع هؤلاء على البلدان العربية المحيطة بفلسطين ومختلف بلدان العالم. بالإضافة لمن يعيشون لاجئين في وطنهم داخل الضفة الغربية وقطاع غزة. وعدد هؤلاء يتجاوز المليون وربع لاجئ. ففي قطاع غزة وحده الذي يتجاوز عدد سكانه المليون إنسان بقليل يبلغ عدد اللاجئين بين هؤلاء أكثر من 700 ألف إنسان. يسكن نصفهم في ثماني مخيمات. وحوالي نصف لاجئي الضفة يعيشون في تسعة عشر مخيماً. أما مخيماتهم في لبنان والأردن وسوريا فيبلغ عددها اثنان وثلاثون مخيما يعيش فيها أكثر من نصف مليون لاجئ. وكنا نتمنى على صديقنا الأستاذ لطفي أن يجشم نفسه عناء زيارة أحد هذه المخيمات في الضفة أو القطاع خلال زياراته المتكررة "لإسرائيل" ومناطق السلطة الفلسطينية ليطلع على حياة هؤلاء الناس وكيف يعيشون وماذا يقول أطفالنا عن حقهم في وطنهم، وذلك حتى يستقي مواقفه من أهل المصيبة لا من المتسببين فيها ولا من المتعيشين عليها من إسرائيليين وأتباعهم. ثالثاً: أما عن موقف هؤلاء اللاجئين النضالي فكان لهم شرف الدور الأساسي في وضع الثورة وتفجير الانتفاضة. كانت مخيمات الخارج حاضنة الثورة ونارها ووقودها وعنوان استمرارها. وكانت مخيمات الداخل الأب الشرعي والأم الحقيقية للانتفاضة وهم من سوّدوا نهار المحتل وجعلوا بقاءه مستحيلا. وفي حالتي الداخل والخارج، كان شعار العودة لأرضهم وممتلكاتهم هو حافز نضالهم وتضحياتهم. وأود فقط أن أذكر الأستاذ الخولي بالمعارك التي خاضها هؤلاء اللاجئون ضد مشاريع التوطين، وبخاصة في قطاع غزة في عقد الخمسينات. وهو بلا شك يذكر تلك الفترة باعتباره كان قريباً ـ من حيث المكان ـ من قطاع غزة . وإذا كانوا لم يسمحوا لأحد في الماضي أن يسلبهم حقهم في العودة إلى وطنهم وممتلكاتهم. فهم اليوم أشد تمسكاً بهذا الحق، وأكثر استعداداً للدفاع عنه، ولن يسمحوا لأحد أن يتنازل، باسمهم عنه، مهما كانت الصفات التمثيلية التي يحملها، فهم لم يفوضوا أحداً بذلك. ولن تثنيهم عن عزمهم هذا، أو تغريهم بالانصراف عنه أية مسميات، سواءً حملت اسم حكم ذاتي أو سلطة أو حتى دولة إذا كان ثمن ذلك المقايضة على هذه الحقوق أو التفريط بها. رابعاً: عن حق اللاجئين في العودة إلى أرضهم وممتلكاتهم فضلاً عن أنه حق وطني وقومي، للأستاذ الخولي ولكل عربي حق فيه مثلما لنا، وواجبه في الحرص عليه مثل واجبنا، فهو حق شخصي وملكية فردية وجماعية لهؤلاء اللاجئين. فلمعلومات الأستاذ لطفي وجماعته السلامية أن مجموع ممتلكات أهالي الـ 418 قرية ومدينة التي دمرتها "إسرائيل" وطردت سكانها يزيد عن 17 مليون دونم (17 ألف كيلو متر مربع) من أصل 27 ألف كيلومتر مربع هي مساحة فلسطين الطبيعية. أما العشرة آلاف كيلومتر مربع الباقية فهي مساحة الضفة وغزة (5.5 ألف كيلو متر مربع) والأراضي الحكومية غير المسجلة باسم أحد، و1.6 ألف كم هي كل ما تملكه المنظمات اليهودية في فلسطين. وقد ظلت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، منذ النكبة حتى اليوم تتعامل مع أملاك اللاجئين الفلسطينيين على أنها أملاك غائبين، ومازالت مسجلة حتى في دائرة الأراضي الإسرائيلية باسم أصحابها الأصليين، وتدار عن طريق التأجير للمزارعين الإسرائيليين من قبل هيئات إسرائيلية متخصصة. وعلى الصعيد الدولي مازال قرار الأمم المتحدة رقم 194 الصادر في ديسمبر 1948 والقاضي بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة لوطنهم وممتلكاتهم هو القرار الشرعي الدولي الذي يحدد كيفية حل قضية اللاجئين. ولم تتنكر الأمم المتحدة لهذا القرار ولم تتراجع عنه بل تقوم بتأكيده سنوياً بأصوات أغلبية ساحقة في الجمعية العامة. وحتى الولايات المتحدة الأمريكية ظلت تصوت إلى جانب هذا القرار منذ عام 1948 وحتى عام 1994 بعد اتفاقات أوسلو حين صارت تمتنع فقط عن التصويت ـ دون معارضة ـ بحجة أن تصويتها معه قد يؤثر على مباحثات الحل النهائي عند طرح موضوع اللاجئين. فهل يرى الأخ لطفي أن نتقدم للأمم المتحدة بطلب إلغاء القرار رقم 194، وأن نتنازل ـ من أجل خاطره وخاطر جماعته السلامية وأصدقائه السلاميين الإسرائيليين ـ عن حقوقنا في أرضنا وممتلكاتنا تبرعاً لوجه الله لصالح "اليهود الفلاشا الغلابى" وغيرهم من القادمين الجدد لإسرائيل من مختلف بلدان العالم، باعتبارهم أحق منا في الأرض، وحتى نعزز من قدرة إسرائيل "المسكينة" في وجه التهديدات العربية العدوانية!! إن كان الأستاذ الخولي لا يعرف هذه الحقائق، ومع ذلك يتنطح لمثل هذه القضية الصعبة والمعقدة، ويستسهل طرح أفكاره "النيرة" بهذه البساطة، فتلك مصيبة. وإن كان يعرفها، ومع ذلك يمضي في أطروحاته وتحركاته، فالمصيبة أعظم. وهنا يعظم السؤال؟ ترى ما الذي دفع بالسيد الخولي وجماعته للقفز إلى هذه القضية بالذات. وهي آخر قضايا الصراع في أجندة البحث، رغم أنها أم القضايا من حيث الأهمية، وعليها يتوقف مستقبل عملية السلام بأسرها في المنطقة!! وهل أوحى له أحد بهذه الأفكار ؟؟ ومن هو؟ إن كان فلسطينياً فصدقني يا أخي لطفي أنه خدعك، ولم يكن أميناً على قضية شعبه ولا عليك. وإن كان إسرائيليا فقد جرّك إلى موقع لا نريده لك، ووصمك بما ليس فيك وما ننزهك عنه. وعسى أن تخرج من المصيدة التي نصبوها لك. * * * * * * حديث اللاجئين والذكرى الواحدة والخمسون لنكبتهم يقول المتنبي، في وصف الحمى التي أصابته، وكيف كانت تأتيه في مواعيد ثابتة على رغم كرهه لمجيئها: وزائرتي كـأن بها حيـاءٌ \فليس تزور إلا في الظلام أراقب وقتها من غير شوق \مراقبة المشوق المستهـام ويصدق وعدها والصدق شر \إذا ألقاك في الكرب العظام وذكرى النكبة، كحمى المتنبي، تأتينا سنوياً في موعدها الثابت، على غير شوق إليها. فهي تمثل لنا عنوانين يجسدان المأساة الفلسطينية بكاملها. استلاب الأرض، وتهجير الشعب. وإذا كانت الأرض ظلت راسخة في مكانها لأنهم لم يستطيعوا ترحيلها، ولكنهم حرَّموا علينا حتى رويتها، فإن قضية اللاجئين التي تتجسد أمامنا بشكل خاص في مخيمات الداخل والشتات، ظلت الشاهد الحيّ الذي يذكر بالنكبة. وهي شواهد ليست كشواهد القبور التي تؤشر على موت أصحابها، وإنما هي شواهد من لحم ودم، تنبض بالحياة، وتتطلع للعودة إلى الأرض التي لم تمت، ولم ترحل، ولم تنكر أصحابها، رغم طول الغياب. وعلى مدى سنوات الغياب، شكل الترابط بين قضيتي الأرض واللاجئين أساس البرنامج الوطني لمنظمة التحرير الفلسطينية، ولمجمل أطراف حركة التحرر الوطني الفلسطينية، وكان النضال لتحرير الأرض، يعني في الوقت نفسه النضال لعودة اللاجئين، والعكس صحيح أيضاً. وهو ما جعل مخيمات اللجوء في الخارج بؤرة ثورة التحرير ومنطلقها وحاضنتها، ووقودها. مثلما كانت مخيمات اللجوء في الداخل، لاحقاً، عنواناً لانتفاضة الخلاص من الاحتلال، وصاحبة الرصيد الأكبر في المعاناة والتضحيات. ولذلك، تظل قضية اللاجئين هي العنوان الأبرز للنكبة، وهي أيضاً عنوان استمرار قضية عودة الأرض، أو العودة إليها. ويُخطئ من يتوهم أن بإمكانه أن يصنع سلاماً، أو يضمن الدوام لأية تسوية يجري التفاوض عليها إذا تم القفز عن هذه القضية، أو جرى التواطؤ عليها أو التنازل فيها. وحتى قضية الدولة، وبرغم الأحلام أو الأوهام التي تنسج حولها، لا تشكل إغراء لديهم لصرف النظر عن قضية العودة، ولا تتقدم أو تتفوق عليها في الأولويات. وتأخذ ذكرى النكبة هذا العام بعداً أكثر أهمية، كونها تأتي مع اقتراب مفاوضات الحل الدائم التي تتناول قضايا المرحلة النهائية وفي مقدمتها قضية اللاجئين. وقد يكون من المفيد التأكيد على مجموعة من الثوابت الوطنية حتى لا ينساها أو يتناساها أحد، فيقع في المحظور. وعندها لن ترحمه ذاكرة الشعب التي لا تنسى، ولا تموت. أولاً ـ إن مفهوم العودة، هو عودة اللاجئين إلى أرضهم وممتلكاتهم التي انتزعت منهم وأبعدوا عنها عام 1948. وليس عودة لاجئ الشتات إلى مناطق السلطة الوطنية، أو الدولة الفلسطينية فيما لو قامت. فمثل هذا التحوير في مفهوم العودة، يجري الترويج له في دوائر معينة، بهدف جعله بديلاً لحق العودة بمفهومه الأساسي. ثانياً ـ إن حق اللاجئين في العودة إلى أرضهم وممتلكاتهم، فضلاً عن أنه حق وطني وقومي، فهو حق شخصي وملكية فردية وجماعية لهم ولأجيالهم اللاحقة لا يملك أحد غيرهم حق التصرف فيها أو التنازل عنها، أو المقايضة عليها مهما كانت الصفة التمثيلية التي يحملها. فهم لم يفوضوا أحداً بذلك. وإذا كانوا قد نجحوا في الماضي في إسقاط كل مشاريع التوطين منذ بدأت فكرتها في سنوات الخمسين الأولى، فهم اليوم أشد تمسكاً بحقوقهم، وأكثر استعداداً للدفاع عنها. ثالثاً ـ إن قراري الجمعية العامة للأمم المتحدة (181) لعام 1947 و(194) لعام 1948 مازالا يشكلان الأساس الدولي الذي يحفظ حقوق اللاجئين في أرضهم وممتلكاتهم والعودة إليها. وهذان القراران لم يلغيا من المجتمع الدولي، ولم يسقطا بالتقادم. بدليل أن القرار (194) مازالت الجمعية العامة للأمم المتحدة تؤكد عليه سنوياً وبأغلبية كبيرة منذ عام 48 وإلى اليوم. وحتى الولايات المتحدة الأمريكية ظلت تصوت إلى جانب هذا القرار حتى عام 1994 حين توقفت وصارت تكتفي بالامتناع عن التصويت. بحجة أن الموضوع أصبح من مشمولات القضايا التي سيجري التفاوض عليها وفق اتفاقيات أوسلو. "وهذا بالطبع أحد الأفضال التي جاءَنا بها اتفاق أوسلو". أما القرار (181)، فقد تأكدت حيويته وصلاحيته، حين استندت إليه دول الاتحاد الأوروبي أخيراً في بيانها الشهير، الذي رفضت فيه الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل. وحين نشير إلى هذين القرارين ندعو إلى التمسك الفعلي بهما، وليس فقط استخدامهما من باب رفع العتب، أو ذراً للرماد في العيون كما قد يفعل أو يتذرع دعاة الواقعية أو من تغريهم المواقع والمناصب. أو من يشعرون بالاسترخاء في أرضهم ومدنهم. رابعاً ـ إن الحديث عن التعويض المادي بديلاً للعودة، هو حديث لا يغري، ولا يجب أن يغري أحداً. وهو ليس أكثر من عملية خداعية لإقناع اللاجئين بقبول التعويض بعد تيئيسهم من إمكانية العودة، واستغلال ظروفهم الاقتصادية الصعبة. ومع ذلك لن يطالهم من هذا التعويض شئ، غير التنازل عن حقهم وأرضهم، وخسارتهم لشرفهم الوطني. ذلك أن هذه التعويضات يجري الحديث منذ الآن عن أوجه التصرف فيها أو المقايضة عليها. فمن جهة تطرح إسرائيل مقابل تعويضات اللاجئين الفلسطينيين، تعويض اليهود الذين هاجروا من البلدان العربية أواخر الأربعينات وأوائل الخمسينات، وتقدم أرقاماً لأعدادهم تعادل أو تقارب أعداد اللاجئين الفلسطينيين عام 1948. وقد تكون النتيجة في ظل موازين القوى القائمة، وشروط الاتفاقات التي تمليها إسرائيل، أن يجري التنازل عن هذه، مقابل تلك. ومن جهة أخرى تتحدث بعض البلدان العربية المضيفة للاجئين عن المليارات التي أنفقتها أو التي ستنفقها على إسكان اللاجئين وإعاشتهم وتأهيلهم. وهي بذلك تمهد للحصول على هذه التعويضات. وفي الحالتين، فإن الخاسر الأكبر هم اللاجئون إذا قبلوا بمبدأ التعويض. خامساً ـ لكن التعويض الذي يتطلع إليه اللاجئون، ويصرون على المطالبة به، مع المحافظة على حقوقهم في أرضهم وممتلكاتهم، هو التعويض عن استثمار إسرائيل لهذه الأراضي والممتلكات على مدى أكثر من نصف قرن. وهي الممتلكات التي ما تزال مسجلة بأسمائهم لدى الدوائر الإسرائيلية، وتستغلها هذه الدوائر كأملاك للغائبين. وفي هذه التعويضات المشروعة ما يكفي لتحسين أحوال اللاجئين، والإنفاق عليهم، إلى أن يتمكنوا من حق العودة. سادساً ـ إن النظرة الإسرائيلية والأمريكية، والغربية عموماً، لقضية اللاجئين تراها من زاوية اقتصادية، وترى حلها في مشروع الشرق أوسطية الاقتصادية الذي تسعى لتحقيقه من خلال عملية التسوية السياسية الجارية. وهي بذلك تتجاهل أن قضية عودة اللاجئين تتصل بشرعية حقوق الإنسان، والقانون الدولي. وبالتالي فإن الحل القائم على الشرق أوسطية الاقتصادية لن تكتب له الديمومة مستقبلاً حتى لو تم تنفيذه قسراً في الوقت الراهن. إن ما يدعو إلى التأكيد على هذه الثوابت هو القلق مما يجري الحديث حوله همساً، أو ما تسربه الدوائر الإسرائيلية من معلومات عن مذكرات تفاهم جرى أو يجري البحث فيها كأساس لمفاوضات الحل النهائي، أو ورشات عمل يعقدها باحثون فلسطينيون وإسرائيليون ودوليون في هذه العاصمة الغربية أو تلك. وكلها تدور حول حل لقضية اللاجئين يقوم على تأهيلهم في أماكن تواجدهم في الشتات أو الداخل، وتطوير أوضاعهم الاقتصادية، وإعطائهم بعض التعويض المعنوي والمادي. وتلغي مسؤولية إسرائيل عن هذه القضية اللهم إلا من اعتراف أو اعتذار معنوي عما وقع لهؤلاء اللاجئين من أذى نتيجة قيام إسرائيل. وفي كل هذه الأفكار يجري تجاهل حق العودة تماماً، بل يجري نفيه، واعتبار كافة الدعاوي والمطالب الفلسطينية المتعلقة بهذه القضية منتهية. إن تمرير مثل هذا الحل يمكّن للاستعمار الصهيوني الاستيطاني في المنطقة العربية، ويُسكِّن جسد الضحية الفلسطينية، بالإكراه، في غير موضعه الصحيح من الجغرافيا والتاريخ. ورد الفعل الفلسطيني والعربي، في حالة كهذه، هو المقاومة. مقاومة هذا الحل، بوسائل كثيرة متاحة الآن، أو يمكن أن تتاح في المستقبل. وإذا كان الوضع العربي الآن بما يعانيه من ضعف وتفكك يشجع أصحاب هذا الحل على استغلال اللحظة التاريخية لتمرير رؤيتهم، فإن الرؤية الشاملة، واسعة الأفق، لا يمكنها أن تتوقف عند اللحظة الراهنة، دون أن ترى المستقبل وتفاعلاته وتغيراته. * * * * * قضية اللاجئين بين المواجهة والوجاهة منذ شقت اتفاقات التسوية طريقها إلى المنطقة، ومع كل يوم مرّ، أقترن فيه التعنت الإسرائيلي بالضعف العربي، كان الشعب العربي الفلسطيني، واللاجئون خصوصاً، يدركون اقتراب الخطر من قضية اللاجئين، وتزداد مخاوفهم عليها. فقد تأكد لهم أن الموقف الإسرائيلي من حقهم في العودة إلى أرضهم وممتلكاتهم يأخذ شكل الرفض القاطع، بينما تتراوح المواقف العربية والفلسطينية بين أحاديث غامضة وغير محدده عن حق العودة، وتصريحات تخلط بين الحق التاريخي والوطني في العودة، وبين استيعابهم في مناطق السلطة الوطنية. وبعض هذه التصريحات ذهب أصحابها إلى التبرع، مسبقاً، وقبل أن تبدأ المفاوضات حول الموضوع، بتطمين الحكومة الإسرائيلية بعدم وجود نية للمطالبة بعودة اللاجئين إلى أراضيهم وممتلكاتهم التي هُجِّروا منها عام 1948. في حين كانت المواقف المعلنة والسرية التي تجزم بالتمسك بحق العودة نادرة، بحيث لا تكاد تسمع أو ترى. بل إن أحد المسؤولين الأمريكيين المعنيين بقضايا التسوية والمفاوضات، تجرأ على الإعلان بأن أحداً لم يطرح هذا المطلب بوضوح في أي مرحلة من مراحل المفاوضات. وقد ترافقت هذه المواقف والتصريحات، بتحركات مشبوهة، تقودها وتنظمها دول أجنبية، ومؤسسات ومنظمات، تسمى نظرياً غير حكومية، تهدف إلى تقديم دراسات ومقترحات تستبعد حق العودة، وتركز على الجوانب الإنسانية المتعلقة بالإسكان والتوطين والتشغيل. هذه المواقف والتصرفات جلبت انتباه اللاجئين بشكل خاص، إلى جدية المخاطر المحدقة بقضيتهم، وحجم المساومات التي تجري عليها. فانطلقت في المخيمات، وفي الأوساط الفلسطينية عامة، حملات واسعة تهدف إلى التنبيه إلى هذه المخاطر، والتأكيد على حق العودة، والتعبئة الشعبية للدفاع عن هذه الحق، وتشكلت اللجان لهذه الغرض في العديد من الأمكنة، داخل الوطن وخارجه. وبات موضوع اللاجئين قضية يومية مطروحة في كل بيت. ربما لم يأخذ هذا العمل الشعبي مداه، وربما لم تكتمل صورته، أو لم يأت على أحسن وجه. ولكنه بالتأكيد كان عملاً ملفتاً للنظر، وفاعلاً ومؤثراً لدى مختلف الأوساط، سواءً الأوساط المعادية التي تتآمر على القضية وتسعى لتصفيتها ـ وقد أشارت إلى خطورته أكثر من جهة رسمية أو صحفية إسرائيلية ـ أو الأوساط العربية والفلسطينية الرسمية التي تتعاطى مع قضية اللاجئين. ولا نبالغ إذا قلنا إن هذه الحركة الشعبية نبهت كل هذه الأطراف إلى الخطأ الذي يقع فيه بعضهم أو كلهم إذا تصور أن قضية اللاجئين يمكن تسويتها أو تصفيتها بالقفز عن حقهم في العودة أو التنازل عنه. وقد يكون من النتائج الأولية التي حققتها أن رفعت من سقف الخطاب السياسي الفلسطيني في هذا المجال، ورفعت من سقف مطالبه التفاوضية المعلنة، وحذرت أصحاب التصريحات المتهاونة حتى خفتت أصواتهم. ويمكن لهذه الحركة، إذا ما أتيح لها أن تأخذ مداها، أن تغدو جبهة عريضة ومنيعة تضم الشعب الفلسطيني ك |