Abdullah  Al-Hourani

 

 

اللاجئون قضية وموقف

مقدمـــة:

هذا الكتاب لا يؤرخ لقضية اللاجئين الفلسطينيين، ولا يبحث في نشأتها وأسبابها فذلك دور الباحثين والمؤرخين، وقد كتبوا فيه الكثير، ولكنه، من خلال مجموعة المقالات التي يتضمنها، يحاول تسليط الأضواء على أهمية هذه القضية، وموقعها كعنوان أساس للقضية الفلسطينية. كما يحاول لفت الأنظار إلى الأخطار المحدقة بحق اللاجئين في العودة من خلال مفاوضات الحل النهائي للصراع العربي الفلسطيني ـ الإسرائيلي. وفيه تحذير صريح من خطورة التلاعب بحق اللاجئين في العودة أو المقايضة عليه، بالتعويض، أو مبادلته بأي حق آخر من الحقوق الوطنية المشروعة لشعبنا.

وتبرز هذه الصفحات، أهمية دور الحركة الجماهيرية الفلسطينية والعربية، في حماية حقوق اللاجئين في العودة. وهي بالمحصلة، ليست أكثر من صرخة استنهاض للدفاع عن حق العودة، والآن، وقبل فوات الأوان. من أجل إبقاء هذه القضية حية، كحق للأجيال حتى ينجزها جيل ما .

    عبد الله الحوراني
      غزة :  كانون ثاني/ يناير 2001

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

من إعلان بلفور إلى إعلان لطفي الخولي

لم نكن نعلم أن هناك صلة فكرية تجمع بين صديقنا الأستاذ لطفي الخولي، واللورد آرثر بلفور وزير خارجية بريطانيا الأسبق، وصاحب الوعد المشئوم الذي حمل اسمه، والذي أعطت بموجبه حكومة بريطانيا لليهود سنة 1917 حق إقامة وطن قومي لهم في فلسطين على حساب الشعب العربي الفلسطيني، حتى فاجأنا الأستاذ الخولي، ومن معه فيما يسمى "حركة القاهرة للسلام" ببيان مشترك مع "حركة سلام إسرائيلية مماثلة" يقر فيه ببقاء القدس مدينة موحدة، وبالطبع تحت السيادة الإسرائيلية، وبالتنازل، تبرعاً وكرماً منه، عن حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى أرضهم وممتلكاتهم تنازلاً مطلقاً، وبدون شروط عن أي ادعاءات لاحقة حول اللاجئين، واستعادة حقوق الملكية في أراضي الدولة الأخرى".

هكذا بالضبط جاء في بيان السيد الخولي، وإن كان البيان قد تعَطَّف وسمح للاجئين الفلسطينيين أن يستوعبوا في الدولة الفلسطينية ـ إذا قامت ـ وبرر الأستاذ الخولي مواقفه هذه، كالعادة، "بالواقعية التي عليها أن تأخذ في الاعتبار الحقائق التي جرت على أرض الواقع".

عند ذلك أدركنا أي صلة تربط بين أفكار السيد الخولي وأفكار اللورد بلفور.

كنا نتابع منذ سنوات حركة الأستاذ الخولي التطبيعية مع الجانب الإسرائيلي سواءٌ في المجال الثقافي أو غيره، من مؤتمر كوبنهاغن وبيانه الشهير، إلى زياراته المتعددة "لإسرائيل"، إلى دعواته لتشكيل تحالفات مع أطراف إسرائيلية، إلى غير ذلك من مظاهر التحرك.

ومن باب حسن النية، كنا ننظر إلى حركة السيد الخولي ـ مع رفضنا لها ـ على أنها وجهة نظر سيضطر في النهاية للتراجع عنها أمام الرفض الكاسح لأفكاره وتحركاته من المثقفين العرب عامة، ومن مثقفي مصر العربية بشكل خاص. وأمام الرفض المصري الرسمي والشعبي لأشكال التطبيع المختلفة التي تسعى إليها حكومة تل أبيت. بل كان حسن النية يذهب بنا حد القناعة إلى أن السيد الخولي سيكتشف بنفسه الطبيعة العنصرية الصهيونية الغالبة على المجتمع الإسرائيلي والتي تشكل القاعدة الأساسية التي تنطلق منها سياسة الحكومة الإسرائيلية الراهنة، وبالتالي فهو لن يمضي طويلاً قبل أن يكتشف خطر تحركاته وحركاته على الحقوق العربية وليس الفلسطينية وحدها.

ولكن يبدو أن الأستاذ لطفي الخولي ذهب بعيداً، وقد أخذته العزة بالإثم، فلم يعد يستمع لكل الدعوات التي أدانت تحركاته، وطالبته بالتوقف، وأصم أذنيه عن كل الدعوات العربية، وحتى الرسمية، التي تطالب بوقف كل أشكال التطبيع العربي الإسرائيلي التي تمت حتى الآن، كما جاء في قرارات القمة العربية السابقة، وكما يجري الآن عند تناول موضوع القمة القادمة. فالأستاذ الخولي بموقفه الجديد "المتطور" أو "المتهور" هذا يؤكد تبنيه لموقف اللورد بلفور الذي أعطى بوعده المعروف "حقاً لا يملكه إلى من لا يستحقه" والسيد الخولي يحذو حذوه فيتصرف في حقوق لا يملكها أحد غير أصحابها، ولا يملك أحد، هو أو غيره حق التصرف بها أو التنازل عنها بل إن السيد الخولي تجرأ على موقف لم يسبقه إليه أي عربي أو فلسطيني حين أعلن في وثيقته المنشورة، عن التنازل عن حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى وطنهم واستعادة أرضهم وممتلكاتهم، وحتى عن حقهم في المطالبة بها.

ومن الملفت للنظر أن السيد الخولي تجرأ بموقفه هذا على ما لم تجرؤ عليه اتفاقيات أوسلو، رغم إجحافها وانتقاصها الشديدين للكثير من الحقوق الفلسطينية، فأقصى ما استطاعت اتفاقيات أوسلو أن تقترب منه في موضوع اللاجئين هو أنها أجلت بحث الموضوع إلى مفاوضات الحل النهائي. نظراً لحساسية الموضوع، باعتباره يشكل جوهر القضية الفلسطينية، وأحد العنوانين الرئيسيين للنكبة التي نحيي ذكراها الخمسين هذه الأيام. اغتصاب الأرض وتشريد اللاجئين. بل إن السيد الخولي أفصح عما لم يستطع أن يشير إليه تلميحاً أكثر المهاودين أو المتهاونين في الحقوق الفلسطينية جرأة، أو أكثرهم استعداداً للقبول بالإملاءات الإسرائيلية. اللهم إلا إذا كان السيد الخولي يعلم ما لا نعلمه عما يدبر بالظلام للتفريط بحقوق اللاجئين، وما وثيقته الجريئة هذه إلا بالون اختبار يطلقه لحساب من هم وراءه لمعرفة ردود الفعل، أو لتمرير هذه الأفكار ووضعها في "بورصة" التداول!!! ‍‍‍‍‍‍

ربما يكون مفيداً أن نذكر السيد الخولي ببعض الحقائق عن قضية اللاجئين قبل أن نثير تساؤلاتنا حول دوافعه وأغراضه. وفي هذا التوقيت بالذات.

أولاً: من حيث العدد يشكل اللاجئون الفلسطينيون المقتلعون من أرضهم ما يقرب من ثلثي الشعب الفلسطيني وتحديداً 63.5% وبالأرقام يقترب عددهم من الخمسة ملايين لاجئ. والمسجلون منهم في سجلات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) يتجاوز عددهم 3.6 مليون لاجئ.

ثانياً: أما من حيث السكن فيتوزع هؤلاء على البلدان العربية المحيطة بفلسطين ومختلف بلدان العالم. بالإضافة لمن يعيشون لاجئين في وطنهم داخل الضفة الغربية وقطاع غزة. وعدد هؤلاء يتجاوز المليون وربع لاجئ. ففي قطاع غزة وحده الذي يتجاوز عدد سكانه المليون إنسان بقليل يبلغ عدد اللاجئين بين هؤلاء أكثر من 700 ألف إنسان.  يسكن نصفهم في ثماني مخيمات. وحوالي نصف لاجئي الضفة يعيشون في تسعة عشر مخيماً. أما مخيماتهم في لبنان والأردن وسوريا فيبلغ عددها اثنان وثلاثون مخيما يعيش فيها أكثر من نصف مليون لاجئ.

وكنا نتمنى على صديقنا الأستاذ لطفي أن يجشم نفسه عناء زيارة أحد هذه المخيمات في الضفة أو القطاع خلال زياراته المتكررة "لإسرائيل" ومناطق السلطة الفلسطينية ليطلع على حياة هؤلاء الناس وكيف يعيشون وماذا يقول أطفالنا عن حقهم في وطنهم، وذلك حتى يستقي مواقفه من أهل المصيبة لا من المتسببين فيها ولا من المتعيشين عليها من إسرائيليين وأتباعهم.

ثالثاً: أما عن موقف هؤلاء اللاجئين النضالي فكان لهم شرف الدور الأساسي في وضع الثورة وتفجير الانتفاضة. كانت مخيمات الخارج حاضنة الثورة ونارها ووقودها وعنوان استمرارها. وكانت مخيمات الداخل الأب الشرعي والأم الحقيقية للانتفاضة وهم من سوّدوا نهار المحتل وجعلوا بقاءه مستحيلا.

وفي حالتي الداخل والخارج، كان شعار العودة لأرضهم وممتلكاتهم هو حافز نضالهم وتضحياتهم.

وأود فقط أن أذكر الأستاذ الخولي بالمعارك التي خاضها هؤلاء اللاجئون ضد مشاريع التوطين، وبخاصة في قطاع غزة في عقد الخمسينات. وهو بلا شك يذكر تلك الفترة باعتباره كان قريباً ـ من حيث المكان ـ من قطاع غزة .

وإذا كانوا لم يسمحوا لأحد في الماضي أن يسلبهم حقهم في العودة إلى وطنهم وممتلكاتهم. فهم اليوم أشد تمسكاً بهذا الحق، وأكثر استعداداً للدفاع عنه، ولن يسمحوا لأحد أن يتنازل، باسمهم عنه، مهما كانت الصفات التمثيلية التي يحملها، فهم لم يفوضوا أحداً بذلك. ولن تثنيهم عن عزمهم هذا، أو تغريهم بالانصراف عنه أية مسميات، سواءً حملت اسم حكم ذاتي أو سلطة أو حتى دولة إذا كان ثمن ذلك المقايضة على هذه الحقوق أو التفريط بها.

رابعاً: عن حق اللاجئين في العودة إلى أرضهم وممتلكاتهم فضلاً عن أنه حق وطني وقومي، للأستاذ الخولي ولكل عربي حق فيه مثلما لنا، وواجبه في الحرص عليه مثل واجبنا، فهو حق شخصي وملكية فردية وجماعية لهؤلاء اللاجئين. فلمعلومات الأستاذ لطفي وجماعته السلامية أن مجموع ممتلكات أهالي الـ 418 قرية ومدينة التي دمرتها "إسرائيل" وطردت سكانها يزيد عن 17 مليون دونم (17 ألف كيلو متر مربع) من أصل 27 ألف كيلومتر مربع هي مساحة فلسطين الطبيعية.

أما العشرة آلاف كيلومتر مربع الباقية فهي مساحة الضفة وغزة (5.5 ألف كيلو متر مربع) والأراضي الحكومية غير المسجلة باسم أحد، و1.6 ألف كم هي كل ما تملكه المنظمات اليهودية في فلسطين.

وقد ظلت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، منذ النكبة حتى اليوم تتعامل مع أملاك اللاجئين الفلسطينيين على أنها أملاك غائبين، ومازالت مسجلة حتى في دائرة الأراضي الإسرائيلية باسم أصحابها الأصليين، وتدار عن طريق التأجير للمزارعين الإسرائيليين من قبل هيئات إسرائيلية متخصصة.

وعلى الصعيد الدولي مازال قرار الأمم المتحدة رقم 194 الصادر في ديسمبر 1948 والقاضي بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة لوطنهم وممتلكاتهم هو القرار الشرعي الدولي الذي يحدد كيفية حل قضية اللاجئين. ولم تتنكر الأمم المتحدة لهذا القرار ولم تتراجع عنه بل تقوم بتأكيده سنوياً بأصوات أغلبية ساحقة في الجمعية العامة.

وحتى الولايات المتحدة الأمريكية ظلت تصوت إلى جانب هذا القرار منذ عام 1948 وحتى عام 1994 بعد اتفاقات أوسلو حين صارت تمتنع فقط عن التصويت ـ دون    معارضة ـ بحجة أن تصويتها معه قد يؤثر على مباحثات الحل النهائي عند طرح موضوع اللاجئين.

فهل يرى الأخ لطفي أن نتقدم للأمم المتحدة بطلب إلغاء القرار رقم 194، وأن نتنازل ـ من أجل خاطره وخاطر جماعته السلامية وأصدقائه السلاميين الإسرائيليين ـ عن حقوقنا في أرضنا وممتلكاتنا تبرعاً لوجه الله لصالح "اليهود الفلاشا الغلابى" وغيرهم من القادمين الجدد لإسرائيل من مختلف بلدان العالم، باعتبارهم أحق منا في الأرض، وحتى نعزز من قدرة إسرائيل "المسكينة" في وجه التهديدات العربية العدوانية!!

إن كان الأستاذ الخولي لا يعرف هذه الحقائق، ومع ذلك يتنطح لمثل هذه القضية الصعبة والمعقدة، ويستسهل طرح أفكاره "النيرة" بهذه البساطة، فتلك مصيبة.

وإن كان يعرفها، ومع ذلك يمضي في أطروحاته وتحركاته، فالمصيبة أعظم. وهنا يعظم السؤال؟

ترى ما الذي دفع بالسيد الخولي وجماعته للقفز إلى هذه القضية بالذات. وهي آخر قضايا الصراع في أجندة البحث، رغم أنها أم القضايا من حيث الأهمية، وعليها يتوقف مستقبل عملية السلام بأسرها في المنطقة!! وهل أوحى له أحد بهذه الأفكار ؟؟ ومن هو؟

إن كان فلسطينياً فصدقني يا أخي لطفي أنه خدعك، ولم يكن أميناً على قضية شعبه ولا عليك.

وإن كان إسرائيليا فقد جرّك إلى موقع لا نريده لك، ووصمك بما ليس فيك وما ننزهك عنه. وعسى أن تخرج من المصيدة التي نصبوها لك.

 * * * * * *

حديث اللاجئين والذكرى الواحدة والخمسون لنكبتهم

يقول المتنبي، في وصف الحمى التي أصابته، وكيف كانت تأتيه في مواعيد ثابتة على رغم كرهه لمجيئها:

وزائرتي كـأن بها حيـاءٌ      \فليس تزور إلا في الظلام

أراقب وقتها من غير شوق      \مراقبة المشوق المستهـام

ويصدق وعدها والصدق شر  \إذا ألقاك في الكرب العظام

وذكرى النكبة، كحمى المتنبي، تأتينا سنوياً في موعدها الثابت، على غير شوق إليها. فهي تمثل لنا عنوانين يجسدان المأساة الفلسطينية بكاملها. استلاب الأرض، وتهجير الشعب.

وإذا كانت الأرض ظلت راسخة في مكانها لأنهم لم يستطيعوا ترحيلها، ولكنهم حرَّموا علينا حتى رويتها، فإن قضية اللاجئين التي تتجسد أمامنا بشكل خاص في مخيمات الداخل والشتات، ظلت الشاهد الحيّ الذي يذكر بالنكبة. وهي شواهد ليست كشواهد القبور التي تؤشر على موت أصحابها، وإنما هي شواهد من لحم ودم، تنبض بالحياة، وتتطلع للعودة إلى الأرض التي لم تمت، ولم ترحل، ولم تنكر أصحابها، رغم طول الغياب.

وعلى مدى سنوات الغياب، شكل الترابط بين قضيتي الأرض واللاجئين أساس البرنامج الوطني لمنظمة التحرير الفلسطينية، ولمجمل أطراف حركة التحرر الوطني الفلسطينية، وكان النضال لتحرير الأرض، يعني في الوقت نفسه النضال لعودة اللاجئين، والعكس صحيح أيضاً. وهو ما جعل مخيمات اللجوء في الخارج بؤرة ثورة التحرير ومنطلقها وحاضنتها، ووقودها. مثلما كانت مخيمات اللجوء في الداخل، لاحقاً، عنواناً لانتفاضة الخلاص من الاحتلال، وصاحبة الرصيد الأكبر في المعاناة والتضحيات.

ولذلك، تظل قضية اللاجئين هي العنوان الأبرز للنكبة، وهي أيضاً عنوان استمرار قضية عودة الأرض، أو العودة إليها. ويُخطئ من يتوهم أن بإمكانه أن يصنع سلاماً، أو يضمن الدوام لأية تسوية يجري التفاوض عليها إذا تم القفز عن هذه القضية، أو جرى التواطؤ عليها أو التنازل فيها. وحتى قضية الدولة، وبرغم الأحلام أو الأوهام التي تنسج حولها، لا تشكل إغراء لديهم لصرف النظر عن قضية العودة، ولا تتقدم أو تتفوق عليها في الأولويات.

وتأخذ ذكرى النكبة هذا العام بعداً أكثر أهمية، كونها تأتي مع اقتراب مفاوضات الحل الدائم التي تتناول قضايا المرحلة النهائية وفي مقدمتها قضية اللاجئين.

وقد يكون من المفيد التأكيد على مجموعة من الثوابت الوطنية حتى لا ينساها أو يتناساها أحد، فيقع في المحظور. وعندها لن ترحمه ذاكرة الشعب التي لا تنسى، ولا تموت.

أولاً ـ إن مفهوم العودة، هو عودة اللاجئين إلى أرضهم وممتلكاتهم التي انتزعت منهم وأبعدوا عنها عام 1948. وليس عودة لاجئ الشتات إلى مناطق السلطة الوطنية، أو الدولة الفلسطينية فيما لو قامت. فمثل هذا التحوير في مفهوم العودة، يجري الترويج له في دوائر معينة، بهدف جعله بديلاً لحق العودة بمفهومه الأساسي.

ثانياً ـ إن حق اللاجئين في العودة إلى أرضهم وممتلكاتهم، فضلاً عن أنه حق وطني وقومي، فهو حق شخصي وملكية فردية وجماعية لهم ولأجيالهم اللاحقة لا يملك أحد غيرهم حق التصرف فيها أو التنازل عنها، أو المقايضة عليها مهما كانت الصفة التمثيلية التي يحملها. فهم لم يفوضوا أحداً بذلك.

وإذا كانوا قد نجحوا في الماضي في إسقاط كل مشاريع التوطين منذ بدأت فكرتها في سنوات الخمسين الأولى، فهم اليوم أشد تمسكاً بحقوقهم، وأكثر استعداداً للدفاع عنها.

ثالثاً ـ إن قراري الجمعية العامة للأمم المتحدة (181) لعام 1947 و(194) لعام 1948 مازالا يشكلان الأساس الدولي الذي يحفظ حقوق اللاجئين في أرضهم وممتلكاتهم والعودة إليها. وهذان القراران لم يلغيا من المجتمع الدولي، ولم يسقطا بالتقادم. بدليل أن القرار (194) مازالت الجمعية العامة للأمم المتحدة تؤكد عليه سنوياً وبأغلبية كبيرة منذ عام 48 وإلى اليوم. وحتى الولايات المتحدة الأمريكية ظلت تصوت إلى جانب هذا القرار حتى عام 1994 حين توقفت وصارت تكتفي بالامتناع عن التصويت. بحجة أن الموضوع أصبح من مشمولات القضايا التي سيجري التفاوض عليها وفق اتفاقيات أوسلو. "وهذا بالطبع أحد الأفضال التي جاءَنا بها اتفاق أوسلو".

أما القرار (181)، فقد تأكدت حيويته وصلاحيته، حين استندت إليه دول الاتحاد الأوروبي أخيراً في بيانها الشهير، الذي رفضت فيه الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل.

وحين نشير إلى هذين القرارين ندعو إلى التمسك الفعلي بهما، وليس فقط استخدامهما من باب رفع العتب، أو ذراً للرماد في العيون كما قد يفعل أو يتذرع دعاة الواقعية أو من تغريهم المواقع والمناصب. أو من يشعرون بالاسترخاء في أرضهم ومدنهم.

رابعاً ـ إن الحديث عن التعويض المادي بديلاً للعودة، هو حديث لا يغري، ولا يجب أن يغري أحداً. وهو ليس أكثر من عملية خداعية لإقناع اللاجئين بقبول التعويض بعد تيئيسهم من إمكانية العودة، واستغلال ظروفهم الاقتصادية الصعبة. ومع ذلك لن يطالهم من هذا التعويض شئ، غير التنازل عن حقهم وأرضهم، وخسارتهم لشرفهم الوطني. ذلك أن هذه التعويضات يجري الحديث منذ الآن عن أوجه التصرف فيها أو المقايضة عليها. فمن جهة تطرح إسرائيل مقابل تعويضات اللاجئين الفلسطينيين، تعويض اليهود الذين هاجروا من البلدان العربية أواخر الأربعينات وأوائل الخمسينات، وتقدم أرقاماً لأعدادهم تعادل أو تقارب أعداد اللاجئين الفلسطينيين عام 1948. وقد تكون النتيجة في ظل موازين القوى القائمة، وشروط الاتفاقات التي تمليها إسرائيل، أن يجري التنازل عن هذه، مقابل تلك.

ومن جهة أخرى تتحدث بعض البلدان العربية المضيفة للاجئين عن المليارات التي أنفقتها أو التي ستنفقها على إسكان اللاجئين وإعاشتهم وتأهيلهم. وهي بذلك تمهد للحصول على هذه التعويضات. وفي الحالتين، فإن الخاسر الأكبر هم اللاجئون إذا قبلوا بمبدأ التعويض.

خامساً ـ لكن التعويض الذي يتطلع إليه اللاجئون، ويصرون على المطالبة به، مع المحافظة على حقوقهم في أرضهم وممتلكاتهم، هو التعويض عن استثمار إسرائيل لهذه الأراضي والممتلكات على مدى أكثر من نصف قرن. وهي الممتلكات التي ما تزال مسجلة بأسمائهم لدى الدوائر الإسرائيلية، وتستغلها هذه الدوائر كأملاك للغائبين. وفي هذه التعويضات المشروعة ما يكفي لتحسين أحوال اللاجئين، والإنفاق عليهم، إلى أن يتمكنوا من حق العودة.

سادساً ـ إن النظرة الإسرائيلية والأمريكية، والغربية عموماً، لقضية اللاجئين تراها من زاوية اقتصادية، وترى حلها في مشروع الشرق أوسطية الاقتصادية الذي تسعى لتحقيقه من خلال عملية التسوية السياسية الجارية. وهي بذلك تتجاهل أن قضية عودة اللاجئين تتصل بشرعية حقوق الإنسان، والقانون الدولي. وبالتالي فإن الحل القائم على الشرق أوسطية الاقتصادية لن تكتب له الديمومة مستقبلاً حتى لو تم تنفيذه قسراً في الوقت الراهن.

إن ما يدعو إلى التأكيد على هذه الثوابت هو القلق مما يجري الحديث حوله همساً، أو ما تسربه الدوائر الإسرائيلية من معلومات عن مذكرات تفاهم جرى أو يجري البحث فيها كأساس لمفاوضات الحل النهائي، أو ورشات عمل يعقدها باحثون فلسطينيون وإسرائيليون ودوليون في هذه العاصمة الغربية أو تلك. وكلها تدور حول حل لقضية اللاجئين يقوم على تأهيلهم في أماكن تواجدهم في الشتات أو الداخل، وتطوير أوضاعهم الاقتصادية، وإعطائهم بعض التعويض المعنوي والمادي. وتلغي مسؤولية إسرائيل عن هذه القضية اللهم إلا من اعتراف أو اعتذار معنوي عما وقع لهؤلاء اللاجئين من أذى نتيجة قيام إسرائيل.

وفي كل هذه الأفكار يجري تجاهل حق العودة تماماً، بل يجري نفيه، واعتبار كافة الدعاوي والمطالب الفلسطينية المتعلقة بهذه القضية منتهية.

إن تمرير مثل هذا الحل يمكّن للاستعمار الصهيوني الاستيطاني في المنطقة العربية، ويُسكِّن جسد الضحية الفلسطينية، بالإكراه، في غير موضعه الصحيح من الجغرافيا والتاريخ. ورد الفعل الفلسطيني والعربي، في حالة كهذه، هو المقاومة. مقاومة هذا الحل، بوسائل كثيرة متاحة الآن، أو يمكن أن تتاح في المستقبل.

وإذا كان الوضع العربي الآن بما يعانيه من ضعف وتفكك يشجع أصحاب هذا الحل على استغلال اللحظة التاريخية لتمرير رؤيتهم، فإن الرؤية الشاملة، واسعة الأفق، لا يمكنها أن تتوقف عند اللحظة الراهنة، دون أن ترى المستقبل وتفاعلاته وتغيراته. 

 * * * * *

قضية اللاجئين بين المواجهة والوجاهة

منذ شقت اتفاقات التسوية طريقها إلى المنطقة، ومع كل يوم مرّ، أقترن فيه التعنت الإسرائيلي بالضعف العربي، كان الشعب العربي الفلسطيني، واللاجئون خصوصاً، يدركون اقتراب الخطر من قضية اللاجئين، وتزداد مخاوفهم عليها. فقد تأكد لهم أن الموقف الإسرائيلي من حقهم في العودة إلى أرضهم وممتلكاتهم يأخذ شكل الرفض القاطع، بينما تتراوح المواقف العربية والفلسطينية بين أحاديث غامضة وغير محدده عن حق العودة، وتصريحات تخلط بين الحق التاريخي والوطني في العودة، وبين استيعابهم في مناطق السلطة الوطنية. وبعض هذه التصريحات ذهب أصحابها إلى التبرع، مسبقاً، وقبل أن تبدأ المفاوضات حول الموضوع، بتطمين الحكومة الإسرائيلية بعدم وجود نية للمطالبة بعودة اللاجئين إلى أراضيهم وممتلكاتهم التي هُجِّروا منها عام 1948. في حين كانت المواقف المعلنة والسرية التي تجزم بالتمسك بحق العودة نادرة، بحيث لا تكاد تسمع أو ترى. بل إن أحد المسؤولين الأمريكيين المعنيين بقضايا التسوية والمفاوضات، تجرأ على الإعلان بأن أحداً لم يطرح هذا المطلب بوضوح في أي مرحلة من مراحل المفاوضات. وقد ترافقت هذه المواقف والتصريحات، بتحركات مشبوهة، تقودها وتنظمها دول أجنبية، ومؤسسات ومنظمات، تسمى نظرياً غير حكومية، تهدف إلى تقديم دراسات ومقترحات تستبعد حق العودة، وتركز على الجوانب الإنسانية المتعلقة بالإسكان والتوطين والتشغيل.

هذه المواقف والتصرفات جلبت انتباه اللاجئين بشكل خاص، إلى جدية المخاطر المحدقة بقضيتهم، وحجم المساومات التي تجري عليها. فانطلقت في المخيمات، وفي الأوساط الفلسطينية عامة، حملات واسعة تهدف إلى التنبيه إلى هذه المخاطر، والتأكيد على حق العودة، والتعبئة الشعبية للدفاع عن هذه الحق، وتشكلت اللجان لهذه الغرض في العديد من الأمكنة، داخل الوطن وخارجه. وبات موضوع اللاجئين قضية يومية مطروحة في كل بيت.

ربما لم يأخذ هذا العمل الشعبي مداه، وربما لم تكتمل صورته، أو لم يأت على أحسن وجه. ولكنه بالتأكيد كان عملاً ملفتاً للنظر، وفاعلاً ومؤثراً لدى مختلف الأوساط، سواءً الأوساط المعادية التي تتآمر على القضية وتسعى لتصفيتها ـ وقد أشارت إلى خطورته أكثر من جهة رسمية أو صحفية إسرائيلية ـ أو الأوساط العربية والفلسطينية الرسمية التي تتعاطى مع قضية اللاجئين. ولا نبالغ إذا قلنا إن هذه الحركة الشعبية نبهت كل هذه الأطراف إلى الخطأ الذي يقع فيه بعضهم أو كلهم إذا تصور أن قضية اللاجئين يمكن تسويتها أو تصفيتها بالقفز عن حقهم في العودة أو التنازل عنه. وقد يكون من النتائج الأولية التي حققتها أن رفعت من سقف الخطاب السياسي الفلسطيني في هذا المجال، ورفعت من سقف مطالبه التفاوضية المعلنة، وحذرت أصحاب التصريحات المتهاونة حتى خفتت أصواتهم. ويمكن لهذه الحركة، إذا ما أتيح لها أن تأخذ مداها، أن تغدو جبهة عريضة ومنيعة تضم الشعب الفلسطيني كله، ويحتمي بها المفاوض الفلسطيني ويستند إليها إذا قرر الصمود في وجه الغطرسة الإسرائيلية والأمريكية.

في هذه الأجواء التي عمقت الوعي بقضية اللاجئين، وربما بنتيجتها، طالعتنا بعض الصحف الفلسطينية والعربية قبل أيام بإعلان وثيقة تحمل عنوان "تأكيد حق الشعب الفلسطيني بالعودة والتعويض" والدعوة إلى توقيع هذه الوثيقة، وتشكيل لجنة من بعض الشخصيات الوطنية الفلسطينية، سُميت اللجنة الراعية لهذا الإعلان.

ومن منطلق الحرص على قضية اللاجئين التي تشكل مع الأرض جوهر القضية الفلسطينية، وعنوانها الرئيسي، وكمواطن عربي فلسطيني، عُرف عنه في أوساط شعبه أنه معني ـ ولو قليلا ـ بقضية اللاجئين، أشير إلى أن الوثيقة أو الإعلان تعبر ـ بصدق ـ وبشمولية عن حقوق اللاجئين الفلسطينيين وتطلعاتهم وفهم عميق لها. لكني أتوقف عند اللجنة التي سميت راعية لهذه الوثيقة. فمع كل التقدير والاحترام للشخصيات الوطنية التي تشكلت منها اللجنة، وهي أسماء لها مكانتها ودورها في الحياة الفلسطينية، إلا أنني لم أصل إلى القصد من صفة الرعاية التي أطلقت عليها، ومن أطلقها، ولا مصدر التفويض بهذه الرعاية. وفي حدود معرفتي المتواضعة، ومتابعتي شبه اليومية لهذه القضية، وانشغالي بها، لاحظت غياباً كلياً لممثلي الحركة الشعبية في المخيمات ولجانها عن هذه اللجنة الراعية، في الوقت الذي ضمت العديد من الشخصيات التي لم يلحظ لها نشاط فعال في هذا المجال، حيث أن نشاطها مكرس في جوانب وطنية أخرى من القضية الفلسطينية، سياسية وثقافية. وهذا يعني أنها ليست على تماس مباشر، أو في تواصل يومي مع الحياة الاجتماعية، والأنشطة الثقافية والسياسية التي تدور في أوساط المخيمات واللاجئين عموماً. مما يضعف من قدرتها على إعطاء الوثيقة زخمها الشعبي الذي تستحقه وتحتاجه. كما أن ضعف صلتها بحركة المخيمات والناشطين فيها، يفقدها الآلية المطلوبة لتبني الوثيقة، والتفاعل الشعبي معها والاستقطاب الجماهيري حولها، وجمع ملايين التوقيعات عليها كما يراد لها. ويؤثر بالتالي في الهدف الذي صيغت من أجله، وهو التأثير في البعدين المحلي والدولي.

فقضية اللاجئين لا يمكن التعاطي معها بالمراسلة، ولا عبر الإعلان، أو توجيه النداءات فقط . وهي أخطر كثيراً من أن يتم التعامل معها بجهد ثانوي أو في الوقت الإضافي. إنها قضية مواجهة، وغوص في أعماق الحياة اليومية للاجئين، ومعايشة متواصلة لمعاناتهم وهمومهم الحياتية والسياسية. ومن هذا الواقع تُستنبط الأفكار، وتصاغ المواقف وتتصلب.

وحين أعطي الأولوية للحركة الجماهيرية، وأركز عليها فلأن قضية اللاجئين تحيا أو تموت في المخيمات أولاً. بل إن القضية الفلسطينية كلها تحيا أو تموت في هذه المخيمات. وتاريخ القضية، منذ التظاهرات الشعبية التي أسقطت مشاريع التوطين في أواسط الخمسينات، إلى انطلاقة الثورة الفلسطينية في الخارج أواسط الستينات، إلى انتفاضة الداخل في النصف الثاني من الثمانينات، يشهد أن جماهير اللاجئين كانت في مقدمة صفوف شعبها العربي الفلسطيني تضحية وعطاءً، وشعلة حالت دون تحول القضية الفلسطينية إلى رماد.

وطالما أن مصير القضية يقرره الجهد المبذول على أرضها وبين جماهيرها بالدرجة الأولى، وهو الذي يعطي أي توجه نحو الساحة الدولية بعده وقيمته. فإن أي زرع يراد له أن يثمر يجب أن يغرس في التربة المناسبة له. وتختار له البذور الأكثر حيوية وقدرة على النماء، وتتولى رعايته سقاية، وجهداً، أياد لا تعرف الكلل. وأشخاص يمارسون عملهم تحدياً ومواجهة يومية.

 * * * * *

عودة الأرض، وعودة اللاجئين ... قضية واحدة

بينما يجلس المفاوضون الفلسطينيون على طاولة المفاوضات في واشنطن، ليرسموا مع نظرائهم الإسرائيليين، وبرعاية مضيفيهم الأمريكيين، ملامح ما يسمى بالحل النهائي، أو ليضعوا إطاراً له. قد يكون من المفيد تذكيرهم بمجموعة من الثوابت التي لا يجب نسيانها، فالذكرى، كما نعلم، ويعلمون، تنفع المؤمنين.

أولاً : إذا كانت الأرض العربية الفلسطينية ظلت راسخة في مكانها، لأن الاحتلال لم يستطع ترحيلها. فقد ظل الحنين للعودة إليها مجسداً في شاهد حي تمثله مخيمات الداخل والشتات، وهي شواهد ليست كشواهد القبور التي تؤشر على موت أصحابها، وإنما هي شواهد من لحم ودم، تنبض بالحياة، وتتطلع للعودة إلى الأرض التي لم تمت، ولم ترحل، ولم تنكر أصحابها رغم طول الغياب. ولذلك فإن مفهوم العودة، هو عودة اللاجئين إلى أرضهم وممتلكاتهم التي انتزعت منهم، وابعدوا عنها عام 1948، وليس عودة لاجئي الشتات إلى مناطق السلطة الوطنية أو الدولة الفلسطينية فيما لو قامت، فمثل هذا التحوير في مفهوم العودة يهدف إلى جعله بديلاً لحق العودة بمفهومه الأساسي، ويدخل في سياق مشاريع التوطين التي يجري الترويج لها، كما أنه يسقط منذ البداية حق لاجئي الداخل في العودة، باعتبارهم مقيمين داخل حدود الوطن في الضفة والقطاع. كما يستثني حق المهجرين في وطنهم، من أبناء الجليل والمثلث والنقب واللد والرملة ويافا، المحرومين والمبعدين من أراضيهم وممتلكاتهم، مع أنهم يعيشون حولها في هذه المناطق. وهؤلاء يبلغ عددهم ربع مليون عربي فلسطيني من أصل مليون، يعيشون داخل فلسطين المحتلة (إسرائيل) .

ثانيا: إن حقنا في العودة ليس منحة أو منّةً من الشرعية الدولية، فهو حق تاريخي ثابت وسابق لوجود الأمم المتحدة وعصبة الأمم، وسابق تاريخيا لوجود إسرائيل والحركة الصهيونية وحتى الولايات المتحدة الأمريكية، وهو حق لا جدال فيه ولا تفاوض عليه. وإنما يكون التفاوض على كيفية تطبيقه. والإشارة لقرارات الأمم المتحدة هي فقط للتسلح بموقف المجتمع الدولي الذي أقر به، ولمحاججة الخصوم الذين ينكرونه، وللربط بين قرارات الشرعية الدولية والاعتراف بدولة إسرائيل باعتباره كان مشروطاً بقبولها هذه القرارات واستعدادها لتنفيذها .

ثالثا : إن حق اللاجئين في العودة إلى أرضهم وممتلكاتهم، فضلاً عن أنه حق وطني وقومي، فهو في بعده الآخر حق شخصي وملكية فردية وجماعية للاجئين وأجيالهم اللاحقة . لا يملك أحد غيرهم حق التصرف فيه أو التنازل عنه أو المقايضة عليه مهما كانت الصفة التمثيلية التي يحملها، فهم لم يفوضوا أحداً بذلك . فعندما فوض الشعب العربي الفلسطيني أمره لمنظمة التحرير، واختارها طوعاً قائداً لنضالاته، وممثلاً شرعياً وحيداً له، كان ذلك على أساس تحقيق أهدافه الوطنية في العودة وتقرير المصير، وإقامة دولته المستقلة. وحين يتم الإخلال بهذا الأساس. فإن شرط التمثيل أيضاً سيختل.

رابعاً : إن قراري الجمعية العامة للأمم المتحدة (181) لعام 1947، و(194) مازالا يشكلان الأساس الدولي الذي يحفظ حقوق اللاجئين في أرضهم وممتلكاتهم والعودة إليها. وهذان القراران لم يسقطا بالتقادم، بدليل أن القرار (194) مازالت الجمعية العامة للأمم المتحدة تؤكد عليه سنوياً وبأغلبية كبيرة منذ عام 1948م وإلى اليوم، وحتى الولايات المتحدة الأمريكية ظلت تصوت إلى جانب هذا القرار حتى عام 1994م، حين توقفت وصارت تكتفي بالامتناع عن التصويت بحجة أن الموضوع أصبح من مشمولات القضايا التي سيجري التفاوض عليها وفق اتفاقيات أوسلو.

أما القرار (181) فقد تأكدت حيويته وصلاحيته، حين استندت إليه دول الاتحاد الأوروبي في بيانها الشهير، الذي رفضت فيه الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل. باعتبار أن القرار استثنى القدس من حدود الدولة اليهودية .

خامسا: إن الحديث عن التعويض المادي بديلاً للعودة، هو حديث لا يغري، ولا يجب أن يضلل أحداً، فهو ليس أكثر من عملية خداعية لإقناع اللاجئين بقبول التعويض بعد تيئيسهم من إمكانية العودة، واستغلال ظروفهم الاقتصادية الصعبة، ومع ذلك لن يطالهم من هذا التعويض شئ، غير التنازل عن حقهم وأرضهم، وخسارتهم لشرفهم الوطني. ذلك أن هذه التعويضات يجري الحديث منذ الآن، عن أوجه التصرف فيها أو المقايضة عليها. فمن جهة تطرح إسرائيل مقابل تعويضات اللاجئين الفلسطينيين، تعويض اليهود الذين هاجروا من البلدان العربية أواخر الأربعينات وأوائل الخمسينات، وتقدم أرقاماً لأعدادهم تعادل أو تقارب أعداد اللاجئين الفلسطينيين عام 1948. وقد تكون النتيجة في ظل موازين القوى القائمة، وشروط الاتفاقات التي تمليها إسرائيل، أن يجري التنازل عن هذه، مقابل تلك.

ومن جانب آخر تتحدث بعض البلدان العربية المضيفة للاجئين عن المليارات التي أنفقتها أو التي ستنفقها على إسكان اللاجئين وإعاشتهم وتأهيلهم، وهي بذلك تمهد للحصول على هذه التعويضات. وفي الحالتين، فإن الخاسر هم اللاجئون إذا قبلوا بمبدأ التعويض .

سادساً : التعويض الذي يتطلع إليه اللاجئون، ويصرون على المطالبة به، مع المحافظة على حقوقهم في أرضهم وممتلكاتهم، هو التعويض عن استثمار إسرائيل لهذه الأراضي والممتلكات على مدى أكثر من نصف قرن. وهي الممتلكات التي ما تزال مسجلة بأسمائهم لدى الدوائر الإسرائيلية، وتستغلها هذه الدوائر كأملاك للغائبين.

وفي هذه التعويضات المشروعة ما يكفي لتحسين أحوال اللاجئين، والإنفاق عليهم، إلى أن يتمكنوا من حق العودة .

سابعاً : إن النظرة الإسرائيلية والأمريكية، والغربية عموماً، لقضية اللاجئين تنحصر في زاوية اقتصادية، وترى حلها في إطار مشروع الشرق أوسطية الاقتصادية، الذي تسعى لتحقيقه من خلال عملية التسوية السياسية الجارية على أساس توطين اللاجئين في البلدان العربية المجاورة، وإدماجهم في الحياة، الاقتصادية والاجتماعية فيها، وهي بذلك تتجاهل أن قضية عودة اللاجئين تتصل بشرعية حقوق الإنسان، والقانون الدولي، وبالتالي فإن الحل القائم على الشرق أوسطية الاقتصادية والتوطين لن تكتب له الديمومة مستقبلاً حتى لو تم تنفيذه قسراً في الوقت الراهن .

فمثل هذه النظرة الاستعمارية لقضية اللاجئين، تعود إلى السنوات الأولى للمشكلة، ولم يتوقف السعي لتحقيقها، ولكن جميع المشاريع فشلت أمام حالة الإصرار والتمسك بالحقوق الوطنية والدفاع عنها التي جابه الشعب العربي الفلسطيني بها هذه المشاريع.

إن ما يدعو إلى التأكيد على هذه الثوابت هو القلق مما يجري الحديث حوله همساً، أو ما تسربه الدوائر الإسرائيلية من معلومات عن مذكرات تفاهم جرى أو يجري البحث فيها كأساس لمفاوضات الحل النهائي، أو ورشات عمل يعقدها باحثون فلسطينيون وإسرائيليون ودوليون في عدد من العواصم الغربية، وكلها تدور حول حل لقضية اللاجئين يقوم على توطينهم وتأهيلهم في أماكن تواجدهم في الشتات أو الداخل، وتحسين أوضاعهم الاقتصادية، وإعطائهم بعض التعويض المعنوي والمادي، ويعفي إسرائيل من مسؤوليتها عن هذه القضية، اللهم إلا من اعتراف أو اعتذار معنوي عما وقع لهؤلاء اللاجئين من أذى، نتيجة قيام إسرائيل.

وفي كل هذه الأفكار يجري تجاهل الحقوق السياسية والوطنية، أي الحق في العودة. بل يجري نفيه، واعتبار كافة الدعاوى والمطالب الفلسطينية المتعلقة بهذه القضية منتهية .

إن تمرير مثل هذا الحل الذي قد يمكّن للاستعمار الصهيوني الاستيطاني في المنطقة العربية، ويُسكّن جسد الضحية الفلسطينية بالإكراه، في غير موضعه الصحيح من الجغرافيا والتاريخ. سيكون الرد الفلسطيني والعربي عليه، هو المقاومة، المقاومة بوسائل كثيرة متاحة الآن، وستتاح بصورة أكبر مستقبلاً. وبالتالي فإن مثل هذا الحل لا يمكن أن يكون، نهائياً، ولا دائماً.

وإذا كان الوضع العربي الآن، بما يعانيه من ضعف وتفكك، يشجع أصحاب هذا الحل على استغلال اللحظة التاريخية لتمرير رؤيتهم، فإن الرؤية الشاملة، واسعة الأفق لا يمكنها أن تتوقف عند اللحظة الراهنة، دون أن ترى المستقبل وتفاعلاته وتغيراته .  

* * * * *

قضية اللاجئين تحدٍّ يواجه المجلس الوطني الفلسطيني

لا تكف الحكومة الإسرائيلية، ومؤسساتها التنفيذية والتشريعية، عن وضع الضوابط التي تحكم مسبقاً قراراتها السياسية، وتتحكم فيها. خاصة تلك القرارات التي تتعلق بمفاوضات التسوية، أو السلام كما يسمونها. وهذه السياسة ليست نهجاً يخص حكومة بعينها، أو حزباً معيناً، بل هي نهج عام تلتزم به كل الحكومات الإسرائيلية، سواءٌ انتمت إلى أحزاب اليسار أو اليمين أو الوسط .

لا أدقق كثيراً في أي من الأسباب يدفع، أكثر من غيره، المؤسسات الإسرائيلية لاتخاذ مثل هذه التحوطات، والشروط الصارمة التي تقيد حركة أية حكومة، وتلزمها بالعودة للمؤسسة، أو للناخب الإسرائيلي نفسه قبل التوقيع على أي اتفاق والالتزام به. فسواء كان التعنت الإسرائيلي المعتاد هو السبب الرئيس، أو غطرسة القوة التي تملكها وتتملكها؟ أو "احترامها" لشعبها وإرادته؟ أو "الديموقراطية" التي تدّعيها وتتباهى بها؟ أو هي كل ذلك في آن واحد، فالنتيجة واحدة من حيث ضبط الموقف الإسرائيلي وانضباطه، ومن حيث أثره على الجانب العربي المقابل بمختلف أطرافه، الذي يجد نفسه مضطراً للتراجع، لأنه يتصرف بالقضايا الوطنية المصيرية دون رقيب أو حسيب.

قبل أيام، أقر الكنيست في قراءَة تمهيدية إلزام الحكومة بضرورة الحصول على موافقة ثلثي أعضاء الكنيست على أي اتفاق يتم التوصل إليه حول عودة اللاجئين الفلسطينيين، قبل توقيعه. صحيح أنها قراءَة تمهيدية، ويحتاج القرار إلى المصادقة عليه في ثلاث قراءات أخرى حتى يصبح نافذاً. ولكنه رسالة واضحة ومبكرة للحكومة الإسرائيلية، وضعت لها سقفاً عالياً لا يمكن بلوغه، ورهنت قرارها بالحاجة إلى أصوات غلاة اليمين، وحدَّت بالتالي من حرية حركتها، ورسمت لها حدود التصرف . بل ربما كان في رسالة الكنيست هذه إشارة تحذيرية للإدارة الأمريكية، فيما لو فكرت في الاقتراب من هذه القضية . وبذلك لم يكتف أعضاء الكنيست بلاءات باراك الشهيرة، ولم تمنعهم كل التصريحات المتشددة التي ترد على لسان المسؤولين الإسرائيليين من طرح مشروع قرارهم الاعتراضي أو الاستباقي، حتى لا يفكر أحد في الفريق الإسرائيلي المفاوض بإبداء أي قدر من الليونة أو المرونة.

وفي حين يتمسك أعضاء الكنيست بباطلهم لدرجة تكاد تجعل منه حقاً، يتهاون أصحاب الحق فيه لدرجة قد تصمه بالباطل في عيون من لا يعرفون الحقيقة، أو من يودون إنكارها. فعلى الطرف الفلسطيني المقابل، حيث يمثل مجلسنا الوطني العتيد، المؤسسة التمثيلية المؤتمنة على قضية اللاجئين، وحقهم في العودة الذي كان السبب الرئيس في قيام هذه المؤسسة، ومازال هو المبرر الوحيد لبقائها، يخفت صوت هذه المؤسسة، وكأن ما يجري لا يعرضها للخطر، أو لا يهدد وجودها، وشرعية تمثيلها للشعب الفلسطيني، واللاجئين بالخصوص، في الصميم.

لا أطالب هنا ببيان يشجب أو يستنكر أو حتى يدين إجراءات الكنيست، كما تفعل بيانات الجامعة العربية إزاء التهديدات التي تعرض المصير العربي كله للخطر. ولكني أتساءَل عن إجراء مضاد، يوحي بالثقة في مؤسستنا الوطنية، ويجعلنا نطمئن إلى ثبات موقفها في الدفاع عن الحقوق الوطنية الثابتة لشعبنا وفي مقدمتها حق العودة للاجئين، الذي لا يعادله، ولا ينوب عنه أي حق.

إن توجهات الكنيست المتشددة، تتطلب إجراءً أكثر تشدداً، من مجلسنا العتيد، ليس أقل من قرار يُحرِّم المساس بقضية اللاجئين الفلسطينيين، أو التنازل عن حقهم الكامل في العودة إلى أرضهم وممتلكاتهم التي طردوا منها عام 1948، والتعويض عن الأضرار والخسائر المادية والمعنوية التي لحقت بهم خلال رحلة الشتات والعذاب التي زادت عن نصف قرن . ويحظرُ على المفاوض الفلسطيني التوقيع على أي اتفاق لا يتضمن النص على هذه الحقوق.

إن مثل هذا القرار وحده يشكل رادعاً لكل الأطراف التي قد تفكر بالتطاول على حقوق اللاجئين، أو التنازل عنها بالتوطين، أو التهجير، أو التحوير في مفهوم العودة والأرض المقصودة بها . سواءٌ انتمت هذه الأطراف إلى المعسكر الداخلي أو الخارجي، أو انتمت إلى معسكر الأشقاء أو الأصدقاء أو الأعداء.

ولا يجوز أن يقف التعلل بعدم إمكانية جمع المجلس الوطني لاتخاذ مثل هذا القرار، ذريعة أو عقبة في طريق صدوره . فيمكن اتخاذه بالتمرير على أعضاء المجلس للتوقيع عليه، كما يمكن عقد مؤتمرات شعبية في كل المناطق، داخل الوطن وفي الشتات، للمصادقة عليه . بل يمكن جمع ملايين التوقيعات من الشعب الفلسطيني بأسره لتعزيز هذا القرار . ولن تعدم رئاسة المجلس الوطني وسائلها لخلق الآلية التي تضع هذه الخطوات موضع التنفيذ، وذلك إذا ما آمنت بدورها وواجباتها، واستنفرت جهودها وإمكانياتها، وجعلت من أمانة المسؤولية الملقاة على عاتقها المحرك الوحيد لخطواتها وتوجهاتها .

وفي هذا السياق، بل وقبله، هناك خطوات يجب أن ترافق هذا التحرك، أو تسبقه . فرئاسة المجلس لابد أنها لاحظت تراجعاً ملموساً في الخطاب السياسي الخاص بقضية اللاجئين. إذ لم يعد هذا الخطاب ملتزماً بالحديث عن حق العودة للاجئين، والتمسك به، وإنما بات يميل إلى استخدام تعبير حل قضية اللاجئين، وأحيانا يضيف لها كلمة عادل من باب التجميل أو التمويه، ولطمس الفروقات الهائلة بين الحق والحل. كما أن رئاسة المجلس لا شك لاحظت مؤشرات، تصدر بين الحين والآخر، تؤشر على تحوير أو تحريف في مفهوم حق العودة، بحيث تعطيه معنى العودة إلى مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية، أو الدولة مستقبلاً، وليس إلى أراضيهم وممتلكاتهم الحقيقية. هذا فضلاً عما تتبرع به بعض الأصوات النشاز في الصف الفلسطيني من تصريحات علنية للصحافة، أو الإذاعة الإسرائيلية بالذات، تنفي مطالبتنا بالعودة إلى أراضينا التي طردنا منها عام 1948.

إن خطورة مثل هذه المواقف والتصريحات، والمفاهيم الجديدة لحقوق اللاجئين وعودتهم، تكمن في أنها تصبح سلاحاً بيد الجانب الإسرائيلي، وقاعدة يبني عليها، حيث توحي له بأن مثل هذه المفاهيم تدور في الذهن الفلسطيني، ويمكن الرهان عليها، وخاصة حين يلاحظ أنها تمر دون حساب أو عقاب عليها، أو حتى مساءَلة عنها.

إن أصحاب هذه المواقف والمفاهيم، يتمتعون جميعاً بعضوية المجلس الوطني، أو المجلس المركزي . وأظن أن قوانين المجلس ونظامه الأساسي تحرِّم على أعضائه الخروج عن مبادئه وأهدافه، وتنص على معاقبتهم . وإن إجراءً صارماً من قبل رئاسة المجلس تجاه هذه الخروقات لمبادئنا وأهدافنا الوطنية، وتجاه العابثين بها، لا يوقف فقط مثل هذا العبث بالمصير الوطني، ويردع أصحابه، وإنما يعزز مكانة المؤسسة الوطنية الأم (المجلس الوطني)، ويحفظ لها احترامها ومكانتها، ويعزز الثقة الشعبية بها، كمؤتمنة على الأهداف والحقوق الوطنية الثابتة، كما يبعث بالرسالة المناسبة لأصحاب المشاريع في الكنيست الإسرائيلي.

أترانا نطلب الكثير من مجلسنا الوطني، ورئاسته الموقرة!!!

* * * * *

 

ليسوا بضاعة كاسدة، وأرضهم ليست برسم البيع

لأنني وغيري من ملايين المواطنين الفلسطينيين والعرب لا نملك سلطة القرار، فلا يبقى لنا غير التعبير عن رأينا بالوسائل المتاحة لنا، فيما يجري التفاوض حوله من قضايا مصيرية تخص شعبنا العربي الفلسطيني وأمتنا العربية، علنا نسهم في تشكيل رأي عام يسهم في إسناد الموقف الوطني من الموضوعات التي يجري الصراع التفاوضي حولها. مع علمنا المسبق بالدور المحدود جداً الذي يلعبه الرأي العام في التأثير على أصحاب القرار في وطننا العربي، وفي العالم الثالث عموماً، خاصة في ظل نظام الهيمنة الأمريكية الذي تحسب له دول العالم الثالث، وغيرها من دول العالم الأول أيضاً، ألف حساب . لكن ذلك لا يعفينا من مسؤولية التنبيه المستمر والتحذير الدائم من خطورة التهاون في القضايا المصيرية بالذات التي هي أمانة للأجيال القادمة لا يملك أحد التفريط فيها أو المساومة عليها.

ومن بين هذه القضايا، تتفرد قضية اللاجئين الفلسطينيين بكونها القضية الوحيدة التي لا مجال فيها للمقايضة، أو الحلول الوسط. فحدها الأعلى هو حدها الأدنى. فاللاجئون كلهم لهم الحق في العودة، ولهم الحق في التعويض، يستوي في ذلك من هم في شتات المنافي، أو القابعون على حدود وطنهم، أو في داخل وطنهم في الضفة والقطاع، أو حتى أولئك المهجرون من مدنهم وقراهم ممن يعيشون في الدولة العبرية. وليس في وسع أحد أن يفرق من حيث الحق، والرغبة، في العودة بين غني وفقير، بين ساكن المخيم وساكن القصور، بين محتاج أو غير محتاج، أو بين حملة وثائق سفر اللاجئين الذين يسد إخوانهم العرب أبوابهم وحدودهم في وجوههم فلا يمكنونهم من كسب لقمة العيش لأطفالهم، أو أولئك الذين يحملون جوازات سفر الدول العظمى ممن يستقبلهم موظفو الأمن في مطاراتنا وحدودنا العربية بابتسامات عريضة.

ومن لديه شك بهذه الحقائق، بإمكانه أن يرصد التحركات والتظاهرات والندوات التي تعم أرجاء الوطن الفلسطيني والعربي والعالم، والتي ينخرط فيها كل اللاجئين، ومعهم كل شعبهم الفلسطيني، وكل شعبهم العربي، مؤكدة هذه الحقائق، ومحذرة من المساومة على قضيتهم. وفي هذه التحركات رسالة واضحة لوفدهم الفلسطيني المخول بالدفاع عن حقوقهم في كامب ديفيد. وإذا كانت الإدارة الأمريكية لا تعي قيمة هذه التحركات، ولا تقدرها حق قدرها، أو تعتقد، أنها ليست أكثر من قضية إنسانية يمكن معالجتها بتوفير بعض الأموال لتحسين الظروف المعيشية للاجئين. أو كانت إسرائيل معنية بإنهاء قضية اللاجئين بأي ثمن، وتريد اقتناص تنازل الطرف الفلسطيني عنها، أو الالتفاف عليها عبر السماح لبضعة آلاف بالعودة مقابل إنهاء القضية، والتوقف عن المطالبة بحق العودة. فإن الفريق الفلسطيني المفاوض، وقيادته بشكل خاص، يدرك عمق هذه القضية، وعمق أبعادها، ومدى خطرها على كل ما يمكن التوصل إليه من اتفاقات حول القضايا الأخرى. بل إنه يدرك أنها هي جوهر الصراع، وهي عنوان الاستقرار أو عدمه في المنطقة. ومسؤولية الفريق الفلسطيني أن يضع هذه المسألة بوضوح أمام مفاوضيه الأمريكيين والإسرائيليين .

وما يدعونا للتأكيد على هذه المسألة، رغم علمنا بوعي القيادة الفلسطينية لأبعاد القضية هو الأخبار التي تتسرب من كامب ديفيد عن حلها عبر لم شمل بعض العائلات لأسباب إنسانية، وتوفير عشرات المليارات من الدولارات لتوطين اللاجئين وتحسين أحوالهم المعيشية. ومما يثير القلق والخوف من هذه الأخبار ويكسبها خطورة، هو أنها تأتي في أعقاب تصريحات لمسؤولين فلسطينيين روَّجت مثل هذه الأفكار. وذلك يوحي أن هؤلاء المسؤولين لديهم الاستعداد للدخول في مساومات وصفقات من هذا النوع، وكأن اللاجئين، وأراضيهم وممتلكاتهم، وحقوقهم الوطنية ليست أكثر من صفقة تجارية معروضة للبيع، ويجري تقدير ثمنها، والخلاف فقط هو على الفرق بين الثمن المدفوع والمطلوب.

وهنا يخطئ المنخرطون في عملية المساومة هذه الحساب، لا من حيث تقدير الثمن، وإنما من حيث تقدير الخطأ الذي يقعون فيه، ومن حيث التقليل من حجم الأخطار والعواقب التي تترصد مشاريعهم. بل هم لم يستوعبوا دروس هذه القضية على مدى أكثر من نصف قرن. فقد ظلت عصية على الجميع، ولم تستطع كل أشكال الاضطهاد والقمع والتجويع التي تعرض لها اللاجئون، ولا الحروب العديدة التي عصفت بالمنطقة، ولا العدوانات والاحتلالات الإسرائيلية أن تذيب هذه القضية، أو تنزعها من قلوب وعقول أبنائها. بل إن الكثير ممن حاولوا المساس بها، أو التجرؤ عليها غيّبتهم هي وأحرقتهم، وبقيت شعلتها متوهجة تترصد كل من يحاول الاقتراب منها.

نذكر بذلك أولئك الذين غابت ذاكرتهم أو غيبوها وهماً بأن كل شئ يمكن أن يشترى ويباع بالأموال، بما في ذلك الحقوق والأوطان، أو خوفاً ورعباً من البعبع الأمريكي. أو طمعاً في جاه أو سلطان، أو باسم الواقعية وتغير الظروف العربية والدولية.

وبلغة الواقعية التي يجيد اللاجئون أيضاً التحدث بها نقول: إننا لم نقرأ في أي من مدارسها أو كتبها أو دروسها أية نصوص تقول بتنازل شعب بأسره عن كامل أراضيه وحقوقه لطرف آخر، والتوقف عن المطالبة بها، والتوقيع على صكوك تحرم عليه وعلى أجياله اللاحقة حق الادعاء بوجود أية حقوق له لدى الطرف الآخر. لكننا نفهم أن الواقعية قد لا تمكننا من نيل هذه الحقوق الآن، أو قد يمكن تحقيق بعضها الآن وبعضها لاحقاً. وقد تعني قصور الجيل الحالي أو عجزه عن تحقيقها، ولكنها لا تعني حرمان الأجيال اللاحقة من حق المطالبة بها والنضال في سبيلها. ولذلك، ومرة أخرى باسم الواقعية نحذر من التعامل مع قضية اللاجئين وكأنها صفقة تجارية، أو النظر إلى أن معيار النجاح والفشل فيها هو قيمة الثمن المدفوع، أو عدد العائلات التي سيجري لم شملها. وإنما الواقعية تقتضي أن يتم التعامل معها كقضية حق وطني وفردي للجميع يجري تثبيته أولاً، ومن ثم يجري البحث في كيفية تطبيقه وتنظيم العودة وتجزيئها بأعداد معينة، ووفق توقيتات معينة حتى لو طالت لسنوات وسنوات. وبذلك يتم تأكيد الحق وتثبيته من جهة، وقطع الطريق من جهة أخرى على ادعاءات الخصم بعدم القدرة على استيعاب ملايين العائدين دفعة واحدة، إن كانت هذه حجته، أو فضح منطقه الاستعماري العنصري. الذي هو أساس المشكلة .

* * * * *

القدس ليست أكثر أهمية من قضية اللاجئين

خطفت قضية القدس الأبصار والأسماع، والأقلام أيضاً، بحيث بدت وكأنها المشكلة الوحيدة التي يجري الصراع عليها وحولها بين العرب الفلسطينيين، والإسرائيليين، أو كأن الصراع العربي الإسرائيلي قد اختصر كله في قضية القدس. بينما توارت عن دائرة الاهتمام قضايا الصراع الأخرى، وبينها من يعادل القدس، أو يفوقها خطورة من حيث نشأة الصراع ومستقبله، كقضية اللاجئين.

لا ينكر أحد مكانة القدس التاريخية والدينية، ولا المعاني التي ترمز إليها، وهي تستحق أن تحظى بالاهتمام الذي يليق بها، لكن حين يعلن أن الخلاف حولها كان، وحده تقريباً، وراء فشل قمة كامب ديفيد، وحين نرى أن كل التحركات والوساطات العربية، والصيغ التي يجري التداول فيها والتشاور حولها تدور كلها حول قضية القدس، أو حول الدائرة الأضيق منها وهي قضية الأقصى، وحين ينحصر خطاب المبعوثين الإسرائيليين والأمريكان الذين جابوا دول العالم ليسوقوا الموقف الإسرائيلي، وليقطعوا الطريق على التحركات الفلسطينية، في انتقاد التشدد الفلسطيني في قضية القدس، ويركز الإعلام الإسرائيلي واليهودي والأمريكي هجومه كله تقريباً على الموقف الفلسطيني في موضوع القدس، فإن من الطبيعي أن تثور تساؤلات حول القضايا الأخرى التي جرى بحثها في كامب ديفيد، وأهمها قضية اللاجئين، خاصة عندما لا يعلن شئ عنها أو ماذا تم فيها، ويحصر الخلاف، كما أعلن، في قضية القدس، فهل معنى ذلك أن القضايا الأخرى وتحديداً قضية اللاجئين، لم تكن موضع خلاف، على ما بين الموقفين الفلسطيني والإسرائيلي من تباين يصل حد استحالة التوفيق بينهما أو حتى التقارب؟؟ إننا نشك في ذلك . فلماذا إذن يبقى الغموض قائماً حول الخلاف في قضية اللاجئين؟ ولماذا لم يعلن هذا الخلاف وحدوده المتباعدة؟؟

قد نتفهم تصدير موضوع القدس باعتبار القدس قضية استقطاب للرأي العام العربي والإسلامي وحتى العالمي . وقضية إحراج للموقف العربي الرسمي الذي يزعم أنها قضية العرب والمسلمين جميعاً، ولكننا لا نفهم أن تصبح وحدها موضع الاهتمام وعنوان التحركات . فالخشية هنا أن يغطي بريق القدس، وما سيثار حولها من ضجيج احتفالي، إذا ما تم التوصل إلى اتفاق على صيغة من الصيغ المتداولة في بورصة الوساطات، على الموضوعات الأخرى، وتحديداً حق العودة للاجئين، ويصبح قيداً على الموقف الفلسطيني وعنصراً ضاغطاً عليه لتقديم التنازلات فيه. لذلك كان من الضروري، ولازال، أن تصارح القيادة شعبها بموضوعات الخلاف كلها، وأن تطرح علناً للرأي العام الفلسطيني والعربي، وأن تبلغ أيضاً لأصحاب الوساطات حتى يدركوا أن حدود الصراع أبعد وأعمق من موضوع الأقصى، وأن الموقف المطلوب يتجاوز مكانة الحرم والسيادة عليه، أو السيطرة على شارع هنا وحي هناك .

إن طرح مواضيع الخلاف، وحدود الموقف الفلسطيني من القضايا كلها، وليس القدس وحدها، على الرأي العام الفلسطيني والعربي، وللأطراف الدولية، هو أولاً تحصين للذات الفلسطينية، واستقطاب للموقف الشعبي حولها، وقطع للطريق على أية ضغوطات قد تمارس على الطرف الفلسطيني لتقديم التنازلات . بينما السكوت عن نشر الحقائق قد يوحي بالشكوك في المواقف، والطرف الفلسطيني في غنى عن ذلك وهو بحاجة لمن يعزز موقفه لا من يشكك فيه. وقد يغري خصومه به، ويوحي لهم باستعداده للمساومة على هذه القضية أو تلك، أو مقايضة قضية بأخرى . أو قد يدفع بعض الطامعين في الاستفادة من أموال التعويضات لزيادة ثرواتهم أو إنعاش اقتصادهم، سواء كانوا من الأطراف المحلية أو الإقليمية، إلى الاعتقاد بأن التعويض هو سقف الحل لقضية اللاجئين الفلسطينيين، وأن هؤلاء يمكن استرضاؤهم بفتات التعويض، وقبر أحلامهم بالعودة في مقابر التوطين .

إن من يذهب به الاعتقاد هذا المذهب، إنما يبيع الوهم لنفسه قبل أن يبيعه للآخرين من أصحاب القضية بالذات، ويؤسس لتسوية هشة، وسلام مغشوش لن يصمد أمام أية هزة، بل قد ينقض قبل أن يبدأ . فشعبنا حين هلل لصمود وفده وقيادته في كامب ديفيد، لم يفعل ذلك من أجل القدس وحدها، ولا فهم الصمود على أنه في الجانب المقدسي فقط، وإنما رأى الصمود مسحوباً على كل القضايا وأولها قضية اللاجئين . ولذلك حظيت القيادة الفلسطينية بذلك الترحاب الشعبي الواسع، الذي لم تشهد مثله في السنوات الأخيرة، فلسطينيا وعربيا . كما أنعش هذا الصمود الآمال بوحدة وطنية واسعة، تجسدت بوادرها في الاستقبال والاستقطاب الشعبي الكبير الذي تمتعت به القيادة عند عودتها من كامب ديفيد .

وحين نؤكد على ضرورة المصارحة والمكاشفة، وطرح الموقف الفلسطيني بوضوح، وعمق تناقضه مع الموقف الإسرائيلي في قضية اللاجئين ـ كما جرى في قضية القدس ـ لا نفعل ذلك من باب التشكيك، ولا من باب اختبار النوايا، وإنما من زاوية الحرص على تعزيز مصداقية الخطاب الفلسطيني، وحشد الرأي العام الفلسطيني والعربي حوله . ومن زاوية تعزيز مصداقيته لدى الأطراف العربية الرسمية، حتى لا تبني مواقفها على أساس أن الخلاف يدور حول القدس وحدها، وحتى لا تفاجأ بأن قضية اللاجئين والحفاظ على حقهم في العودة هي الأساس لأي مشروع سلامي يراد له أن يدوم . بل إنها، ونظراً لتداخلها الإقليمي، من خلال تواجد 88% من اللاجئين داخل فلسطين، أو على حدودها في دول الجوار العربي، هي العامل المؤثر في استقرار المنطقة بكاملها.

 * * * * *

ماذا لو لم يعد اللاجئون الفلسطينيون ؟؟

مراسلة لإحدى المحطات التليفزيونية الغربية تابعت أعمال مؤتمر اللاجئين وفلسطيني الشتات الذي عقد في عمان من11 ـ 13/9/2000 . طرحت في الجلسة ما قبل الأخيرة سؤالاً حول مدى واقعية القضية التي يركز عليها المؤتمر، وهي عودة أكثر من خمسة ملايين لاجئ إلى أراضيهم وممتلكاتهم. وقد أجابها رئيس الجلسة الأستاذ طاهر المصري رئيس الوزراء الأردني الأسبق إجابة شافية، بأن المؤتمر يؤكد على تثبيت حق العودة كحق أساسي فردي وجماعي للاجئين الفلسطينيين، ومن ثم يجري البحث في كيفية التطبيق. وأضاف، أن تطبيقه أيضاً ممكن في مدى زمني معين.

بعد الجلسة استكملت المراسلة حديثها معي حول الموضوع، كما استكملته، بالتأكيد، مع غيري ممن تشغلهم هذه القضية.

وواضح من طبيعة اهتمام الأوساط الغربية من الباحثين، وبعثات الاستقصاء والتحري والاستطلاع التي تجوب مخيمات اللاجئين وأوساطهم، وهي كثيرة، أن الهدف هو خدمة وجهة النظر الإسرائيلية والأمريكية باستبعاد حق العودة، تحت مسميات عدم واقعيته، واستحالة تطبيقه، والوصول إلى استنتاجات تحصر حل قضية اللاجئين في التوطين مع بعض التعويض. ويغلفون موقفهم بادعاء الحرص على السلام والاستقرار في المنطقة، وإزالة العقبات التي تعترض طريق الوصول إلى تسوية دائمة للصراع العربي الإسرائيلي الذي طال أمده. ووضع حد لمعاناة الشعب الفلسطيني التي طالت.

لكن هؤلاء الباحثين والمستقصيين، ومعهم الواقعيون ـ وبتعبير أدق ـ الواقعون تحت تأثيرهم وتأثير أفكارهم في أوساط شعبنا الفلسطيني والعربي، لم يكلفوا أنفسهم مشقة النظر إلى موضوع اللاجئين من زاويته الأخرى، أي أثر عدم عودة اللاجئين على السلام والاستقرار في المنطقة، إذا كانوا بالفعل معنيين بالسلام والاستقرار!! وهذا الجانب هو ما حرصت على إيضاحه لتلك المراسلة .

يتجاهل هؤلاء أن قضية اللاجئين، وإصرارهم على العودة، كانت حافزاً رئيسياً في قيام منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964 وانطلاق الثورة الفلسطينية عام 1965، وقد أعطى اللاجئون، ومعهم شعبهم الفلسطيني كله فرصة للمجتمع الدولي ودوله العظمى، ومنظمات الأمم المتحدة، امتدت منذ عام 1948 حتى عام 1965 لتنفيذ قرارات إعادتهم لوطنهم وممتلكاتهم . وحين فشل المجتمع الدولي في إجبار إسرائيل على التنفيذ، أو تواطأ معها، لم يجد الفلسطينيون طريقاً آخر غير الثورة، ومازالت إسرائيل والمنطقة العربية، والعالم يعانون من تداعيات هذا التحرك الفلسطيني . وقد تكرر المشهد في الانتفاضة عام 1987 وحملت المخيمات عبئاً رئيسياً فيها، حين استمر الرفض الإسرائيلي للاستجابة لحقوقنا الوطنية.

وعلى مدى العقود التي مرت منذ أعلن الفلسطينيون ثورتهم على واقعهم لم يتناقص عدد الشعب الفلسطيني ولا عدد لاجئيه بل ازداد، ولم تضعف رغبته في العودة بل تضاعفت، ولم يتراجع إصراره على نيل حقوقه بل تقدم. ولمشكك في عمق هذه القضية في روح الشعب الفلسطيني ولاجئيه أن يزور مخيماتهم ويلتقي أطفالهم ممن لم يتجاوزوا الخامسة من أعمارهم، قبل أن يلتقي آباءَهم وأجدادهم ليكتشف مدى تمسكهم بوطنهم وإصرارهم على العودة. وهؤلاء موجودون في مخيمات الداخل كما هم في مخيمات الخارج. وهم من يقررون السلام والاستقرار لإسرائيل أو يمنعونه عنها، الآن وفي المستقبل أيضاً، وليس المفاوضون الفلسطينيون إذا ما أجبر هؤلاء على القفز عن حق العودة.

وليس سلام إسرائيل واستقرارها هو وحده المرهون بعودة اللاجئين، بل سلام المنطقة العربية والشرق الأوسط واستقرارهما هو أيضاً رهن عودة اللاجئين الذين يغطون المنطقة بكاملها. وقد شهدت المنطقة عدة اتفاقيات للسلام مع إسرائيل، وبعضها مضى عليه أكثر من عقدين من الزمن، وقد تشهد اتفاقات أخرى مع دول جديدة، أو قد يتزايد عدد المتزلفين لإسرائيل وللولايات المتحدة من دول الأطراف العربية البعيدة، لكن ذلك كله لم يجلب السلام والاستقرار للمنطقة، ولم يجلب الأمن والاطمئنان لإسرائيل، ولن يجلبه، طالما ظلت القضية الأساس ـ قضية اللاجئين ـ دون عودة.

وليس في وسع من يفكر بالسلام والاستقرار والأمن في المنطقة أن يتجاهل أن في هذه المنطقة تقبع مصالح حيوية كبرى لدول العالم أجمع، وللغرب بشكل خاص، الأمر الذي يجب أن يدفعه للتفكير جدياً بمصالحه، ولإعادة النظر بالتالي في مفاهيمه المعوجة لعملية السلام، والمنحازة لوجهة النظر الإسرائيلية. وإذا ظل الغرب محكوماً بغطرسة القوة الأمريكية والإسرائيلية وتوهمه أن في قدرتهما ضبط المنطقة، وفرض حلول غير عادلة، وغير قابلة للحياة، فإنه يقامر بإبقاء عوامل عدم الاستقرار قائمة، بكل ما تحمله من كوامن الانفجار الذي تطال آثاره الجميع . 

 * * * * *

القدس جزء من القضية لكن اللاجئين هم القضية كلها

عندما تمكن الجيش السوفييتي في الحرب العالمية الثانية من فك الحصار، الذي دام حوالي ثلاث سنوات، عن مدينة ليننغراد الشهيرة، وهزيمة الجيش الألماني السادس الذي كان يحاصرها، وأسر جميع أفراده البالغ عددهم 350 ألف جندي وضابط وعلى رأسهم قائد الجيش الفيلد مارشال فان باولوس أحد أشهر القادة العسكريين الألمان، شكلت تلك الهزيمة ضربة قاسية للعسكرية الألمانية التي كانت حتى ذاك الوقت تزهو بانتصاراتها، ولم تحتمل القيادة الألمانية النازية وقوع أحد "مارشالاتها" البارزين في الأسر، فسعت إلى إطلاق سراحه بكل السبل، وتفطنت إلى أن بين الأسرى السوفييت لدى الألمان ضابط صغير هو ابن الزعيم السوفيتي الشهير جوزيف ستالين، فوجدتها فرصة لمساومة الزعيم السوفييتي على إطلاق سراح ابنه مقابل الفيلد مارشال، وكلفت الصليب الأحمر الدولي أن يعرض عليه هذه المقايضة مقرونة بالتهديد بإعدام ابنه في حال رفضه المقايضة .

وعندما وصل العرض إلى جوزيف ستالين لم يتردد في الجواب، ولم يتوقف عند عاطفة الأبوة، ولم يفكر في مصير ابنه في حال رفضه العرض، بل كانت مصلحة الوطن والأمة هي التي أنطقت لسانه بالقول لمندوب الصليب الأحمر الذي نقل له العرض "أبلغ من أرسلوك أنني لا أبادل مارشالاً بجندي" .

وبعيداً عن أية إسقاطات، أو إعجاب بالأشخاص، ومع كامل الإدراك لاختلاف الظروف وموازين القوى، فإن الدلالة الهامة لهذه الواقعة هي رفض مبدأ المقايضة، أو المساومة على حق لحساب حق آخر، أو تغليب العواطف والمشاعر على المصالح والحقوق الوطنية. سواء كانت مشاعر أبويه، كما هي في هذه الحالة، أو مشاعر دينية كما هي في حالتنا الفلسطينية . استذكرُ هذه القصة وأنا أسمع ما يتردد الآن في أجواء المفاوضات عن مقايضة السيادة على الحرم بعودة اللاجئين. ورغم أن الحديث في هذا الموضوع لا يعدو حدود التكهنات، أو التسريبات الصحفية، أو أن اطلاعنا هو في حدود ذلك. فإن إطلاق مثل هذه البالونات يثير المخاوف ويستوجب الحذر، ويدفعنا للتنبه والتنبيه إلى خطورة الدخول في هذه اللعبة.

نعرف الموقف الإسرائيلي من قضية اللاجئين وهو رفض الاعتراف بمسئوليته عنها، ورفض الالتزام بحقهم في العودة، ونعرف أن كل القضايا المطروحة للتفاوض قابلة للمساومة عند الإسرائيليين أكثر من موضوع عودة اللاجئين. وحتى قضية القدس ليست خارج دائرة المساومة لديهم، وقد تبين أن ادعاءاتهم بأن القدس من بين خطوطهم الحمراء ليست أكثر من استدراج لمزيد من التمسك الفلسطيني والعربي بها، أو مجاراة للتضخيم الذي أحطنا به قضية القدس، فيبدو أي تنازل جزئي بسيط من جانبهم في موضوع القدس أو الحرم وكأنه تنازل كبير يستحق أن ندفع ثمنه الكثير. وهذا الكثير الذي يريدونه هو تنازلنا عن حق العودة للاجئين.

وإذا كانت إسرائيل تراهن على إمكانية جر الشعب الفلسطيني إلى القبول بمثل هذه المقايضة، فإنها، ومن يجاريها في هذا الرهان، يخطئون الحساب، لا من حيث تقدير الثمن، وإنما من حيث تقدير الخطأ الذي يقعون فيه، حين يقللون من حجم الأخطار والعواقب التي تواجه رهاناتهم. بل إن كل من يفكر بحل قضية اللاجئين على هذا الأساس، يؤكد أنه لم يستوعب دروس هذه القضية على مدى أكثر من نصف قرن. فقد ظلت عصية على كل من حاول تجاوزها أو تذويبها، ولم تستطع كل أشكال الاضطهاد والقمع والتجويع التي تعرض لها اللاجئون، ولا الحروب العديدة التي عصفت بالمنطقة، ولا العدوانات والاحتلالات الإسرائيلية أن تذيب هذه القضية، أو تنزعها من قلوب وعقول أبنائها، بل إن الكثير ممن حاولوا المساس بها، أو التجرؤ عليها غيبتهم وأحرقتهم، وبقيت شعلتها متوهجة تترصد كل من يحاول الاقتراب منها.

وتأكيداً للمكانة التي تحتلها قضية اللاجئين لدى الشعب الفلسطيني، وحركته الوطنية بكل أطرافها وتياراتها بالنسبة لمكانة القدس ـ مع أن المفاضلة بين الحقوق أو تجزئتها مبدأ مرفوض من أساسه ـ فإن حق العودة لن يأتي في المرتبة الأدنى. وإذا كانت القدس جزءً من القضية الفلسطينية، فإن عودة اللاجئين هي القضية كلها. وإذا كانت القدس قطعة من الوطن، فاللاجئون هم الوطن كله. لكن هذه التوصيفات لا تعني المفاضلة بين القضيتين، ولا تقديم إحداهما على الأخرى من حيث الأهمية، وإنما لتأكيد أهمية القضيتين ومكانتهما لدى شعبنا العربي الفلسطيني، وعدم الفصل بينهما، أو بين أي منهما ومجمل الحقوق القومية لشعبينا.

وبمعنى آخر فإننا لا نضع قضية عودة اللاجئين عقبة في طريق عودة القدس إن كانت هناك إمكانية لاستعادة القدس أو أي جزء منها. ولا عقبة في طريق إقامة الدولة المستقلة إن كانت هناك إمكانية لإقامتها، ومن الممكن أن يتفهم شعبنا، ويرحب بعودة القدس، والأرض التي احتلت عام 67، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، تمهيداً لتحقيق حق العودة فيما بعد. لكنه لا يقبل أن يمر طريق الدولة أو القدس عبر التضحية بحق اللاجئين في العودة أو التنازل عنه .

يدرك شعبنا حجم العقبات التي تقف في طريق تمكين اللاجئين الفلسطينيين من ممارسة حقهم في العودة إلى أرضهم وممتلكاتهم ، والتي تجعل من ذلك أمراً في غاية الصعوبة في ظل الظروف الراهنة. لكن هذه الظروف لا يمكنها أن تقنع شعبنا بعدم إمكانية إقرار إسرائيل بحق جميع اللاجئين المشروع في العودة إلى أراضيهم كمسألة مبدئية. وتبقى مسألة تطبيق هذا الحق هي موضوع البحث والمفاوضات، من حيث آلية التنفيذ، وكيفيتها، والمدة التي تستغرقها، وتوفير شروط استيعابهم وتأهيلهم في أرضهم. والأعداد التي يمكن استيعابها سنوياً حتى لو استغرق الأمر سنوات وسنوات.

لكننا بذلك نكون قد ثبتنا حق العودة من جهة. وقطعنا الطريق من جهة أخرى على ادعاءات إسرائيل بعدم قدرتها على استيعاب ملايين العائدين دفعة واحدة، وفضحنا في كل الحالات منطقها الاستعماري العنصري الذي هو أساس المشكلة.

ويستوي في هذا الحق جميع اللاجئين. من هم في شتات المنافي، والقابعون على حدود وطنهم، أو في داخله في الضفة والقطاع، أو حتى أولئك المهجرون من مدنهم وقراهم ممن يعيشون كمواطنين في دولة إسرائيل . وليس في وسع أحد أن يفرق من حيث الحق والرغبة في العودة بين غني وفقير، بين ساكن المخيم وساكن القصور، أو بين حملة وثائق سفر اللاجئين الذين يسد إخوانهم العرب أبوابهم وحدودهم في وجوههم فلا يمكنونهم من كسب لقمة العيش لأطفالهم، أو أولئك الذين يحملون جوازات سفر الدول الغربية التي تنفرج أسارير موظفي الأمن في مطاراتنا وحدودنا العربية عند رؤيتها.

هذا هو الخيار الممكن لحل قضية اللاجئين في إطار أي عملية تسوية يجري التفاوض عليها. أما إذا رفضت إسرائيل ذلك وأصرت على تأجيل قضية اللاجئين أو القفز عنها، فإن الخيار البديل أمام الجانب الفلسطيني هو رفض الإقرار أو الالتزام بإنهاء الصراع، وربط ذلك بحق اللاجئين في العودة. وفي كل الحالات يجب الانتباه للصيغ الغامضة التي قد تطرحها إسرائيل أو حلفاؤها الأمريكان، بالحديث عن فلسطينيين غير محددين، وأماكن غير محددة، وحقوق عائمة وتوقيتات مفتوحة. بل يجب رفض مثل هذه الصيغ، لأن التورط فيها ستكون عواقبه وخيمة على اللاجئين والمنطقة بأسرها، واستقرارها. ونعتقد أن تجربة صيغ أوسلو كفيلة بأن تعلم من لم يتعلم.

 * * * * *

رسالة لاجئ فلسطيني إلى أخيه المفاوض

عزيزي .

تحية طيبة تليق بمقامك الرفيع وبعد ...

ليس مهماً أن تعرف اسمي ونسبي، فأسماؤنا كلها متشابهة، واللقب واحد ينتهي بكلمة لاجئ .

وليس مهما أيضاً أن تحدد عنواني، فكل عناويننا المؤقتة واحدة، لأنها تقع خارج أرضنا، ولا تحمل بيوتها أية أرقام ولا شوارعها أية أسماء. يستوي فيها من استوطن المخيم أو حواليه، ومن بقي داخل الوطن أو تلقفته منافي الشتات. أما عنواننا الدائم فقد بقي محفوراً على جذر شجرة بقيت تحرس الأرض وتضرب عميقاً فيها، أو في نبتة صبار تخز أشواكها كل من أراد اقتلاعها. أو تدل عليه عظام الآباء والأجداد التي رفضت الرحيل، وبقيت تؤنس بعضها وتتواصل أرحامها حتى يعود إليها الأبناء والأحفاد الذين طال بهم الغياب.

وكلنا أيضاً نعرفك، رأيناك أو لم نلتقيك. اخترناك أو لم نستشر فيك. فبيننا وبينك عقد أقوى من المكتوب حملتَ بموجبه مسؤولية الدفاع عن قضيتنا التي لا شك تعرفها وتعرف تفاصيلها. وتعهدتَ بموجبه أن تعيد إلينا حقوقنا كما نصت عليها بنود العقد الذي وقعته معنا منظمة التحرير حين أخذتْ منا تفويضها بالتمثيل. والعقد ـ كما تقول القاعدة الفقهية ـ شريعة المتعاقدين . إما الوفاء بشروطه أو نسخه، وإيقاع الجزاء على من أخلّ بشروطه .

ففي مخيماتنا في الشتات غرسنا نبتة الثورة، ورويناها بدمائنا. وأوقدنا شعلتها، وأطعمناها من ضلوعنا. وحين كان الخطر يحدق بها أو يغشاها، كانت صدورنا هي المتاريس التي تحميها .

ولم تكن مخيمات الداخل أقل وفاءً أو تضحيات. فحين ضاق الخناق على الثورة في الخارج، ولم تجد مكاناً يؤويها، ويضمن لها ولقضيتها الدوام جاءَتها النجدة من الداخل، فاشتعلت نار الانتفاضة، وكأن الثورة هاجرة هجرة عكسية من الخارج إلى الداخل . فكان المخيم مرة أخرى حضنها الدافئ الحنون.

وكلا الحالتين لم تغيبا عنك، ولم تغب عنهما، حتى جاءَت السلطة الوطنية، ثمرة لهما، وأخذتَ موقعك في صفوفها، وتوليت مسئوليتك التفاوضية من خلالها.

سيفاوضونك على التوطين فلا تجادلهم . ذلك أن شعبك رفضه قبل ما يقرب من خمسين عاماً، ولو ارتضى لنفسه وطناً بديلاً، وأرضاً غير أرضه لما انتظر كل هذه المدة، ولما احتفظ بصفة اللجوء، واحتمل عَذاباته كل هذي السنين.

سيقولون لك ليس في الأرض متسع لكم . فقل لهم إن كان لابد لطرف أن يعترض على وجود الآخر فنحن من يعترض . لأننا نحن أصحاب الأرض وهم الطارئون. ومع ذلك فإن مقولتهم تسقط حين نعلم أن 80% من مساحة الأرض التي تشغلها إسرائيل لا يعيش فيه أكثر من 20% من سكانها . أي أن أغلبية الأرض شبه خالية من السكان . وهي تتسع لمالكيها الحقيقيين الأقدر على إعمارها واستثمارها، وهم أولى بها ـ لولا النظرة العنصرية التي يرى بها قادة إسرائيل الآخرين من أولئك الأغراب الذين تستوردهم حكومة إسرائيل كبضاعة بشرية، من أصقاع روسيا أو أدغال أثيوبيا.

وسيقايضونك، بأن يعرضوا عليك جزءً من القدس أو الحرم الشريف مقابل تنازلك عن حق اللاجئين في العودة. فقل لهم! القدس جزء من القضية لكن عودة اللاجئين هي القضية كلها. والقدس قطعة من الوطن، واللاجئون هم الوطن كله. ولا يعني ذلك المفاضلة بين القضيتين، ولا تقديم إحداهما على الأخرى من حيث الأهمية، وإنما لتأكيد أهميتهما معاً، ومكانتهما لدى شعبينا العربي الفلسطيني. ولا نقصد بذلك وضع عودة اللاجئين عقبة في طريق عودة القدس، إن كانت هناك إمكانية لاستعادة القدس أو أي جزء منها. ولا عقبة في طريق إقامة الدولة المستقلة، إن كانت هناك إمكانية لإقامتها. وسيرحب شعبنا بإنجاز أي حق من حقوقه، لكنه لا يقبل أن يمر طريق الدولة أو القدس عبر التضحية بحق اللاجئين في العودة أو التنازل عنه.

وسيساومونك على التعويض، فلا تقبل به . ذلك أن الوطن ليس قتيلاً حتى نقبل دية فيه. فأرضنا بكل نبض الحياة فيها، مازالت ماثلة أمام أعيننا. سيراهنون على الأوضاع الاقتصادية المتردية للاجئين. فقل لهم إننا نملك من الفقر ما يكفينا للصبر سنوات وسنوات. وما نهبوه من خيرات أرضنا على مدى خمسين عاماً ـ وحقنا في استرداده لا نقاش  فيه ـ يكفي لتحسين أحوالنا أضعاف ما يعرضون. وهذا هو التعويض الذي نسألهم عنه، ونرجو أن يكون العنوان الوحيد الذي تخوض فيه في موضوع التعويض .

نعلم أن قوى وسلطات في المنطقة، ممن يستضيفون اللاجئين سيسيل لعابهم لأموال التعويضات، وسيفلسفون مواقفهم باستحالة حق العودة فلماذا لا نقبل التعويضات!!! ولهؤلاء نقول إن قضيتنا ليست للبيع ولا للتكسب، ومن أراد التجارة فأرضنا ليست معروضة للمزاد. وهذا الموقف نحملك مسؤولية إبلاغه للأشقاء والأصدقاء قبل إبلاغه للأعداء .

ونعلم أيضاً أن حق العودة ربما كان غير متاح الآن. ولكن ما يجب على كل الأطراف معرفته أيضاً هو أن التفريط في حق العودة غير مباح أبداً . وفي وعيك لهذه المسألة، وتمسكك بها، يكمن فصل الخطاب . بل إن موقفك من هذه القضية هو الذي يحدد موقفنا منك. فهي البند الأساسي في العقد القائم بيننا. والإخلال بها يبطل صحة هذا العقد، ويمس بقاعدة الوحدة الوطنية التي قامت عليها منظمة التحرير الفلسطينية، ويفتح الطريق أمام القوى المتربصة بوحدة شعبنا لأن تعبث بهذه الوحدة، وتطعن في شرعية التمثيل . فلنوصد هذا الباب في وجه هؤلاء المتربصين . ونظن أن مغلاق الباب هو الآن بين يديك.

هذه رسالتنا إليك ... ونرجو أن تصلك قبل فوات الأوان.

وتقبل أصدق تحياتنا وتمنياتنا بالتوفيق .

 * * * * *

التفريط بحق العودة خطر على العرب والفلسطينيين معا

ربما يأخذ علينا البعض إلحاحنا الزائد على حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة، وقد يتهمنا بالمبالغة في تقدير أهمية الموضوع وحساسيته، وربما كان الأشقاء العرب، وبالذات من الأجيال الشابة التي لم تتح لها قراءة تاريخ القضية الفلسطينية، هم الأكثر استغراباً، بعد أن أشبعتهم أجهزة إعلامنا الفلسطينية والعربية، وتصريحات المسؤولين الفلسطينيين والعرب حديثاً عن القدس والدولة الفلسطينية، حتى بدت قضية فلسطين محصورة لديهم في هذين الموضوعين، أو كأن القضية بدأت فقط مع احتلال القدس، وتنتهي بعودتنا للصلاة في المسجد الأقصى، ورفع العلم الفلسطيني عليه وعلى كنيسة القيامة.

لا يجادل أحد في أهمية هذين الصرحين التاريخيين لدى العرب المسلمين والمسيحيين، ولا في كون تحريرهما من الاحتلال الصهيوني هدفاً رئيسياً من أهداف النضال الوطني والقومي للفلسطينيين والعرب، ولكن الصراحة تقتضي القول: إنهما جزء من المشكلة وليسا المشكلة الأساس. واستعادتهما لا تعني حل المشكلة ولا إنهاء الصراع، ولا تبلغ بالنضال الوطني والقومي مبتغاه .

وحتى لو حمل الحل المطروح مشروع إقامة دولة فلسطينية، فإن ذلك لا يحل المشكلة الأساس أيضاً. ذلك أن الأساس هو اغتصاب الأرض الفلسطينية وطرد أهلها منها وهو أمر سابق لاحتلال القدس، ولتطلعات الفلسطينيين لإقامة دولتهم. فاحتلال القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة تم في عام 1967، ونزوع الفلسطينيين نحو الدولة أصبح قراراً في المجلس الوطني عام 1974، بينما بدأ النضال الفلسطيني لاستعادة الأرض، وعودة اللاجئين منذ اليوم الأول لاغتصاب فلسطين وإقامة الدولة الصهيونية عام 1948، وأخذ هذا النضال شكله المنظم في إطار حركة وطنية بقيام منظمة التحرير عام 1964، وانطلاق الثورة الفلسطينية بقيادة فتح في الأول من يناير 1965. وكان عنوانه استعادة الأرض، وحافزه عودة اللاجئين إلى أرضهم وممتلكاتهم. وهذا يفسر احتضان مخيمات الشتات للثورة الفلسطينية، وتحمل تبعاتها وأعبائها، وقيام مخيمات الداخل بالدور الرئيسي في الانتفاضة الأولى والانتفاضة الثانية الحالية. واحتفاظ أبناء هذه المخيمات بأسماء قراهم ومدنهم حية في عقولهم وقلوبهم، وتلقينها لذاكرة أطفالهم، وتوريثهم سجلات أراضيهم ومفاتيح بيوتهم ليحققوا الحلم الذي ماتوا واستشهدوا قبل بلوغه.

وتفسير ذلك أن قضية اللاجئين وعودتهم هي البدء وهي المنتهى أيضاً، وكل حل لا يضمن عودتهم إلى أرضهم وممتلكاتهم، أو لا يقر بها على الأقل لا يمكن أن يكون مقبولاً من الشعب الفلسطيني، ولا يمكن أن يكون نهائياً حتى لو أطلقوا عليه أو أغرقوه بكل صفات الشمول والعدل والديمومة، ولا يمكن أن يقود إلى أي استقرار في المنطقة. بل على العكس، إن حلاً من هذا النوع سيحمل بذور نقضه وتفجيره في داخله. فعدد اللاجئين الذين يعيشون في سبعة وعشرين مخيماً في قطاع غزة والضفة الغربية وقراهما ومدنهما، مع المهجرين من قراهم في الجليل والمثلث والنقب، يصل إلى حدود المليونين أي ما يقرب من نصف عدد الفلسطينيين الذين يعيشون داخل وطنهم. وأما من يعيشون على حدود وطنهم في دول الجوار العربي، فيتجاوز حدود المليونين والنصف، هذا فضلاً عن مئات الآلاف ممن يعيشون مشتتين في دول العالم المختلفة. وهؤلاء جميعاً، سواءٌ كانوا في الداخل أو الخارج، لا قضية لهم إلا قضية العودة، وكل منهم له قدسه الخاصة هي قريته أو مدينته التي هجر منها، ولا تغنيه عنها أو تنسيه إياها، أية قدس أخرى . وقد أمضوا أكثر من نصف قرن يثورون ويستشهدون ويُقمعون طلباً للعودة . ولو كان التوطين أو التعويض يحل مشكلتهم لقبلوه حين عرض عليهم منذ الخمسينات، لكنهم رفضوه واختاروا عذاب الانتظار والمقاومة والاستشهاد على أن يبيعوا الوطن أو يقبلوا عنه بديلاً.

ولأن الأرض والعودة إليها هي عند اللاجئين أغلى من أي سلطة أو سيادة أو دولة، وتتقدم لديهم على أي هدف آخر، فهم يقبلون بالعودة إلى أرضهم تحت السيادة الإسرائيلية، وحتى كمواطنين في الدولة الإسرائيلية مع علمهم بما سيتعرضون له من قمع وإذلال . ومع ذلك فإسرائيل ترفضهم وتمضي في استيراد المزيد من المستوطنين من مخلفات الجمهوريات السوفيتية، ودول الكتلة الشرقية السابقة، أو الدول الإفريقية . ولم يعد يهمها إن كانوا يهوداً أو غير يهود، طالما أنهم سيملأون الأرض الفلسطينية بحيث لا يبقى فيها متسع لأصحابها الحقيقيين حتى يطالبوا بالعودة إليه. وتشير الإحصائيات الإسرائيلية الأخيرة إلى أن 62% من أصل مليون مهاجر روسي استقدموا لإسرائيل أخيراً هم من غير اليهود . وقد حدثني أحد كبار المفاوضين الفلسطينيين أن حواراً جرى بينه وبين أحد المفاوضين الإسرائيليين في جولة مفاوضات كامب ديفيد حول أسباب رفضهم عودة الفلسطينيين، في الوقت الذي يقبلون فيه أولئك المهاجرين الآخرين، فلم يتردد ذلك الإسرائيلي في القول: لأن الفلسطينيين أعداء . وجاء جوابه هذا وهو يخوض محادثات سلام من أجل حل نهائي، ومصالحة تاريخية كما يقولون .

وإذا كانت هذه هي النظرة الإسرائيلية للفلسطينيين، وهذا هو مفهومهم للسلام، فإن الحل الذي يسعون إليه، أو لإجبار الفلسطينيين على قبوله، هو نوع من فرض الإذعان للشروط الإسرائيلية، وأهمها قبول الفلسطينيين بالتنازل عن حق العودة، وهو الأمر الذي وعاه الفلسطينيون عموماً، واللاجئون خصوصاً، ونأمل أن يعيه معنا أشقاؤنا العرب، فيرفضون معنا كل حل من هذا النوع، إدراكاً منا ومنهم لخطورته على الشعب الفلسطيني وحقوقه، وعلى المنطقة العربية بأسرها . فإذا قدر لمثل هذا الحل أن يفرض فإن أول أخطاره ستصيب وحدة الشعب الفلسطيني وتقسمه إلى داخل وخارج، وستضع أحدهما في مواجهة الآخر. وإذا ضربت وحدة الشعب أصيبت وحدة التمثيل بشرخ عميق، وفتحت أبواب الادعاء بتمثيل الشعب الفلسطيني أمام من يستحق ومن لا يستحق، بعد أن كان الشعب الفلسطيني قد أغلق هذه الأبواب بإحكام، حين توحدت إرادته واختار، بعد عناء طويل وصراع مع جهات عديدة، منظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعيا ووحيداً له، ودافع عن هذا الاختيار ودفع ثمنه غالياً. وضرب وحدة الشعب ووحدة تمثيله هدفان تسعى إليهما إسرائيل .

وحين يكون توطين اللاجئين في الدول التي يتواجدون فيها هو أحد الخيارات التي يقدمها الحل الأمريكي الإسرائيلي، فإن ذلك سيفتح باب الصراع بين اللاجئين الفلسطينيين الذين يرفضون التوطين وبين الدول العربية المضيفة لهم التي ترفضه أيضاً. مما يشكل خطراً يهدد أمن المنطقة العربية واستقرارها . وهذا هدف آخر تسعى إليه إسرائيل.

وحتى التعويض المالي للاجئين، الذي يشير إليه هذا الحل، تخطط الإدارة الأمريكية وإسرائيل أن تكون الدول العربية، والنفطية منها بشكل خاص، هي الممول الأساسي لصندوق التعويضات. مما يعني استنزاف الثروة العربية ووضعها في خدمة الاغتصاب الإسرائيلي لأرضهم العربية الفلسطينية، وتحميلهم نفقات الاحتلال الإسرائيلي .

وهكذا تتضح خطورة مثل هذا الحل لقضية اللاجئين، لا على المصلحة القومية العربية فحسب، بل على المصلحة الذاتية لكل قطر على حده، وتصبح مقاومة هذا الحل مصلحة ومسؤولية عربية، خاصة وعامة، مثلما هي مصلحة ومسؤولية فلسطينية.

 * * * * *

قضيـة اللاجئـين تدخـل مرحـلة الخطـر

مع وصول مفاوضات الحل النهائي إلى مرحلة اللجان المتخصصة بالموضوعات، والدخول في تفاصيل القضايا وجزئياتها، كما حدث في مفاوضات طابا مؤخراً. ومن خلال ما عكسه التصريح المشترك الصادر عن هذه الجولة من المفاوضات، والتسريبات الصحفية التي أوحى أو أدلى بها بعض المفاوضين الإسرائيليين، تقترب قضية اللاجئين من لحظة الخطر التي تحدد مصيرها ومصير أصحابها. إما اجتياز هذه المرحلة بالنجاح في التمسك بحق العودة وتثبيته كأساس وحيد لحل قضية اللاجئين أو الوقوع في مخططات العدو الذي يرفض الاعتراف بهذا الحق ويحاول الالتفاف عليه عبر اقتراحات وحلول تقوم على التوطين أو التهجير، أو العودة إلى أراضي السلطة الفلسطينية في أحسن الأحوال، كما تشير الاقتراحات الأمريكية الأخيرة التي تعتمد بنودها كأساس للمفاوضات.

رأس الحربة في معركة الدفاع عن هذه القضية يمثله موقف المفاوض الفلسطيني، وفي وعيه لأهمية هذه القضية وخطورتها، وموقعها المتقدم في سلم أولويات النضال الوطني الفلسطيني يكمن أساس الصمود والنجاح في خوض المعركة. ثم يأتي تالياً، عمق إيمانه بالمعركة التي يخوضها، وبإمكانية الانتصار فيها. فمحظور عليه أن يدخل المعركة ولديه أدنى شك بالنصر، أو أن يدخلها وهو يفكر بالتراجع أكثر مما يفكر بالتقدم، لأن مثل هذا الموقف محكوم بالهزيمة سلفاً. وثالثاً يعتمد النجاح في هذه المعركة على طريقة تناول المفاوض للقضية، وطريقة عرضه لها. فالدخول إليها من باب البحث عن حل مدخل خاطئ. ذلك أن المطلوب هو السعي لتثبيت حق وليس إيجاد حل. وبالتالي فإن الانسياق وراء تفاصيل القضية من تعويضات ووضع آليات أو تحديد أرقام قبل تثبيت الحق، هو بداية الوقوع في شرك المناورات الإسرائيلية الساعية للقفز عن موضوع الحق وجرنا إلى متاهات الحل.

ويمثل موقف الحركة الجماهيرية، الشرط الضروري الآخر للدفاع عن قضية اللاجئين وكسب معركة العودة . ففي تواصل فعالياتها وشمولها، رسالة واضحة للجانب الإسرائيلي أولاً، وللمفاوض الفلسطيني ثانياً، بأن التنازل عن حق العودة خط أحمر لن تسمح لأحد أن يتخطاه أو يقترب منه. وأنها أكثر وعياً من أن تخدعها أية نصوص ملتوية يمكن الاتفاق عليها للالتفاف على الحق الصريح والواضح . فهذه الحركة مع المفاوض الفلسطيني، وظهير قوى يسند جهوده على قاعدة تمسكه بحق كل اللاجئين في العودة إلى أراضيهم وبيوتهم وممتلكاتهم . وهي في الوقت نفسه ضده علناً، وبكل اللغات، حين تلمس منه أي تراخ، أو تشتم أية رائحة بالتفريط في هذا الحق.

وتتحمل الحركة الجماهيرية، داخل الوطن، بقواها السياسية، ومنظماتها ولجانها الشعبية، مسؤولية مضاعفة في الدفاع عن حق العودة، باعتبارها تقف على خط المواجهة الأول مع الاحتلال ونواياه ومخططاته، وباعتبارها على تماس مباشر مع القيادة السياسية لمنظمة التحرير، ومع الفريق التفاوضي. فهي تقوم بدورها في ساحتها أصالة عن نفسها، ونيابة عن كل جماهير شعبنا في مخيمات اللجوء ومناطق الشتات في الأرض العربية، أو في منافي العالم. ذلك أن جماهير شعبنا في الخارج، ربما لظروف صعبة تعيشها، وقيود تفرض عليها، أو لانقطاع الصلة المباشرة بينها وبين القيادة في الداخل، قد لا تتمكن من إيصال صوتها، كما يجب، لجهة القرار الوطني الفلسطيني. ومن هنا تتضاعف مسؤولية الحركة الجماهيرية في الداخل لإيصال صوتها وموقفها وأشقائها في الخارج إلى القيادة الفلسطينية، وتحديداً للرئيس ياسر عرفات الذي منحته ثقتها وقيادتها، وبالتالي فهو المسؤول الأول أمامها عن توجيه خطوات المفاوض الفلسطيني وتصحيح أي خلل قد يقع فيه. وعن حماية حقوقها من أن يطالها أي تشويه أو تحوير من خلال بعض الآراء المغلوطة التي قد تنقل إليه عن استعداد البعض للتساهل في حق العودة، أو للقبول ببدائل له.

وعلينا أن نعترف أنه على الرغم من شمول التحركات الشعبية للدفاع عن حق العودة كل مناطق التواجد الفلسطيني، داخل الوطن وخارجه، ورغم وحدة الموقف لدى هذه الحركة، إلا أنها حركة معزولة عن بعضها لا ينظمها إطار واحد ينسق خطواتها، ويبرمجها لتصبح أكثر فعالية وتأثيراً في الساحة الفلسطينية والمحيط العربي، وعلى المستوى الدولي. وهذه خطوة يجب أن تعيها كل الأطراف المعنية، وأن تجد الآلية المناسبة لتجاوزها. وحتى لا تبدو هذه دعوة لخلق أو تنظيم إطار معارض، فإن هذا الإطار الموحد للحركة الشعبية يجب أن يكون من خلال منظمة التحرير الفلسطينية، وعلى قاعدة ثوابتها الوطنية وفي مقدمتها حق العودة .

وبتحقيق الانسجام في الخطوات الفلسطينية وتنسيقها وتوافقها، يمكن نقل الوعي بخطورة قضية اللاجئين وأهميتها إلى الطرف العربي الرسمي والشعبي والإعلامي. فحتى الآن لم تحظ هذه القضية، بأكثر من مواقف عامة يجري ترديدها دون تعمق في فهم أبعادها ومخاطرها على مجمل المنطقة . فملايين اللاجئين ينتشرون على رقعة المشرق العربي، وأبواب المغرب العربي، والحل الإسرائيلي يقوم على توطينهم، بالرغم منهم ومن أشقائهم العرب في الأراضي العربية أو تهجيرهم إلى مناطق العالم الأبعد. وهذا الحل سيلقى رفضهم ومقاومتهم، ورفض ومقاومة أشقائهم، مما قد يؤجج صراعاً داخلياً فلسطينياً وعربياً، ويؤدي إلى جروح وشروخ جديدة في الجسم الفلسطيني والعربي. وهذا ما تخطط له إسرائيل، وتسعى إليه.

وما يجعلنا نتحسب لمثل هذه المخاطر هو غياب التنسيق الفلسطيني العربي في موضوع اللاجئين. الأمر الذي يدعو كل الأطراف المعنية إلى الإسراع في إيجاد آلية لتنسيق الموقف الفلسطيني والعربي على أساس التزام الجميع بالتمسك بحق كل اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى أراضيهم، وحقهم جميعاً في التعويض عن معاناتهم أكثر من نصف قرن، وعن استثمار إسرائيل لأراضيهم وممتلكاتهم طيلة هذه السنوات. وتوحيد خطوات العمل العربية الفلسطينية للدفاع عن هذه الحقوق، ولقطع الطريق على المواقف الإسرائيلية والأمريكية التي تلوح لبعض الأطراف بإغراءات مالية كتعويض بديل عن حق العودة.

إن مثل هذه الخطوات التي تحصن الموقف الفلسطيني والعربي أمام أي اختراق إسرائيلي، يمكنها أن تبعث الاطمئنان في نفوس الشعب الفلسطيني، واللاجئين خصوصاً، إلى أن حق العودة في أمان، وإلا فإن الخطر يبقى قائماً، وأبواب الصراع تبقى مفتوحة على كل الاحتمالات.

        *      *      *

تحتل قضية اللاجئين مركز الصدارة بين مختلف القضايا الأساسية، ولإلقاء الضوء على هذه القضية الساخنة، التقت البلاد عبد الله الحوراني المستشار برتبة وزير لشئون اللاجئين، وكان الحوراني شارك خلال شهر تموز 1996 في ثماني مؤتمرات سياسية تعني بشؤون اللاجئين السياسية والاقتصادية والاجتماعية وذلك على امتداد مخيمات اللاجئين الثمانية بقطاع غزة.([1])

**     منذ تسلم مهامكم وجهودكم مكثفة من أجل قضية اللاجئين، وتقومون بحملة من أجلهم في المخيمات، ما الأهداف التي تسعون إلى تحقيقها؟

-      كان موضوع اللاجئين بالنسبة لي دائما يحظى باهتمام خاص، لأن هذا الموضوع هو القضية الفلسطينية فقد كان الرافعة التي حملت القضية الفلسطينية خلال نصف القرن الماضي، لذلك فلا وجود للقضية الفلسطينية بدون قضية اللاجئين، ولا حل للقضية الفلسطينية بدون حل لقضية اللاجئين. واصلا كانت قضية اللاجئين هي المحرك لقيام منظمة التحرير الفلسطينية وانطلاقة الثورة الفلسطينية، ومنذ البداية كان شعار العودة وشعار التحرير شعارين متلازمين، قضية اللاجئين هي صلب القضية الفلسطينية وحلها، وفق قرارات الشرعية الدولية خاصة القرار 194 القائل بالعودة، وبدون تحقيق مثل هذا الحل الذي ينصف اللاجئين ويمكنهم من العودة إلى ديارهم وتحقيق حقوقهم الوطنية، في وطنهم وممتلكاتهم لا يمكن الوصول إلى حل دائم للقضية الفلسطينية.

أما بالنسبة لأهداف تحركنا، فهناك ثلاثة أهداف:

أولاً ـ تحشيد اللاجئين حول قضيتهم السياسية وحمايتها والدفاع عنها، وصيانتها من أي تذويب، أو أي قفز حولها.

وثانياً ـ العمل على إنصاف اللاجئين عموما والمخيمات خصوصا، وإخراجها من حالة البؤس والشقاء الذي تعيشه، وتمكين اللاجئ في المخيم من العيش ضمن حياة إنسانية كريمة.

وثالثاً ـ العمل من خلال اللاجئين وسكان المخيمات أنفسهم على لفت الأنظار لأهمية الانتباه للمخيمات وتطويرها وتنميتها، وتوفير فرص الحياة الكريمة والعيش الكريم للاجئ في المخيم.

**     ما مدى تفاعل اللاجئين مع الحملة وجهودها وأهدافها؟

-      الشيء الذي يبشر بالخير أن هذا التحرك لقي صدى واسعا وسط اللاجئين وسكان المخيمات، واستطعنا من خلال التوجه الصادق، والحديث القلبي دون تزويق أو وعود أو تعهد، بإعطائهم أشياء ليست في المقدور، أقول نجحنا في خلق علاقة ذات مصداقية مع أبناء المخيمات، وأيضاً نجحنا في دفعهم للاهتمام بقضيتهم من خلال رسالة صريحة قيلت لهم من المؤتمرات "بأنكم إذا لم تتحركوا، ولم تحتشدوا للدفاع عن قضيتكم، لن تمطر عليكم السماء ذهبا"، وبالتالي لابد أن نحرك جموع اللاجئين أنفسهم من خلال التأطير في لجان تعبر عنها وتدافع عن حقوقها المختلفة، وتؤكد نجاح الحملة فيما لمسناه من الإقبال التطوعي والاختياري على الانضمام في لجان تعبر عن اللاجئين، وتعكس مختلف شرائح المجتمع في هذه المخيمات .

**     هل استطاعت الحملة من أجل اللاجئين تحقيق شئ ملموس على أرض الواقع؟

-      هذا أمر مبكر الحديث عنه أو الحكم عليه، أما الشيء الملموس الذي تحقق هو تنمية الوعي بأهمية قضية اللاجئين وحقوقهم، وحفز اللاجئين من أجل التحرك نحو هذه الحقوق. أما النتائج الملموسة بمعنى تحقيق إنجازات نأمل أن يتحقق في المستقبل ومن خلال اللاجئين أنفسهم.

**     نسمع أن هناك عدة لجان تناقش قضية اللاجئين لجنة المفاوضات، لجنة المجلس الوطني والتشريعي، لجنة شؤون اللاجئين، وأخيراً لجنة د. أسعد عبد الرحمن، لماذا هذا التعدد؟ وهل تخدم هذه الجهود المتعددة القضية؟ ولماذا لا تكون هناك جهة واحدة مسؤولة عن هذه القضية حتى لا يتم تفتيت الجهود وتهدر عبثاً؟

-      سؤال لماذا هذا التعدد لا أسأل عنه أنا، بمعنى أنني لم أكن صاحب فكرة التعدد ولكن فيما يتعلق بلجان تهتم بقضية اللاجئين في المجلسين التشريعي والوطني، هذا أمر طبيعي، ولكنها تبقى لجاناً برلمانية، بمعنى أنها تراقب تنفيذ قرارات المجلسين فيما يخص قضية اللاجئين. وأيضاً لا تملك أكثر من رفع توصياتها للجهات المعنية للاهتمام بالقضية، أما بخصوص لجنة المفاوضات يعد موضوع اللاجئين بالنسبة لها موضوع مفاوضات، يتعلق بتطوير وتنمية حياة اللاجئين، وهذا موضوع سياسة ومن هنا جاءت مسؤولية الأخ أسعد عبد الرحمن بتكليفه من قبل الرئيس واللجنة التنفيذية، مسؤولية ملف المفاوضات بشأن اللاجئين والنازحين. ولكن بعد بدء تحركنا والوصول إلى الناس في مخيماتهم، شعرنا أن هذه اللجان بمختلف مسمياتها بدأت تتحرك. ونحن لا نشعر بأي منافسة مع أحد في مجال التحرك، ونتمنى أن يكون الاهتمام بقضية اللاجئين على قدر ما تستحقه هذه القضية من اهتمام وجهد، لا أن يكون الاهتمام من زاوية البحث عن عمل، إنما يكون البحث هو قضية اللاجئين وحقوقهم المتعددة وما يميز عملنا عن هذه اللجان، أنه يأخذ طبيعة شعبية وتفاعلات مع جموع اللاجئين في أماكنهم، وليس اجتماعات للجان وأطر سياسية معينة لقد سعينا إلى الناس لنحاول من خلالهم خلق المبادرات، لمتابعة قضاياهم بأنفسهم سواء عبر وكالة الغوث، أو عبر السلطة الوطنية، لهذا نؤكد أن عملنا شعبي/ جماهيري، وليس عمل لجان سياسية تتابع قضايا اللاجئين.

**     هناك تحرك في الشتات تحت عنوان "لجان العودة" يقوده الأخ هشام شرابي وآخرون، فهل هناك فرق بين توجهاتكم، وتوجهات هذه اللجنة؟

-      كما قلت نحن لا نشعر بأي منافسة، ولسنا في سباق مع أحد للاهتمام بقضية اللاجئين، إنما ينبع اهتمامنا بهذه القضية لإدراكنا لها والإخلاص لأصحابها أما الفرق بيننا وبين الحركة الموجودة في الشتات .

أولاً ـ حركتنا تلتصق بالداخل أكثر من حركة إخواننا في الخارج، وهذه الحركة تأخذ طابعاً لتشكيل أطر في مختلف بلدان أوروبا وأمريكا لتهتم بقضية اللاجئين من زاوية سياسية فقط ولا تلتصق بواقع المخيمات.

ثانيا ـ نشأت هذه الحركة وتمت خارج مخيمات الشتات الموجودة في دول الطوق. فنحن نتفاعل في قلب المخيمات وهنا ما يميز عملنا .

ثالثاً ـ تركز هذه الحركة على شعارات حق تقرير المصير والعودة كأنها حركة سياسية إنما حركتنا حركة شعبية وذات بعد اجتماعي واقتصادي وثقافي وسياسي في نفس الوقت .

رابعاً ـ نحن نعمل في إطار وحدة قضية اللاجئين الداخل والخارج وفي إطار منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها العنوان الأوسع للشعب الفلسطيني. فأحيانا نسمع بعض التصريحات من بعض الأخوان الذين يعملون في هذه الحركة. وكأنها حركة موازية لمنظمة التحرير الفلسطينية وأمل أن لا يكون مثل هذا التوجه موجوداً حتى لا نخلق جسما سياسيا موازياً للإطار العام الذي يضم الشعب الفلسطيني وهو منظمة التحرير الفلسطينية وهذه من وجهة نظري الفروق بين عملنا وبين لجنة الشتات.

**     هناك آراء تقول أن الجهات السياسية تركز جهودها على قضية اللاجئين في الشتات وحقوقهم، بينما قضايا اللاجئين وحقوقهم في الداخل غير مدرجة على جدول المفاوضات ما رأيك؟

-      من رأيي أن قضية اللاجئين هي قضية واحدة في الداخل والخارج، وعندما نتحدث عن حق العودة للاجئين نتحدث عن حق العودة الذي أقرته قرارات الشرعية الدولية. وعودة اللاجئين سواء الذين يقيمون على أرض الوطن أو في الشتات، لهم حق سياسي في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم. من هنا يجب النظر لقضية اللاجئين، نظرة واحدة وليس اللاجئ هو فقط الموجود في الخارج، إنما أيضاً الموجود في الداخل، وأعتقد أن القضية يجب أن تناقش من خلال هذا المنظور الكلي دون تجزئة.

**     ما هي الخطوات الإجرائية التي ستتوجهون بها للسلطة الوطنية بشأن اللاجئين؟

-      هذا الأمر يقرره اللاجئون أنفسهم، عن كل مؤتمر عقد في المخيمات الثمانية انبثقت توصيات ومتطلبات، منها ما يتعلق بوكالة الغوث، ومنها ما يتعلق بمؤسسات السلطة الوطنية، هذه التوصيات ستصاغ جميعها في وثيقة عامة، وترسل إلى كل الجهات المعنية، وستتولى اللجان المنبثقة عن اجتماعات المخيمات، وعن المؤتمر العام الذي نحن بصدد التحضير له، وسيعقد قبل نهاية هذا الشهر الاتصال بكل الجهات من أجل تنفيذ هذه المتطلبات والتوصيات.

**     ما مضمون هذا المؤتمر العام وكيف تم تشكيله؟

-      عن كل مؤتمر من المؤتمرات التي عقدت في المخيمات، انبثقت هيئات ولجان اختيارية وطوعية، تسابق الناس إلى ترشيح أنفسهم للانضمام إلى هذه اللجان الطوعية، وتقريباً عن كل منطقة من المناطق الثمانية تراوحت الأعداد المتطوعة ما بين 50 –80 من كل منطقة وأيضاً الخريطة الجغرافية والاجتماعية، ومجموع هذه الهيئات بالإضافة إلى شخصيات وطنية أخرى ستشكل المؤتمر العام للاجئين.

**     هناك أراء تقول أن للاجئين الحق في الاطلاع على ما يدور بالنسبة لقضاياهم في المفاوضات، ويجب أن يرجع المفاوض إليهم لأنهم أصحاب الحق، سواء عن طريق الاستفتاء أو استطلاعات الرأي، ما رأيك؟

-      هذه القضية لا تخص اللاجئين وحدهم، إنما تخص مختلف أبناء الشعب الفلسطيني ولا يعني أن قضية اللاجئين وحدها، من بين قضايا المفاوضات هي التي من حق اللاجئين أن يطلعوا عليها، إنما كل قضايا المفاوضات يجب أن يكون للشعب رأي واضح فيها من خلال مؤسساته، ومن خلال الوصول إلى عمق الشارع الفلسطيني. فمن وجهة نظري كلما التصق المفاوض الفلسطيني بالعامل الشعبي كلما استطاع أن يوفر القوة في موقفه التفاوضي، وبقدر ما يستند المفاوض إلى الناس، والتمسك برأيهم والاستئناس به، تتفتح أمامه أفكار ربما تكون غائبة عنه، وبالتالي يحتمي بهذه المواقف في وجه التصلب الإسرائيلي وبقدر ما يغيب أو يغيب نفسه عن الالتصاق بالقاعدة الجماهيرية، يكون ضعيفاً في موقفه التفاوضي.

**     ماذا بعد هذه الحملة الشعبية من أجل اللاجئين؟

-      إذا وصلت هذه الحملة إلى مداها. بمعنى استكملت أطرها في القطاع والضفة والشتات، الهيئات نفسها المنبثقة عن هذه الحملات الشعبية، ستجد وسائلها وطرق عملها من أجل لفت الأنظار إلى قضيتها، ومن أجل توفير أكبر قدر من الدعم لتطوير وتنمية مخيمات وحياة اللاجئين وأيضاً لدفع كل الأطراف المعنية لتقف باهتمام عند قضية اللاجئين وعدم تجاوزها بأي شكل من الأشكال.

**     سيادتكم لا تملكون حق الانتقال من غزة إلى باقي الوطن، كيف يمكن لكم متابعة كافة قضايا اللاجئين في باقي أرجاء الوطن؟

-      أمل أن تحل هذه المشكلة قريباً، واعتقد أنها في طريقها إلى الحل وعندها لن تكون هناك عقبة في الوصول إلى كل أماكن تواجد اللاجئين، في مختلف أماكن المخيمات، وأمل أيضاً أن لا تقتصر حركتنا أو ما نضعه في الذهن على اللاجئين والمخيمات في الداخل، بل وبالتأكيد سنجد وسيلة ليصل الجهد القائم في الداخل، إلى الخارج ومخيمات الشتات.

**     حسب تصور سيادتكم، أين وصلت المفاوضات بشأن قضية اللاجئين على المستوى الرسمي؟

-      بشكل عام لست مطلعا على ملف المفاوضات، ولكن حسب ما هو معلوم، أن قضية اللاجئين هي إحدى القضايا المؤجلة لمرحلة الحل النهائي، وهذه المرحلة لم تبدأ بعد، وبالتالي قضية اللاجئين يفترض أنه لم يبدأ بحثها حتى الآن. لكن هذه القضية ضائعة بين المباحثات الثنائية من جهة، والمباحثات المتعددة من جهة أخرى، ولا أدري أي من المباحثات هي التي ستقرر قضية اللاجئين وهناك عدة مخاطر تواجه قضية اللاجئين:

أولاً ـ أن تبحث القضية من زاوية إنسانية أو اجتماعية أو اقتصادية فقط، بعيدا عن زاويتها السياسية.

ثانياً ـ أن تنفرد أطراف عربية ببحث القضية بعيداً عن الطرف الفلسطيني، وبعيداً عن اللاجئين أنفسهم.

ثالثاً ـ محاولة وضع توجهات أو إطار لحل قضية اللاجئين غير قائم على القرار 194، وتشير المخاوف أن القرار 194 مستبعد حتى الآن من إطار بحث قضية اللاجئين لدى بعض الأطراف العربية وحتى في المباحثات المتعددة. من هنا نلفت الأنظار إلى أهمية التمسك بالقرار 194 وحق العودة، وعدم القفز عنه في أي مباحثات تخص قضية اللاجئين.

**     في رأيك ما مستقبل قضية اللاجئين على المستوى العام؟

-      منذ البداية قلت أن قضية اللاجئين هي الرافعة التي حملت القضية الفلسطينية، وفي رأيي ستبقى قضية اللاجئين هي الرافعة ما دام التمسك بها جارياً، وما دامت حية، فهي التي ستحمل الحقوق، وتستكمل الحقوق السياسية والتفريط في قضية اللاجئين يعني التفريط في الحقوق الفلسطينية، لأنه لا يتم حل القضية الفلسطينية إلا بحق قضية اللاجئين، من خلال حق العودة وقرارات الشرعية الدولية. لهذا مستقبل القضية هو مستقبل قضية اللاجئين ومستقبل قضية اللاجئين هو مستقبل القضية الفلسطينية.

 *    *    *

نحتاج لتوحيد الجهود الفلسطينية لمعالجة قضية اللاجئين([2])

القضية الفلسطينية قضية حساسة جداً، وهناك جهات عدة تعالج قضايا كثيرة تتعلق بها، ومن القضايا الشائكة التي تتم معالجتها قضية اللاجئين الفلسطينيين. والصراع العنيف الذي يدور حول هذه القضية يحتاج إلى جهد كبير من المفاوضين الفلسطينيين لمقاومة أي ضغوط إسرائيلية عليه. وبالتالي وجدت القوى الشعبية التي أعطت دافعاً مهماً للمفاوض الفلسطيني بأن يستمر في الدفاع عن حقوق اللاجئين ودفعهم إلى التخلي عن أراضيهم، وبخاصة الأراضي الكائنة في المنطقة المحتلة منذ عام 1948 والحد من نشاط سماسرة الأراضي.

 

حول قضية اللاجئين وبعض متعلقاتها كان لنا هذا اللقاء مع الأستاذ عبد الله الحوراني عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية.

**     تقوم جهات فلسطينية متعددة بمعالجة موضوع اللاجئين، وهي جهات تختلف حول آلية &