|
|
|
|
|
|
ثورة يوليو والصراع العربي الصهيوني " رؤية عبد الناصر للصراع " بقلم : عبد الله الحوراني
v طبيعة الصراع وأهدافه وأطرافهلا يمكن النظر للصراع العربي الصهيوني، أو الحديث عنه، بمعزل عن الصراع العربي مع قوى الاستعمار الغربي، ممثلة في السابق، بفرنسا، وبريطانيا التي لعبت الدور الأساس في إقامة دولة إسرائيل، ولاحقاً في الولايات المتحدة الأمريكية، التي تبنت إسرائيل، وتولت تقويتها وحمايتها، كما لا يمكن الفصل بين إقامة إسرائيل في قلب الوطن العربي، والأهداف والمصالح الغربية في المنطقة العربية. التي توافق المحللون على تحديدها في : - تفكيك الجغرافيا السياسية للوطن العربي، وإقامة الدول القطرية. - منع قيام الوحدة العربية. - الحفاظ على سهولة الاتصال بين أجزاء المستعمرات الغربية (ما بين الحربين العالميتين). - التواصل مع الأقليات الدينية والطائفية والقومية، وتشجيع الميول الانفصالية لديها. - السيطرة على الثروة النفطية العربية وبخاصة في منطقة الخليج. - الحيلولة دون تطور البلدان العربية تقنيا وعلميا. - اشغال الدول العربية، وإنهاكها، عبر العدوانية والتوسعية الإسرائيلية، وتوظيف ذلك في دفع بعض الدول للاحتماء بالغرب، مما يعزز وجوده في المنطقة. وفي مرحلة الحرب الباردة التي استعرت بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي في أعقاب الحرب العالمية الثانية، أضيف لهذه الأهداف هدف منع وقوع المنطقة في فلك النفوذ السوفيتي، ومحاربة التيارات الشيوعية، وتشجيع النظم الرأسمالية. وقد تصاعد في هذه المرحلة، كهدف استراتيجي للتحالف الغربي الصهيوني، الحفاظ على وجود الدولة الصهيونية، بصفتها أحد التعبيرات الاستراتيجية، وقاعدة متقدمة للتحالف في وجه كل من النفوذ السوفيتي من جهة، وكافة الطموحات العربية المناهضة للهيمنة الغربية، وذراعاً لمحاربة النظام العربي القومي، وحركة التحرر القومي العربية التي شهدت نهوضاً أقلق الوجود الاستعماري الغربي والكيان الصهيوني ومصالحهما في المنطقة خلال عقدي الخمسينات والستينات. وظلت محاربة المشروع العربي النهضوي، والتآمر عليه، وضربه، هدفاً دائما للتحالف الغربي الصهيوني تمثل في ملاحقة التطلعات القومية لمصر في عهد عبد الناصر حتى تم ضربها، كما تم لاحقاً ضرب المشروع نفسه الذي حاول العراق النهوض به. وإذا صنفنا الأسس الاستراتيجية، ذات الطبيعة المصلحية المادية بأنها أبعاد تعاقدية للتحالف، فإن أبعاداً دينية روحية تمثل جانباً غير منظور، وغير تعاقدي لهذا التحالف. وهي أبعاد لم يُلتفت إليها كثيراً من جانب مدرسة التحليل المادي لتاريخ الصراع الغربي الصهيوني / العربي في فلسطين ومن حولها، مع أنها تمثل الجانب الأرسخ الذي يمكنه أن يعيش بلا سقف تاريخي محدد، لأنه يصل التحالف بجذور دينية يصعب تغيرها وفق تطورات المصالح المادية الاستراتيجية. وأساس هذه الأبعاد الثقافية الدينية للتحالف، هو إيمان جماعات دينية قوية في المنظومة الأوروبية الأمريكية بثلاثة أفكار تدفع لمساندة الغرب لإسرائيل والحركة الصهيونية. q الفكرة الأولى: أن الصهيونية نتاج الفكر الحضاري الغربي، وان الحضارة الغربية لها شقان: مسيحي ويهودي. فبعض الكنائس المسيحية البروتستانتية ذات الصلة بالعقيدة الألفية والفكر الاسترجاعي تتخذ موقف التأييد من قيام دولة يهودية في فلسطين بوصفها حقا تاريخيا ودينيا لليهود، باعتبار أن عودة اليهود إلى الأرض الموعودة (فلسطين تحديدا) هي برهان على صدق التوراة وعلى اكتمال الزمان والعودة الثانية للسيد المسيح. ويرتبط أصحاب العقيدة الألفية بدعوة "الاسترجاع" أي إرجاع اليهود إلى فلسطين، ويركز الألفيون والاسترجاعيون على أن إسرائيل وشعبها "المختار" هم طبقا للعهد القديم، عنصر مقدس يجب الدفاع عنه، ويعتبرون أن إسرائيل الواردة في التوراة هي إسرائيل المعاصرة في فلسطين، وغالبا ما يطلق على هذه الاتجاهات الدينية مصطلح "الصهيونية المسيحية" وعلى معتنقيها "الصهيونيون غير اليهود". ويعتبر "الإنجيليون" أبرز الطوائف المسيحية تبنيا لهذه الأفكار، وهم كما هو معروف، منتشرون بكثرة في الغرب، حتى أن عددهم في الولايات المتحدة الأمريكية يتجاوز الأربعين مليونا. كما يلاحظ أن تبني المشروع الصهيوني من جانب بريطانيا تحديدا، إبان صدارتها في النظام الدولي عشية الحرب العالمية الأولى وغداتها، لم يكن مجرد استجابة للطموحات الاستعمارية في المشرق العربي، بل إنه مثل في أحد وجوهه الهامة، منهجا منسجماً مع ما ترسخ في الثقافة الإنجليزية من تأثر بالأفكار التوراتية، قبل صدور وعد بلفور بوقت طويل، حتى أن المؤرخة اليهودية "بربارة كوشمان"، "تؤكد أنه بدون التراث التوراتي الذي تغلغل في الفكر والأدب والتعليم والطقوس الدينية الإنجليزية، كان من المشكوك فيه أن يصدر وعد بلفور عام 1917، أو يتم الانتداب البريطاني على فلسطين بعد ذلك بوقت قصير، وذلك رغم العوامل الاستراتيجية التي برزت على المسرح فيما بعد". وقد أضحى معلوما الآن، أن التأثيرات الفكرية الصهيونية غير اليهودية، بكل أطيافها، كانت منتشرة في معظم دول أوروبا والولايات المتحدة، وأنها قد وجدت صداها في مواقف قادة وزعماء سياسيين وتجار ومفكرين وأدباء ورجال لاهوت، الأمر الذي فعل فعله في المراحل التحضيرية لإنشاء الكيان الصهيوني، ومازال صداه يتردد في الخطاب الثقافي والسياسي الغربي تجاه هذا الكيان حتى الوقت الحاضر، فقائمة "الألفيين" المؤثرين في صناعة القرار في الغرب، تضم بين جنباتها أسماء معاصرة على قدر عظيم من الأهمية (مثل الرئيسين الأمريكيين السابقين كارتر وريغان...). إن هذه الهالة المقدسة التي تضفى على الوجود الإسرائيلي، تفرض على أصحاب هذه المعتقدات أن يدافعوا عن هذه الوجود، ومما لا يخلو من مضامين في هذا الصدد، ما يؤثر عن الرئيس الأمريكي الحالي بيل كلينتون من أنه قال في إحدى المناسبات "آمنت بدعم إسرائيل منذ عرفت أول شئ عن قضيتها، وربما كان لنشأتي الدينية علاقة بذلك. لقد ذكر لي قسيس بأنه يأمل أن أرشح نفسي في الانتخابات الرئاسية، وأنني إذا خذلت إسرائيل فإن الله لن يسامحني أبداً". q الفكرة الثانية : أن الصهيونية بنزعتها الاستيطانية تمثل إحدى حركات الاستيطان الغربي في عوالم الآخرين، كالأمريكيين، وجنوب إفريقيا، ونيوزيلندا، والجزائر، وبالطبع فلسطين، فلابد من نصرتها في كل الأحوال . وهذه الحقيقة تؤكد أن تجربة الاستيطان الصهيوني قد زرعت في رحم الفكر الاستيطاني الغربي، وولدت، ثم نمت وأينعت في أحضان نماذجه التطبيقية، وأن دروب الصلة بين حركة الاستيطان الأوروبي والاستيطان الصهيوني في فلسطين متعددة، بحيث لا يسهل الخوض في احتمال الفهم بين المجتمع الاستيطاني الإسرائيلي، وبين أصله الأوروبي، وشبيهه في جنوب إفريقيا . فمن ناحية، يمثل الاستيطان الصهيوني بالنسبة إلى الغرب وحضارته، أحد نماذج هجرة الأقليات الأوروبية للبحث عن عالم جديد (البيوريتانز من بريطانيا، الهوجونوت والكالفانيين من فرنسا، اليهود من أوروبا عموما ...) وقد تمت أول هجرة استيطانية يهودية خارج أوروبا صوب الولايات المتحدة، وذلك حين اصطحب "كولومبس" في رحلته الاستكشافية، خمسة من اليهود، فكأن الحركة الاستيطانية اليهودية لم تنفصل عن الحركة الأوروبية الأم منذ البداية، وهذا يدخل في تفسير التعاطف الغربي مع المجتمع اليهودي في فلسطين . ومن ناحية ثانية، فإن علاقة المجتمع الصهيوني في فلسطين بأوروبا قد تحدد في ضوء الصلة بين المجتمع الاستيطاني وبين بلدان المنشأ أو الأصل، حيث تظل بلدان الأصل على تواصل عاطفي مع المجتمع المهاجر في موطنه الجديد. ومن ناحية ثالثة، يمكن القول أن علاقة المجتمع الصهيوني في فلسطين بالولايات المتحدة، تقوم في أحد مداخلها على استشعار الأمريكان وتأثرهم بالتجربة الاستيطانية المشتركة، كذلك يتغذى التعاطف الأمريكي على فكرة أن كلا من المجتمع الأمريكي والمجتمع الإسرائيلي هو مجتمع أقليات مهاجرة، وأن كلاهما يسعى لصهر هذه الأقليات في بوتقة لبلورة مجتمع جديد يافع. ومن هنا لا يستهجن معظم الأمريكيون الممارسات الإسرائيلية، ولا يرون أن ما يحدث في فلسطين أمر غير طبيعي. ومما يتصل بالجوانب السابقة، أن بين أبناء المجتمعات الغربية من هم قادرون على فهم تجربة إسرائيل من حيث نشأتها، ومكانتها بالنسبة إلى محيطها الإقليمي في إطار نظرتهم إلى دور الرجل الأبيض ورسالته التاريخية في تمدين الآخرين، فإسرائيل عندهم، تجسيد حي للفلسفة التي تمجد الحضارة الغربية، والتخلي عنها يعني هدم ما بناه هذا الرجل في "الشرق الأوسط المتخلف". وبالنسبة إلى الثقافة الأمريكية، فإن إسرائيل ـ ورجلها المهاجر الأبيض ـ نجحت في إنجاز ما قام به الرواد الأوائل في أمريكا، حين أحالوا البراري القاحلة إلى جنات وارفة. وهنا تكون إسرائيل عامل حضارة ومدنية في إقليم لا يعترف بالجميل. وذات حين أثار الرئيس الأمريكي الأسبق "كارتر" هذا المفهوم حين قال : "لقد أقام رواد وأقوام تجمعوا من كلا الشعبين من دول شتى الولايات المتحدة وإسرائيل. فشعبي كذلك أمة مهاجرين، كما أننا نتقاسم معا ميراث التوراة". إن نظرة لها مثل هذا الإيغال في تضاعيف العقل الغربي، تجعل من إسرائيل دون شك جزءا من الميراث الحضاري الغربي. وهي نظرة لا علاقة لها بتغير النظام الدولي، فإسرائيل، بكلمات أخرى، تبدو كممثل دائم للغرب وحضارته في هذه المنطقة، ولأنه ليس في الأفق حتى الأن ما يوحي بتغيير رؤية الغرب لنفسه أو إيمانه بسطوته الممتدة في كل مكان، وبخاصة في ضوء يبشر به جانب من الفكر الغربي بالنسبة إلى زوال كل منافسة للحضارة الغربية وقيمها على نطاق عالمي. q الفكرة الثالثة : تنجم عن عوامل الانحياز الحضاري والإعجاب السياسي في الغرب بالفكر الصهيوني والنظام الإسرائيلي. إن جوهر هذه الدوافع الداعية إلى دعم إسرائيل، في الغرب، وهو الجزم بأن إسرائيل هي، من حيث بنيتها وممارستها السياسية، لا تعدو كونها مثالا حيا في "الشرق الأوسط" للبني والممارسات السياسية الغربية، ليس هذا فحسب، بل إن هناك مركبا فكريا ينساب في الوعاء اللاشعوري للرأي العام الغربي على مستوى خاصة الناس وعامتهم: بأن إسرائيل هي في كل جوانب حياتها القيمية والفلسفية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية لا تخرج ، بحال، عن الجوانب الغربية المثيلة، سواء من حيث الفكر أو الحركة. فاليهودي الذي يعيش في إسرائيل الآن، عاش مطولا بين الغربيين، واستقى منهم مثله وتقاليده على كل الصعد عبر قرون ممتدة، وينظر الغربيون حولهم فيجدون ما يؤكد هذا المركب الفكري، ذلك أن مظاهر الصلة الإسرائيلية بهم مازالت حية متواترة بينهم، ويمكن التأكد منها، بمجرد إلقاء نظرة على المؤسسات المالية والبنوك والأنشطة الاقتصادية والإعلامية، ومختلف مناحي الحياة المؤثرة. إن الغرب لا ينظر في أعماقه إلى إسرائيل باعتبارها مجرد "دولة شرق أوسطية" تسعى إلى سلوك الطريق الغربي والفلسفة الغربية في الحياة والاقتداء بهما، كما هو شأن دول أصلية كثيرة في المنطقة، لكنه يتقيد بكونها جزءا منه، يحمل جيناته الوراثية ـ إذا صح التعبير ـ في كل شيء، إسرائيل عند الغرب، دولة شرق أوسطية بالمفهوم الجغرافي والاستراتيجي فقط، بينما هي من حيث الفكر والسلوك دولة غربية صرفة. وذلك، ما على مجتمعات الشرق الأوسط، ولا سيما العربية منها، إلا أن تحذو حذو إسرائيل وتستهدي بنظمها الاقتصادية والسياسية وتقدمها التقني، إذا أرادت الاقتداء بالغرب . كذلك، فإن مما يلقى إعجابا واهتماما في أوروبا، ويصل إلى حد الانبهار في الولايات المتحدة، صورة إسرائيل "الدولة الديموقراطية الصغيرة المثابرة" وفي هذا الشأن فإن إسرائيل القوية المنتصرة في "الشرق الأوسط" تؤدي مهمة جليلة للعالم الحر، في هذه المنطقة ذات القوى الاستبدادية والنظم الديكتاتورية الممثلة للشخصية الشرقية . ومن جانبهم، لا ينكر الإسرائيليون معرفتهم بهذه المنطلقات، ويسعون إلى تعضيدها . وقد أشار بن جوريون إلى ذلك حين ذكر "أن إسرائيل جزء من الشرق الأوسط من حيث العامل الجغرافي فقط، ورغم أن الوقت تكفل بإظهار الكثير من سوءات النظام الإسرائيلي على صعد مختلفة، ككذب الادعاء بديمقراطية الحياة السياسية على الأقل تجاه الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة، وكبر حجم المشكلات الهيكلية الاقتصادية وعنصرية القيم الصهيونية ...، ورغم ذلك، فإن الغرب مازال ينظر إلى إسرائيل بحكم الاعتقاد بانتمائها إليه، على أنها الراعي الوحيد الذي يمكن الوثوق به لحراسة مثله في "الشرق الأوسط". في ضوء هذه المنظومة من الدوافع التاريخية الدينية الثقافية، التي تؤطر العلاقة الغربية ـ الإسرائيلية، وتتغلغل في تضاعيفها، تبدو مسألة استمرار الرعاية الغربية لإسرائيل عبر أفق زمني يصعب تحديده، قضية بديهية. فمن الثابت، أن الاستعصاء على تفكيك وعدم المرونة أو القابلية للتغير، هي سمات لصيقة بطبيعة هذه الدوافع، على الأقل مقارنة بما قد يعتري الروابط ذات الطبيعة المصلحية المادية البحتة، وإذا صح الوصف، أمكن القول أن المحدد التاريخي الثقافي الذي ينظم الصلة الغربية ـ الإسرائيلية، هو محدد عابر للنظم الدولية والإقليمية، مهما كان مخرجها النهائي، لن تقود إلى عزوف الغرب عن مساعدة إسرائيل على تبوء مكانة الصدارة في محيط وجودها. لا سيما، أن شعور الغرب بالانتصار النهائي في الصراع الأيديولوجي على نطاق عالمي، قد يقترن على الأرجح، بالشعور بإمكانية تحقيق النموذج الإسرائيلي ـ المتفرع بتاريخه عضويا وقيميا عن الغرب ـ لانتصار نهائي رديف في هذه المنطقة من العالم، وتجدر الإشارة إلى أن إسرائيل كانت قد حددت خياراتها منذ ما قبل الحرب الباردة وأثناءها، فحرصت على إبقاء محيطها الإقليمي (المنطقة العربية أو الشرق الأوسط) موضوع لتغلغل المثل الغربية، ومما يذكر في هذا الشأن، أن إسرائيل تطلعت في الخمسينات للانضمام إلى حلف الأطلنطي. وعندما فشلت في ذلك طلبت رسميا توقيع معاهدة للدفاع المشترك مع واشنطن، والالتحاق بالجماعة الأوروبية. وفي كل الأحوال، فقد انحازت إسرائيل إلى الغرب ضد المثل الاشتراكية عالميا والمثل القومية العربية إقليميا، التي عارضها الغرب على حد سواء. ومن المتصور أنها في كل التحولات الدولية والإقليمية المواتية للغرب، سوف تعكف على محاولة استثمار خدماتها الأيديولوجية السابقة، لتعزيز مكانتها في أية ترتيبات يزمع الغرب، المنتصر أيديولوجيا ونظاميا، أعدادها. ومن جهتهم يبادل الصهاينة الغرب وداً بود، فهم يعتبرون أنفسهم نتاجا لثقافة الغرب ومثله في كل مكان، نجاحهم في الشرق نجاح له، والعكس بالعكس، وبغض النظر عن تنقل مركز قيادة الصهيونية بين القوى الغربية، فإن كل هذه القوى تتحرك من داخل دائرة حضارية واحدة، وتجمعها ثوابت استراتيجية، ثقافية، دينية، تحدد صلاتها بالعرب كجوهر حضاري ـ ثقافي مختلف، ومنافس ويمكنه ممارسة دور مقاوم وربما يكون ندا للتوجهات الغربية الصهيونية. ومن وجهة نظر البعض، تجب هذه الأسس الثقافية الدينية الروحية للتحالف غيرها من الأسس وتسبقها عند اللزوم، وخير دليل على ذلك أن تراجع مكانة إسرائيل الاستراتيجية ـ العسكرية مثلا ـ أثناء حرب الخليج، إذ كانت معوقا للحركة العسكرية الأمريكية (الغربية)، لم يستتبعه، كما توقع البعض تراجع في قوة التحالف الغربي الصهيوني.
v العلاقة بين حرب فلسطين وقيام الثورةكان لابد من تحديد طبيعة الغزو الصهيوني لفلسطين والمنطقة العربية، وأبعاده، وأهدافه، وطبيعة علاقاته وتحالفاته مع الغرب، والامتداد المتبادل بينهما، قبل الحديث عن ثورة يوليو، وكيفية تعاملها مع هذا الصراع. فإلى أي حد وعت ثورة يوليو، وقائدها، طبيعة هذا الصراع، وأبعاده، وكيف تعاملت معه؟ هذا ما سنحاول رؤيته. حين قامت ثورة يوليو، لم يكن قد مضى على نكبة فلسطين إلا بضعة أعوام. لكن هذه النكبة كانت حاضرة في وجدان الثورة وتفكيرها قبل انطلاقها. فمعظم ضباط الثورة، بمن فيهم قائدها، كانوا مشاركين في معركة الدفاع عن فلسطين، وشهوداً على النكبة، ومن ضحاياها. لدرجة أن بعض المحللين نسبوا قيام الثورة لتأثيرات النكبة، خاصة وأن نتائج معركة فلسطين أخذت تتفاعل في البلدان العربية الأخرى التي شاركت في الحرب (انقلابات سوريا المتعددة من 1949 ـ 1952)، واغتيال الملك عبد الله ملك الأردن في القدس (1951). وفي مصر نفسها كانت نتائج الحرب مازالت تتفاعل في المجتمع المصري، وفي الحياة السياسية المصرية، من الحديث عن الأسلحة الفاسدة إلى الاتهامات الموجهة للقصر الملكي وأتباعه حول تواطئهم ضد الجيش، إلى حريق القاهرة، وغيرها من التفاعلات التي كانت تمور بها الحياة السياسية في مصر. وقد حرص عبد الناصر في وقت مبكر بعد قيام الثورة أن يحدد الأسباب الحقيقية لقيامها. فلم ينف تأثيرات نكبة فلسطين في قيام الثورة، ولم يجعلها في الوقت نفسه السبب الوحيد أو حتى الرئيس. فقد جاء على لسانه في "فلسفة الثورة" قوله: "ليس صحيحاً أن ثورة يوليو قامت بسبب النتائج التي أسفرت عنها حرب فلسطين، وليس صحيحاً كذلك أنها قامت بسبب الأسلحة الفاسدة التي راح ضحيتها جنود وضباط ... إنما الامر في رأيي كان أبعد من هذا، وأعمق أغواراً(1)". ولكنه في الوقت نفسه والمكان نفسه يقول: "إن نتائج هذه الحرب ربما كان أكبر تأثير لها أنها تستحثنا على الإسراع في طريق الثورة(2)". أي أنه كان يرى أن ما جرى في فلسطين، قد كشف حقيقة ما وصلت إليه الأوضاع في مصر، الامر الذي يتطلب سرعة التغيير. من ناحية أخرى، أراد عبد الناصر أن يؤكد على الترابط بين أهمية وضرورة التغيير في مصر، وبين ما جرى في فلسطين، باعتبار فلسطين امتداداً لمصر، وجزءً من أمنها القومي. فهو يقول في هذا المجال: "إن القتال في فلسطين، ليس قتالاً في أرض غريبة، وليس انسياقاً وراء عاطفة، وإنما هو واجب يحتمه الدفاع عن النفس(3)" ففي رأي عبد الناصر أن مصر حين تحارب إسرائيل تقوم في المقام الأول بواجب الدفاع عن نفسها. فقد "كنت مؤمناً بأن الذي يحدث لفلسطين، كان يمكن أن يحدث ـ ومازال احتمال حدوثه قائماً ـ لأي بلد في هذه المنطقة، مادام مستسلماً للعوامل والعناصر والقوى التي تحكمه الآن، فتجعله ضعيفاً إزاء مطامع إسرائيل في التوسع(4)". ويفسر عبد الناصر مشاركته ومشاركة إخوانه الضباط الاحرار في الدفاع عن فلسطين، واستبسالهم في معركتها، المتطوعون منهم، والنظاميون، "بأنها انعكاس لما ترسخ في وعيهم من أن رفح ليست آخر حدود بلادنا، وأن نطاق سلامتنا يقضي أن ندافع عن حدود إخواننا الذين شاءَت لنا أحكام القدر أن نعيش معهم في منطقة واحدة(5)". هذا يعني بوضوح أن مواجهة إسرائيل وعدوانها على الأراضي العربية هي قضية وطنية مصرية وواجب مصري، وأن تحرر مصر وحمايتها، لا يكتملان إلا بتحرير الأرض العربية المجاورة وحمايتها من العدوان الإسرائيلي. وهو يعني أيضاً خطأ التصور السائد الآن، والقائل بأن تحرير مصر قد اكتمل بانسحاب القوات الإسرائيلية من سيناء. ويمكن تلخيص هذه الرؤية الناصرية للعلاقة بين الاحتلال الصهيوني لفلسطين، والخطر القائم على مصر وعلى أي بلد عربي آخر بأنها رؤية قومية لوحدة الصراع وأبعاده، وعدم تجزئة الصراع مع العدوان الصهيوني إلى صراع قطري يخص كل بلد عربي على حدة، بحيث تقع على عاتق كل بلد وحدة مسؤولية مواجهة العدوان الإسرائيلي عليه.
v الموقف من إسرائيل هو الموقف من الاستعمار الغربيوفضلاً عن إدراك عبد الناصر المبكر أن الاحتلال الصهيوني لفلسطين هو تهديد لأمن مصر القومي، وأن مواجهة هذا الاحتلال هي مسؤولية وطنية مصرية يحتمها الدفاع عن حدود مصر، باعتبار ذلك حقيقة ترسخت في الوجدان الوطني المصري، وشكلت جزء من تراثه عبر التاريخ منذ العهد الفرعوني، مروراً بالغزو الصليبي، (معركة حطين 1187) والمغولي (معركة عين جالوت 6 أيلول 1260) وحتى حرب فلسطين عام 1948. أدرك عبد الناصر مبكراً أيضاً ارتباط إسرائيل بالاستعمار الغربي وأهدافه، وتبعيتها الكاملة له. وكان عبد الناصر يرى في الاستعمار العدو الأول لمصر. وأن هذا الاستعمار لا يتورع عن تجنيد واستخدام قوى داخلية وخارجية لإحكام سيطرته على مصر. وأن إقامة دولة إسرائيل في فلسطين هي جزء من مخططات الاستعمار لتهديد أمن واستقلال الدول العربية المجاورة لها. ومما ساعد على تأكيد إحساس عبد الناصر بخطورة الاستعمار وخطورة إسرائيل بالتالي، أنه ابتدأ منذ تولي الضباط الأحرار زمام السلطة، في مجابهة حادة مع بريطانيا التي تحتل قواتها منطقة قناة السويس، وتستخدم قواعدها فيها لتهديد مصر والضغط عليها والحد من استقلالية سياستها. ولذلك كان الجهد الأبرز الذي انصرفت له قيادة الثورة منذ أيامها الأولى هو تحقيق جلاء القوات البريطانية وتصفية نفوذها في مصر. وكان عبد الناصر مؤمناً بأن إسرائيل هي صنيعة بريطانيا في المنطقة العربية. فبريطانيا هي التي رعت الأطماع الصهيونية في فلسطين ودعمتها، واحتلال بريطانيا لفلسطين هو الذي مهد الطريق لقيام الدولة الصهيونية. وقد بدأ التمهيد لزرع الجسم الصهيوني في الأرض العربية بتقسيم بلاد الشام إلى أربعة أجزاء في معاهدة سايكس بيكو (1916). ثم إعلان بريطانيا وعد بلفور (1917) الذي يمنح اليهود حق إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، ووضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني لتمكين الحركة الصهيونية من إقامة الدولة الإسرائيلية عبر السماح لليهود بالهجرة إلى فلسطين، وتسليحهم وتدريبهم. فبريطانيا إذن، هي المسؤولة أولاً وأخيراً، عن إيجاد دولة إسرائيل. وبإيمان كهذا يمكن فهم، لماذا اقترن موقف عبد الناصر من إسرائيل، بالموقف من بريطانيا الاستعمارية. فهو يقول: "لم تكن إسرائيل إلا أثراً من آثار الاستعمار البريطاني، وكان من شأن الفكرة الصهيونية، لولا دعم بريطانيا لها، أن تظل خيالاً مجنوناً ليس له أي أمل في الواقع(6)". فالعدو إذن هو الاستعمار، وإسرائيل هي التابع، هي النتيجة، أو كما قال عبد الناصر |