Abdullah  Al-Hourani

 

 

الرئيســـية
سيرة ذاتية
مقـــالات
دراســــات 
أقـــــــلام
المجلس المركزي
الجبهة القومية
صـــــــــور
روابـــــط
اتصــل بنـا
 

 

حق العودة في مشاريع التسوية غير الرسمية

بقلم : عـبد الله الحوراني

بالرغم من أن قضية اللاجئين الفلسطينيين وحقهم في العودة إلى أراضيهم وممتلكاتهم الأصلية التي هجروا منها عام 1948 ، بعد الاغتصاب الصهيوني لفلسطين، تشكل ـ مع قضية الاحتلال ـ جوهر قضية فلسطين .

وبالرغم من الدور الذي لعبته مخيمات الشتات ، وجماهير اللاجئين عموماً في الحفاظ على الهوية الوطنية الفلسطينية ، وفي حماية قضية فلسطين عموماً من الاندثار والنسيان ، ودور تجمعات اللاجئين الفلسطينيين في الخارج في بلورة وإنشاء الحركة الوطنية الفلسطينية من خلال إطلاق شرارة ثورة التحرر الفلسطينية ، وإنشاء منظمة التحرير الفلسطينية كإطار ناظم للنضال الفلسطيني بكل تياراته وفصائله ، حيث كانت مخيمات اللجوء حاضنة للثورة وعنوانا لتضحياتها ، كما تحملت مخيمات الداخل لاحقاً العبء الأكبر في الانتفاضة ، وكانت هذه المخيمات أيضاً ، بوصفها الرمز الحي لقضية اللاجئين وحقهم في العودة ، المستهدف الأول في عمليات الاجتياح والتدمير والقتل التي مارستها قوات الاحتلال الصهيوني على مدى السنوات السابقة .

وبالرغم أيضا، من أن حق العودة للاجئين مثَّل الهدف الأول من أهداف النضال الوطني الفلسطيني ، وجرى تثبيته في ميثاق منظمة التحرير ، وبرنامجها السياسي ، وفي كل البرامج النضالية لأطراف حركة التحرر الوطني الفلسطينية بمختلف تياراتها وانتماءاتها السياسية .

بالرغم من كل هذه المكانة التي احتلتها قضية اللاجئين في صلب القضية الفلسطينية ، والدور الأساسي الذي لعبه اللاجئون في مسيرة النضال الفلسطينية مدفوعين بحافز العودة إلى جانب حافز تحرير الوطن .... فإن قضية عودة اللاجئين باتت تشهد تراجعاً كبيراً من حيث اهتمام الحركة السياسية الفلسطينية الرسمية بها ، ويمكن القول إن هذا التراجع قد طال مختلف جوانب القضية الفلسطينية وثوابتها ، وانعكس ذلك في مفردات الخطاب السياسي الفلسطيني الرسمي . حيث تراجعت لغة الخطاب من تحرير الوطن إلى انسحاب قوات الاحتلال إلى حدود الرابع من حزيران إلى إعادة الانتشار وأخيراً إلى ما سمي خارطة الطريق .

وفيما يخص الاستيطان بات الحديث يجري عن تجميده ووقف توسعه بدلاً من الإصرار على إزالته باعتباره عدوانا توسعياً غير شرعي . أما بالنسبة لحق العودة ، فإن الخطاب الرسمي الفلسطيني والعربي تجاوزه ليتحدث عن حل عادل لقضية اللاجئين ، ثم تنازل إلى حل يتم التفاوض والتوافق عليه . وحتى هذا الحل باتت ملامحه واضحة ومحددة ـ قبل أن يجري التفاوض عليه ـ في الوثائق والمبادرات التي سنتناولها في هذه الدراسة ، والتي وصلت إلى حد إسقاط حق العودة نهائيا .

ويمكن إعادة أسباب هذا التراجع الذي أصاب القضية إلى تخلي النظام الرسمي العربي عن دوره القومي تجاه القضية الفلسطينية وخضوعه كلية للضغوط الأمريكية ، وعجزه أمام القوة الإسرائيلية ، وتجزئة الصراع العربي الصهيوني إلى صراعات قطرية ، وتسابق العديد من أطرافه إلى عقد اتفاقات جزئية وانفرادية مع الحكومة الإسرائيلية ، وترك الشعب الفلسطيني يواجه مصيره بنفسه. بل إن العديد من البلدان العربية البعيدة جغرافيا عن ميدان الصراع ، سعت إلى تطبيع علاقاتها مع إسرائيل ، وأقامت علاقات سياسية وتجارية معها ، دون أن تستخدم هذه الورقة كشرط ضاغط على إسرائيل للاعتراف بالحقوق الفلسطينية أو للانسحاب من الأراضي العربية التي تحتلها . وبذلك أصبح الموقف العربي الرسمي عاملاً ضاغطاً على الطرف الفلسطيني بدلاً من أن يوظف في خدمة النضال الوطني الفلسطيني .

ولم يكتف النظام الرسمي العربي بإعلان تخليه عن استخدام القوة في الصراع مع إسرائيل ـ حتى مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي واعتداءاته المتواصلة ـ واعتماده طريق التفاوض كسبيل وحيد للتعامل مع العدوان الإسرائيلي بل أصابه الذعر أمام الاتهام الأمريكي له بممارسة الإرهاب ومساندته، فراح العديد من أطرافه يضيق الخناق على المقاومة الفلسطينية ، ويضغط بكل الوسائل لإيقافها ، ولم يتورع بعض ممثليه عن وصفها بالإرهاب ، بدلاً من الدفاع عنها كحق مشروع لكل الشعوب التي تتعرض للعدوان والاحتلال . ولقد أكد هذا النظام الرسمي العربي ، بأغلبيته الساحقة ، أنه أصبح أداة طيعة بيد الإمبريالية الأمريكية تنفذ سياساتها وتستجيب لإرادتها ، وتفتح أمامها الأراضي والمياه والسماوات العربية لاجتياح بلد عربي شقيق واحتلاله وتدميره ، كما جرى في العراق .

هذا الواقع العربي الرسمي العاجز والمستسلم ، المتزامن مع ضعف الحركة الشعبية العربية وقواها وأحزابها السياسية ، ومنظماتها الجماهيرية ، وكذلك جبن ونفاق المجتمع الدولي أمام القوة الأمريكية ، والعدوانية الإسرائيلية .... انعكس سلباً وضعفاً على القضية الفلسطينية ، ووفر ذرائع ومبررات للقيادة الفلسطينية لتوقيع اتفاقية أوسلو بكل إجحافاتها وتنازلاتها في الحقوق الفلسطينية، والقبول لاحقاً بما يسمى خارطة الطريق ، والاستمرار في هذا النهج ، رغم ما فعلته إسرائيل في اتفاقيات أوسلو ، وما تضعه من اشتراطات على خارطة الطريق ، بما في ذلك إعادة صياغتها وفق منظورها ، حيث اختصرتها تقريباً في خطة الانفصال الأحادي ، أو الانسحاب من قطاع غزة ، وبعض المستوطنات في شمال الضفة. وحصلت على اعتماد وتبن لها من المجتمع الدولي .

وأخطر ما مثلته هذه الاتفاقيات على قضية اللاجئين هي أنها اعتمدت القرارين 242 ، 338 كأساس لحل القضية الفلسطينية ، في حين أن هذين القرارين لا علاقة لهما بالقضية الفلسطينية ، ولم ترد في أي فقرة من فقراتهما كلمة فلسطين ولو لمرة واحدة ، ولم يذكر فيهما الشعب الفلسطيني وحقوقه ، لأنهما في الأصل اتخذا لمعالجة آثار حربي 1967 ، 1973 بين إسرائيل والدول العربية . بينما استبعد القراران رقم (181) 29/11/1947 (قرار التقسيم) والذي ينص على حق الفلسطينيين في دولة مستقلة . ورقم (194) 11/12/1948 الذي ينص على حق اللاجئين في العودة والتعويض . (وردت جملة واحدة في القرار 242 تشير إلى حل مشكلة اللاجئين ، وهي جملة لم تكن تخص اللاجئين الفلسطينيين وحدهم ، بل تقصد أيضاً اليهود الذين هاجروا من البلدان العربية لإسرائيل).

كذلك فإن كل ما ورد في اتفاقية أوسلو عن قضية اللاجئين هو الإشارة إلى بحثها في مفاوضات الحل النهائي ، دون أي ذكر لحق العودة ، وجاءَت خارطة الطريق بعدها لتبني على ذلك وتعتمد نفس النص . اللهم إلا إشارة إضافية بذكر مبادرة السلام العربية التي أقرت في قمة بيروت ضمن المستندات التي تؤخذ بالاعتبار عند المفاوضات . وهذه المبادرة أيضاً تحدثت عن حل لقضية اللاجئين يتم التوصل إليه بالتوافق خلال المفاوضات ، ولم تتحدث عن حق ثابت للاجئين في العودة إلى ديارهم الأصلية .

ثم جاء التركيز على قضايا الدولة والقدس في الخطاب السياسي والإعلامي ، الفلسطيني والعربي ، ليوحي وكأن الحقوق الفلسطينية محصورة بذلك فقط ، مما أدى إلى تراجع كبير في التركيز على حق العودة والمطالبة به ، لدرجة أن هذا الحق بات لا يحظى في الأوساط العربية والدولية بالاهتمام الذي يستحقه فيها ، بل وبات غير مفهوم لدى هذه الأوساط ، وما هو المقصود به .

وقد أدى ذلك إلى استنتاج لدى الجانب الإسرائيلي ، والعربي الرسمي ، والمجتمع الدولي، إلى أن حق العودة لا يتمتع بأولوية لدى الفلسطينيين ، وأن لديهم الاستعداد للمساومة عليه ، أو التنازل عنه .

كل هذه التطورات ، والمفاهيم المغلوطة ، هيأت المناخات لأن تخرج من الصف الفلسطيني شخصيات قيادية ومؤسسات ، بالتعاون مع شخصيات ومؤسسات إسرائيلية ، وبتشجيع سياسي ومادي من أوساط ومراكز دولية ، لإطلاق مبادرات أو اتفاقات أو تفاهمات ، يدعي أصحابها أنها تشكل أساساً لتسوية متوازنة للصراع الفلسطيني الإسرائيلي . وهي المبادرات التي عرفت بمسميات :

  1- وثيقة جنيف (بيلين ـ ياسر عبد ربه) : والتي سميت "مسودة اتفاقية للوضع الدائم".

 2- وثيقة أيلون ـ سري نسيبة .

 3- وثيقة بيلين ـ أبو مازن : والتي أخذت اسم "مشروع معاهدة لقضايا الحل النهائي".

لن نتناول في هذه الدراسة كل جوانب القضية الفلسطينية التي تناولتها هذه الوثائق . وسنركز فقط على كيفية تعامل هذه الوثائق مع قضية اللاجئين الفلسطينيين وحقهم في العودة .

إن القاسم المشترك الذي تلتقي عليه هذه الوثائق الثلاث هو :

1-   جميعها تبرئ إسرائيل، أو على الأقل لا تحملها أية مسؤولية سياسية أو أخلاقية عن الجريمة التي ارتكبتها بحق الشعب الفلسطيني حينما طردته بقوة الاحتلال من أرضه عام 1948 . وبالتالي حررت إسرائيل من إمكانية أي ضغط عليها أو أية مطالب منها ، طالما هي لم تفعل شيئاً ضد الشعب الفلسطيني .

2-   لا تعترف بحق العودة للاجئين إلى أراضيهم وممتلكاتهم التي طردوا منها ، بل إنها لا تأتي على ذكر كلمة العودة ، وتتحدث عن خيارات أخرى أمام اللاجئين تسميها مكان إقامة دائم .

3-        حددت الخيارات المتاحة للاجئين لاختيار واحد منها لسكنهم الدائم :

أ .  بالتوطين حيث هم، في البلدان العربية، أو في مناطق أخرى، دون الأخذ في الاعتبار إرادة اللاجئين ورغبتهم ، أو سيادة الدول التي سيفرض عليها التوطين .

ب . الهجرة إلى بلدان أجنبية ، وربط ذلك بموافقة هذه البلدان ، على الأعداد التي تستطيع استيعابها ، والشروط التي تضعها لقبول الهجرة إليها.

ج . اختيار مناطق السلطة أو الدولة الفلسطينية كأماكن سكن دائم لهم ، دون الأخذ بالاعتبار قدرة هذه المناطق على الاستيعاب . ودون أن تستبعد تدخل إسرائيل لتحديد أعداد ونوعية هؤلاء الذين يسمح لهم بالعودة إلى مناطق السلطة بما لا يهدد أمن إسرائيل، وما لا يؤثر على الوضع الديموغرافي الذي تعلن إسرائيل تخوفها منه حين يصبح عدد الفلسطينيين في حدود فلسطين التاريخية (الضفة الغربية وقطاع غزة ، والأراضي التي تقوم عليها دولة إسرائيل) أكثر من عدد اليهود . وهو أحد الأسباب التي تتذرع بها إسرائيل في رفض عودة اللاجئين .

د . تفردت وثيقة جنيف بإضافة خيارين آخرين أمام اللاجئين لتحديد مكان سكنهم الدائم :

1. في مدن خاصة تبنى لهم في الأراضي التي يمكن أن تضم من إسرائيل إلى أراضي السلطة (جنوب شرق قطاع غزة ، وجنوب غرب الضفة الغربية) مقابل الأراضي التي ستضمها إسرائيل إليها من أراضي الضفة والتي تقوم عليها مدن استيطانية .

2. أشارت وثيقة جنيف إلى أن بإمكان اللاجئ أن يختار إسرائيل كمكان سكن دائم له ، لكن ذلك لن يكون في أرضه وممتلكاته ، أو أنه سيستعيد ملكيته لها . وسيكون عددهم محدوداً ، ومرتبطاً بموافقة إسرائيل الأمنية والديموغرافية ، وغير محدود بمدة زمنية (قد تستمر عشرات السنين) وبقدرتها على الاستيعاب التي تقررها هي وفق شروطها . (عملياً عدم السماح بالعودة).  

4-   اتفقت الوثائق الثلاث على تحديد اللاجئين الفلسطينيين وحصرهم باللاجئين الموجودين خارج حدود فلسطين التاريخية (إسرائيل ، الضفة ، القطاع ) واستثنت اللاجئين الموجودين في الضفة وغزة الذين يبلغ عددهم تقريباً مليون وسبعمائة ألف لاجئ . ولم تعتبرهم لاجئين طالما هم يقيمون داخل حدود فلسطين ، وطالما جرى تحريف مفهوم حق العودة في هذه الوثائق بحيث لم يعد يعني العودة إلى الأراضي التي يمتلكها اللاجئون ، والتي هجروا منها عام 1948 .

كما تجاهلت هذه الوثائق أية إشارة لحقوق أكثر من ربع مليون عربي فلسطيني يقيمون في دولة إسرائيل ويحملون جنسيتها من العودة إلى قراهم وأراضيهم التي هجرتهم إسرائيل منها منذ عام 1948 ، وتمنعهم من العودة إليها واستعادة ملكيتهم لها .

5-   نظرت الوثائق الثلاث إلى قضية اللاجئين نظرة اقتصادية وحلها على هذا الأساس. واعتمدت لذلك مبدأ التعويض لإعادة تأهيل وإسكان اللاجئين، وتجاهلت أن العودة إلى الوطن والأرض هي حق أساسي لكل إنسان أقرته الشرائع السماوية والقوانين والأنظمة الدولية. وتجاهلت أن حقوق اللاجئين في العودة هي حقوق سياسية ووطنية . وهي حقوق جماعية وفردية . ومن هذا المنطلق ، فإن أي شخص أو هيئة مهما كانت صفتها التمثيلية ، لا تملك التنازل عن حقوق لا تملكها ولم يفوضها أصحابها بذلك .

6-   التعويضات التي تحدثت عنها الوثائق هي عبارة عن ثمن أراضي اللاجئين وممتلكاتهم ( وفق تقديرات تحددها لجنة أو صندوق دولي ) أي أنها ستفرض على اللاجئين بالقوة بيع أراضيهم أو التنازل عنها ، وهو ما يرفضه اللاجئون رفضاً قطعياً ، ويرفضون المساومة عليه . وتجاهلت هذه الوثائق حق اللاجئين في تعويضات عن الخسائر المادية والمعنوية التي لحقت بهم وبممتلكاتهم منذ هجروا منها عام 1948 حتى اليوم ، وعن استغلال دولة إسرائيل واستثمارها لهذه الأراضي والممتلكات على مدى أكثر من نصف قرن . وهذا النوع من التعويضات هو ما يطالب به اللاجئون إلى جانب عودتهم إلى أراضيهم .

7-   وحتى التعويضات التي تحدثت عنها الوثائق ، حمَّلت المجتمع الدولي، والدول المانحة مسؤولية جمعها من خلال صندوق دولي يُنشأ لهذا الغرض . وبذلك أعفت إسرائيل من مسؤولية دفع هذه التعويضات من الأموال التي نهبتها ، وأشارت فقط إلى إمكانية إسهام إسرائيل في تغذية الصندوق الدولي للتعويضات ببعض الأموال.

8-   مرة أخرى تفردت وثيقة جنيف باستخدام لغة التهديد والضغط على اللاجئين للقبول بصيغ الحلول التي طرحتها لقضيتهم :

أ . هددت الوثيقة كل لاجئ لا يقبل بأحد الخيارات الخمسة التي حددتها له لاختيار مكان سكنه الدائم من بينها، خلال مدة أقصاها خمس سنوات ، بشطبه من سجلات اللاجئين وإنهاء وضعه كلاجئ، وبالتالي إسقاط كل حقوقه .

ب . نصت الوثيقة على إنهاء عمل وإلغاء وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الاونروا) خلال خمس سنوات من توقيع هذه الاتفاقية . وفي هذا ضغط واضح على اللاجئين للقبول بالحلول التي تطرحها الوثيقة ، لأن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين تقوم بدور الرعاية الغذائية والصحية والتربوية والاجتماعية للاجئين وبخاصة في المخيمات . مع أن قرار حل الوكالة لا يملكه أحد غير الجهة التي أنشأتها ، وهي الأمم المتحدة ، وقرار الحل مرتبط بتحقيق الهدف الذي أنشأت من أجله ، كما نص على ذلك قرار إنشائها ، وهو تحقيق عودة اللاجئين تطبيقاً لقرار الأمم المتحدة رقم 194 .

9-   اعتبرت الوثائق الثلاث أن الحلول التي طرحتها لمشكلة اللاجئين هي الحل النهائي والدائم لهذه المشكلة . ونصت على أنه لا يجوز بعد ذلك لأي لاجئ ، أو لأي جهة تتحدث باسمه ، المطالبة بأية حقوق سياسية أو مادية أو معنوية .

10- بالحلول التي طرحتها هذه الوثائق لقضية اللاجئين ، والتفسيرات التي قدمتها ، ألغت المفهوم القانوني والسياسي لقرار الأمم المتحدة رقم 194 ، الذي نص بوضوح ـ وفق ميثاق الأمم المتحدة، ووثيقة حقوق الإنسان، ووفق كل الشرائع ـ على عودة اللاجئين إلى أراضيهم وممتلكاتهم ، وتعويضهم عن خسائرهم المادية والمعنوية . هذا القرار الذي تحرص الأمم المتحدة على تأكيده سنوياً ، منذ اتخاذه أواخر عام 1948 وحتى اليوم . والتي ظلت الولايات المتحدة أيضاً تصوت إلى جانبه حتى عام 1994 ـ أي بعد اتفاق أوسلو ـ حيث أصبحت تمتنع عن التصويت . وبهذا التناقض مع مفهوم الأمم المتحدة ، ومفهوم الشرعية الدولية ، في حل قضية اللاجئين ، فتحت هذه الوثائق الباب أمام إسرائيل لاستصدار قرار من الأمم المتحدة بإلغاء القرار رقم 194 ، كما فعلت بعد اتفاقات أوسلو حين نجحت ـ اعتماداً على اتفاق أوسلو ـ في دفع الأمم المتحدة لإلغاء قرارها الخاص باعتبار الحركة الصهيونية حركة عنصرية .

المخاطر الأخرى التي تمثلها هذه الوثائق 

1. من يدقق في نوعية وهوية الشخصيات الفلسطينية التي شاركت في التوصل إلى هذه الاتفاقيات يلاحظ أنها شخصيات مسؤولة على أعلى المستويات سواءٌ في منظمة التحرير ( أعضاء لجنة تنفيذية ) أو السلطة الوطنية ( وزراء وأعضاء مجلس تشريعي ) وليس من خارج المؤسسة الرسمية كما هو حال الطرف الإسرائيلي المشارك ( أحزاب معارضة ) . وهذا يعني تجاوزاً لالتزامات منظمة التحرير ، وخروجاً على برنامج الإجماع الوطني . ورغم المطالبات الشعبية الواسعة التي طالبت قيادة المنظمة بمحاسبة هؤلاء ، ووقف تحركاتهم ، إلا أن شيئاً من ذلك لم يتم . وفي حال استمرار تحرك هؤلاء الخارجين عن الإرادة الشعبية والصف الوطني ، فإن ذلك سيشكل خطراً على الوحدة الوطنية ، وعلى مصداقية منظمة التحرير ومدى تمثيلها لإرادة الشعب الفلسطيني وأهدافه .  

2. لم تتوقف جهود هؤلاء الناشطين الفلسطينيين عند حدود التوصل إلى هذه الوثائق أو الاتفاقيات ، فهم ينشطون على المستويات المحلية والعربية والدولية للترويج لهذه الوثائق واستقطاب تأييد لها . فعلى الصعيد المحلي أسست مجموعة ياسر عبد ربه  "ما سمي تحالف السلام الفلسطيني" ، وأسست مجموعة سري نسيبة "ما سمي بالحملة الشعبية للسلام والديموقراطية" ، ويقومون بأنشطة إعلامية واسعة عن طريق توجيه نداءات ونشر إعلانات مدفوعة وإصدار صحف ونشرات وإجراء استطلاعات موجهة حسب وجهة نظرهم . وأقاموا مراكز إعلامية لهذه الأغراض . كما ينشطون في مجال الزيارات والاتصالات مع جهات عربية ودولية ، رسمية أو غير حكومية ، لحشد التأييد والمساندة لتوجهاتهم . وهذا النشاط الواسع يوحي بأن هناك أموالاً طائلة رصدت لهم من قبل هيئات وجهات خارجية غير معلومة ، مما يثير شكوكاً أكثر في الهدف من هذه التحركات والوثائق ، وأصحابها ، ومن يقف وراءَها.

3. الانطباعات التي يتركها نشر هذه الوثائق والترويج لها لدى الرأي العام الدولي ، بوجود استعداد لدى الشعب الفلسطيني وقيادته السياسية للتنازل عن حق العودة ، مما يضعف التأييد الدولي لهذا الحق .

4. هذه الوثائق والمواقف ساهمت في إغراء الحكومة الإسرائيلية بتصعيد موقفها العنصري الرافض أصلاً لعودة اللاجئين . فقد لاحظنا خلال السنتين الأخيرتين أن إسرائيل ـ مستفيدة من الواقع العربي الضعيف ، والواقع الدولي ، وخاصة الأمريكي ، المنحاز لها، والساكت عن عدواناتها ، ومن التغيرات الإقليمية التي كان غزو العراق واحتلاله وتدميره أبرز عناوينها ، ومن ظهور هذه الأصوات الفلسطينية التي تتنازل عن حق العودة مجانا ، مما يعكس ضعف وتراجع الموقف الرسمي الفلسطيني ـ قد صعدت من حملاتها لإلغاء حق العودة ، والحصول على ضمانات دولية بذلك . فتركيز الحكومة الإسرائيلية في الفترة الأخيرة على يهودية الدولة الإسرائيلية ، ومحاولاتها الحصول على اعتراف بذلك من القوى الدولية "اعترف بذلك الرئيس بوش" وضغوطها على الجانب الفلسطيني للإقرار بذلك ، إنما يأتي في سياق سعيها لقفل الباب أمام عودة اللاجئين الفلسطينيين ، وفتح الباب أمام إمكانية تهجير العرب الفلسطينيين الذين يقيمون في وطنهم داخل إسرائيل . كذلك نجحت حكومة إسرائيل في الحصول على ضمانات مكتوبة من الرئيس الأمريكي بعدم عودة اللاجئين الفلسطينيين .

5. يمكن لإسرائيل أن تستفيد من هذه الوثائق كمستند قوي بين يديها في أية مفاوضات مع الطرف الفلسطيني حول موضوع اللاجئين ، وتعتمدها أساساً لحل هذه المشكلة ، خاصة وأنها صدرت عن أوساط قيادية فلسطينية .

الجهود الشعبية الفلسطينية في مواجهة هذه التحركات

رأت الجماهير الفلسطينية ، وقواها السياسية والشعبية في هذه الوثائق ، ومواقف وتحركات أصحابها ، انحرافاً خطيراً في المسيرة النضالية الفلسطينية وخروجاً عن أهدافها وبرامجها . وواجهتها بردود فعل واسعة وغاضبة ، شملت مختلف الساحات ، داخل الوطن وخارجه ، وأخذت أشكالاً مختلفة من المسيرات والبيانات والندوات ، والتعبئة الشعبية ، وحمَّلت جميعها القيادة الفلسطينية مسؤولية السكوت عن مثل هذه التجاوزات أو السماح بها ، وطالبتها بوقفها ومحاسبة أصحابها .

وجاءَت هذه التحركات الشعبية استمراراً لعمل شعبي بدأ منذ سنوات لتعبئة الشعب الفلسطيني للدفاع عن حق العودة وحمايته ، وتوعيته على المخاطر المحدقة بحق العودة . ورغم النتائج الإيجابية والنجاحات التي حققتها هذه التحركات الشعبية في مجال التوعية والتعبئة، وفي توجيه رسائل سياسية واضحة للقيادة الفلسطينية عن مدى تمسك الشعب الفلسطيني وجماهير اللاجئين بحقهم في العودة ، وللمتلاعبين بهذا الحق للكف عن هذه الخروقات ، إلا أن الحركة الشعبية الفلسطينية الناشطة للدفاع عن حق العودة لم تكتمل بعد ، ومازالت بحاجة إلى المزيد من التنظيم وتوحيد الجهود والمواقف والتكامل والتنسيق بينها في مختلف الساحات . فهي :

أولاً   ـ مطالبة بالخروج من دائرة ردود الفعل العفوية غير المنظمة ، وتحويلها من مبادرات فردية أو عمل لجان محلية إلى عمل جماعي منظم .

ثانيا   ـ توحيد الأطر المتعددة في كل ساحة في إطار واحد أو إطار تنسيقي موحد يضم كل الهيئات واللجان والفعاليات الناشطة في مجال الدفاع عن حق العودة.

ثالثا   ـ إقامة إطار تنسيقي موحد لكل الساحات يضم جميع أطر التنسيق داخل الوطن وخارجه .

رابعا  ـ وضع برنامج شامل ومتواصل للنشاط والتحرك على المستوى المحلي والعربي والدولي ، تتم بموجبه عمليات التوعية والتعبئة والتنظيم في مجال الدفاع عن حق العودة ، وكسب التأييد والدعم العربي والدولي لحق العودة .

خامسا ـ تنشيط ودعم مراكز الإعلام والدراسات المهتمة بحق العودة (مركز بديل في بيت لحم ، مركز العودة في لندن ) وأية مراكز أخرى مختصة ، لمواجهة النشاطات الصهيونية والإعلامية المضادة التي تحظى بدعم كبير من الجهات المعادية والرافضة لحق العودة .

سادسا ـ أمام التحريفات التي نشهدها في مفهوم حق العودة ، وتفسيراته ، وأمام الصيغ المبهمة القابلة للتلاعب التي تعتمدها أحيانا القمم العربية ، نرى تكليف مجموعة من الحقوقيين البارزين ، والسياسيين ، الناشطين في مجال الدفاع عن حق العودة بصياغة نص قانوني وسياسي يحيط بمختلف جوانب قضية اللاجئين وحقهم في العودة ، ليكون هو النص المعتمد لمفهوم حق العودة لدى كل الهيئات الفلسطينية والعربية والدولية التي تتناول هذا الحق في أدبياتها وقراراتها ، ويتم تأكيد هذا النص سنويا في قرارات القمم العربية والإسلامية ، وكل الهيئات البرلمانية العربية والإسلامية والدولية . تماما كما تفعل الأمم المتحدة سنويا في تأكيدها للقرار 194 .