|
|
|
|
|
|
محاضرة الأحد : 17/12/2006
فلســطين قضــية قــومية وليست وطنية فقط
بقـلم عــبد الله الحـــوراني
ديسمبر 2006
فلسطين قضية قومية ، وليست وطنية فقط لم تعرف الأمة العربية في تاريخها الحديث قضية مست المصير القومي العربي ، وارتبطت به صعوداً وهبوطاً ، كالقضية الفلسطينية . فهي القضية التي حظيت ولا تزال بإجماع شعبي عربي غير محدود . وإذا كانت قضية العراق وما جرى له ويجري فيه بعد الغزو الأمريكي تستقطب اليوم اهتمام الجماهير العربية ، وتثير قلقها وخوفها على مصير العروبة ، فإن ما حدث للعراق مرتبط بموقفه من فلسطين وقضيتها ، ومن المشروع الصهيوني الذي يقوم على أرضها . بل إن كل ما يجري في المنطقة العربية من أحداث وصراعات وأطماع استعمارية مرتبط أيضاً بما جرى لفلسطين ، وما يحدث فيها . لقد احتل الوطن العربي على مدى التاريخ مكان الصدارة في مخططات الاستعمار، ومركزا لصراع الإمبرياليات الذي رأت فيه منطلقاً لطموحات الهيمنة لدى كل منها نظراً لأنه شكل عبر التاريخ الموقع الاستراتيجي الأهم ، وامتلك المخزون الرئيسي للطاقة الذي يعتبر شريان الحياة والنمو والتطور للدول الصناعية الكبرى ، ولكل شعوب العالم . ومن يتحكم في هذه الطاقة يتحكم في العالم بأسره . كما ارتبطت هذه المكانة الإستراتيجية، والإمكانيات الاقتصادية بتراث تاريخي عريق ، وبرسالة حضارية عربية إسلامية إنسانية كانت هي المنافس الأقوى لتاريخ الغرب وحضارته . مما عزز من مكانة هذا الوطن وجعله مطمعاً للغزاة . وقد شكلت فلسطين واسطة العقد لهذا الوطن الكبير من خلال بعدي المكان والزمان. فهي المفصل الواصل بين مشرق الوطن العربي ومغربه ، وبالتالي بين شرق العالم وغربه من خلال موقع الوطن العربي الحاكم للبحر الأبيض المتوسط ، الشريان الذي يربط غرب العالم بمشرقه . أما بعد الزمان فيتمثل في المكانة التي احتلتها فلسطين منذ القدم ضمن معادلة الأمن القومي العربي . هذا بالإضافة إلى البعد الروحي الذي اكتسبته من خلال وجود بيت المقدس فيها ، مما جعلها جزء راسخاً في وجدان وضمير المواطن العربي ، وبالضمير البشري عموماً. فهي مهبط الرسالات ، ومسرى الأنبياء ، وبوابة الأرض إلى السماء . وقد وصف الله أهلها بالمرابطين إلى يوم الدين ولصمودهم ودفاعهم عن أخطر ثغرة في الجسم العربي والإسلامي . وقد كان احتلال القدس وتحريرها من المحتل هو عنوان الهزيمة أو النصر بالنسبة للأمة العربية على مر العصور . ونظراً لهذه المكانة التاريخية والجغرافية ، والقيمة المعنوية والروحية التي مثلتها فلسطين ، فقد أصبحت أيضاً في تاريخنا العربي المعاصر المعيار الحقيقي لوطنية وقومية أي نظام أو حزب عربي ، حسب موقفه منها ومن تحريرها . بل إن وحدة الموقف من فلسطين والعمل على تحريرها شكلت عنصراً جامعاً لوحدة النضال العربي كطريق نحو تحقيق الوحدة العربية . ولما كانت قضية التحرير تتطلب حشد وتوحيد طاقات الأمة ، وتطوير قدراتها وبناء قوتها الذاتية ، فإن هذه العوامل هي عناصر تحقيق الوحدة ، وانطلاق المشروع النهضوي القومي العربي . وبالتالي فإن مقومات تحرير فلسطين هي مقومات تحرير الأرض العربية من الوجود الاستعماري ونفوذه ، وتحرير ثروات الأمة ، وامتلاكها ، وتحرير للإنسان العربي، وتحقيق سيادة الأمة الفعلية على وطنها . وفي ذلك بناء تلقائي للوحدة العربية . ومن هنا ، فإن هذه المفاهيم التي تعنيها قضية فلسطين وتحريرها ، جعلت من قضية فلسطين محور الارتكاز في الصراع بين القوى الاستعمارية والإمبريالية الطامعة في الهيمنة على المنطقة ، وبين الشعب العربي الطامح في التحرر والاستقلال ، والمتطلع نحو الوحدة القومية . وقد وعى الاستعمار هذه العلاقة الجدلية بين فلسطين وأمتها العربية عبر محاولات القوى الغربية السيطرة على الوطن العربي . كما وعى أن توفير الاستقرار والديمومة لسيطرته ونفوذه لا يمكن تحقيقه من خلال الغزو العسكري الخارجي فقط ، بل لابد له من استخدام عوامل أخرى توفر له استمرار النفوذ . كإقامة قواعد ثابتة له ذات بعد استيطاني إحلالي من جهة ، مثل إقامة المشروع الصهيوني الاغتصابي في فلسطين، والتلاعب في البنية الداخلية العربية من جهة أخرى ، من خلال تقسيم الوطن العربي إلى كيانات ودويلات صغيرة ضعيفة تسهل هيمنته عليها ، عبر تعزيز النزعة القطرية والقبلية لديها ، والتحكم في أنظمتها وحكامها، وتعزيز الصراعات بينها كأنظمة ، وبينها وبين جماهيرها. وإذكاء النعرات الطائفية والمذهبية لقتل الروح القومية . وقد رأت القوى الاستعمارية في المشكلة اليهودية ، والحركة الصهيونية أداة رئيسية لمشروعها في غزوها الجديد للوطن العربي ، وتحقيق أهدافها في السيطرة عليه ، وعلى ثرواته ، وتجزئته ، حيث التقت الأهداف الاستعمارية والصهيونية على استهداف فلسطين كمنطلق لتحقيق أهدافها المشتركة . ومن هنا بدأ التخطيط مبكراً للتأسيس لهذا المشروع المشترك . إذ نلاحظ أن المرحلة الأولى للمشروع الإمبريالي الصهيوني بدأت قبل حوالي قرن من انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بال السويسرية عام 1897، والذي وضع آلية قيام الكيان الصهيوني في فلسطين . إذ وجه نابليون بونابرت رسالة إلى يهود العالم عام 1799 دعاهم فيها للعودة إلى ما يسمى أرض الميعاد . وبذلك انتقلت فكرة العودة من بُعدها الديني الخرافي إلى بؤرة الفكر الاستعماري الغربي ، وأصبحت جزءً من الصراعات الاستعمارية على الوطن العربي . وقد رأى الغرب الاستعماري أنه بفكرته هذه يتخلص من جهة من المسألة اليهودية بأبعادها الاقتصادية والثقافية والاجتماعية . ومن جهة أخرى يجعل من الحركة الصهيونية جزء من مشروعه للسيطرة على الوطن العربي . ويمكن هنا اعتبار ما سمي بالاضطهاد الأوروبي لليهود عملية سياسية مفتعلة لدفعهم للهجرة إلى فلسطين لإنشاء كيانهم الوظائفي كقاعدة متقدمة للإمبريالية الغربية في قلب الوطن العربي . ومنذ البداية ارتبطت عملية البدء في إنشاء الكيان الصهيوني في فلسطين بعملية تفتيت الوطن العربي . إذ أن وعد بلفور الذي أطلقه وزير الخارجية البريطاني في الثاني من نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1917 ما كان له أن يطلق أو ينفذ إلا في حالة ضعف أو تقسيم الوطن العربي . ولهذا جاء وعد بلفور بعد مؤتمر ومعاهدة سايكس بيكو عام 1916 مع نهايات الحرب العالمية الأولى . حيث جرت تجزئة الوطن العربي إلى كيانات سياسية صغيرة لتفتيت جسم الأمة والشعب العربي ، وخلق حكومات وأنظمة مرتبطة بالاستعمار الذي أنشأها ، وغير قادرة على مواجهة هيمنته على المنطقة أو منعه من إقامة قاعدته الاستعمارية الصهيونية في فلسطين. وقد وضع المشروع التقسيمي فلسطين تحت الانتداب البريطاني لتوفير شروط إقامة الوطن القومي لليهود في فلسطين كما نص وعد بلفور ، وذلك بتسهيل عمليات الهجرة اليهودية إلى فلسطين ، ومنحهم جزءً من أراضيها الحكومية للاستيطان ، وقمع ثورات العرب الفلسطينية التي تصدت للاحتلال البريطاني من جهة ، وعصابات المستوطنين الصهاينة من جهة أخرى . وقد لعبت أنظمة التجزئة العربية التي كانت أشبه بمحميات بريطانية وأمراؤها وشيوخها وملوكها الساعون للرضى البريطاني ، دوراً مساوما على فلسطين من أجل حصولهم على حصص ومواقع ومناصب في الأرض العربية المجزأة (خلال عمليات التقسيم وإنشاء الكيانات). كما لعبت دوراً مساعداً للانتداب البريطاني على تثبيت أقدامه في فلسطين، وبالتالي تثبيت أقدام الاستيطان الصهيوني في فلسطين ، حين تواطأت مع الاحتلال البريطاني على إسكات ثورات الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال البريطاني والهجرة اليهودية (رسالة الملوك العرب للشعب الفلسطيني وقيادته لوقف الإضراب والثورة عام 1936 بناء على طلب من الحكومة البريطانية ووعود بريطانية كاذبة بوقف الهجرة اليهودية ). وحين لم تقدم أي دعم مادي أو عسكري أو حتى معنوي لنضال الشعب الفلسطيني لتحرير وطنه في تلك الفترة . وبعد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 بتاريخ 29/11/1947 القاضي بتقسيم فلسطين إلى دولتين ، وإعطاء الدولة اليهودية أكثر من 52% من مساحة فلسطين رغم أن اليهود لم يكونوا في ذلك الوقت يمتلكون أكثر من 5% من أرض فلسطين ، ورفض الشعب الفلسطيني لهذا القرار ، واشتعال ثورته لتحرير أرضه ، رفضت الحكومات العربية السبع نظرياً قرار التقسيم . ولكنها لم تقدم عملياً أي دعم للثورة الفلسطينية آنذاك ، ودفعت بجيوشها الصغيرة والضعيفة وغير المؤهلة للحرب ، وذات الإمكانيات التسليحية المحدودة لمواجهة المنظمات الصهيونية المدربة والمسلحة جيداً ، والأكثر عدداً من كل الجيوش العربية . والأنكى من ذلك أن الجيوش العربية وضعت تحت القيادة الأردنية التي كان يقود جيشها ضابط بريطاني يأتمر بالأوامر البريطانية ، وقامت هذه الجيوش أو بعضها ، بمصادرة سلاح الثوار الفلسطينيين وإلغاء دورهم ، بحجة أن معركة التحرير أصبحت مسؤولية عربية تقوم بها الجيوش . ونتيجة لهذه التطورات كانت نتيجة المعركة محسومة لصالح قوات الاحتلال الصهيوني ، وهزمت الجيوش العربية ، وانسحبت ، وقامت دولة إسرائيل على أكثر من 78% من أرض فلسطين . ولم يقف دور الأنظمة العربية عند حدود التقصير ، بل كان بعضها متواطئاً مع الكيان الصهيوني الجديد على تقاسم الأراضي الفلسطينية من أجل توسيع رقعة أراضي بعض هذه النظم ، ولتكون دولتها مركز استيعاب للشعب الفلسطيني الذي طرد من أرضه ، ولتشكل وطناً بديلاً للفلسطينيين يحول دون عودتهم إلى وطنهم وأرضهم ، وليتيح لدولة إسرائيل الاستقرار في الأرض التي احتلتها . وربما كان هذا المخطط الذي جرى تنفيذه عام 1948 جزء من المخطط الكبير الذي رسمت معالمه في معاهدة سايكس بيكو، وتم فيها تقسيم الوطن العربي إلى دويلات جرى رسم حدودها وتعيين حكامها في قرار الانتداب عام 1922 . بعض الأنظمة العربية المحكومة استعمارياً ، سواءٌ في مشرق الوطن العربي أو مغربه، ذهبت في دورها التآمري لتعزيز الكيان الصهيوني في فلسطين إلى أبعد من ذلك حين تواطأت مع القوى الاستعمارية الغربية الحاكمة ، ومع الحركة الصهيونية ، على تهجير يهود البلدان العربية إلى دولة الكيان الصهيوني في فلسطين (الكتل اليهودية الأكبر جاءَت من العراق والمغرب واليمن وإيران ) . بحيث شكلت نسبة اليهود الشرقيين (السفارديم) في دولة إسرائيل في سنوات الخمسينات والستينات من القرن الماضي حوالي 63% من السكان . وهكذا انقلب دور النظام الرسمي القطري العربي المحكوم استعمارياً من عامل مساعد لتحرير الأرض العربية الفلسطينية ، إلى عامل مساعد لإقامة الكيان الصهيوني في فلسطين ، وتثبيت وجوده . ويمكن أن نختم الحديث عن مرحلة ما قبل النكبة عام 1948 بالقول : إن أحد الأسباب التي قادت إليها هو نقص الوعي العربي . إذ لم تكن قضية فلسطين والمخاطر المحدقة بها ، والمنبثقة عنها حاضرة بما يكفي في الوعي العربي شعبيا وسياسيا وثقافيا . كانت النظرة العربية لفلسطين أن استعمارها هو جزء من الاستعمار الغربي الذي يعم الوطن العربي . ولم يكن هناك اهتمام بطبيعة وأبعاد المشروع اليهودي الصهيوني الذي يتشكل في فلسطين . كانت النظرة لهذا المشروع الغريب على أنه مجرد صراع داخلي قطري بين العرب الفلسطينيين واليهود . أما الأبعاد الاستعمارية الاستيطانية والعدوانية لهذا المشروع ، ودوره في خدمة المشروع الاستعماري الغربي الأكبر فقد كانت غائبة عن الوعي العربي ، وحتى عن الحركة الوطنية الفلسطينية التي تأخر وعيها لأبعاد هذا المشروع ، ولذلك ظل نضالها مكرساً ، بالدرجة الأولى ، ضد الاحتلال البريطاني ، ولم تكن تولي قضية الوجود ، والتغلغل اليهودي الصهيوني الأهمية الكافية . بل كان هناك نوع من التعايش بين العرب واليهود في البدايات ، وكان هناك نوع من التعاطف مع اليهود الذين تعرضوا للاضطهاد في الدول الغربية . لكن ما جرى خلال النكبة من هزيمة للجيوش العربية السبعة ، وانكشاف ضعف الأنظمة العربية ، وافتضاح دورها وتواطئها ، وقيام الكيان الصهيوني في قلب الوطن العربي، وتبني القوى الاستعمارية الغربية له وتسليحه وتقويته ، دفع العرب إلى الإحساس بحجم الكارثة التي ألمت بهم ، وحجم المخاطر التي باتت تهدد وحدتهم ووجودهم . وقد أحدث هذا الإحساس ثورة في الوعي العربي . فبعد أن كان هذا الوعي وطنياً قطريا ، أخذ يتحول وبسرعة كبيرة إلى وعي قومي ، ووعي بوحدة الأمة العربية ، ووحدة مصيرها . وكان الشعور القومي قبل النكبة أو الكارثة التي ضربت القلب العربي في فلسطين ، محصورا نسبيا في بعض أجزاء القسم الآسيوي من الوطن العربي ، أما بُعدها فقد أخذ ينتشر ويتعمم في القسم الأفريقي من الوطن العربي ، وانطلاقاً من مصر التي تحولت بعد النكبة ، ونتيجة للتحولات الثورية التي أحدثتها النكبة فيها بقيام ثورة 23 يوليو ، إلى قلب الوطن العربي ، ومركز إشعاع للقومية العربية . هذا بالإضافة إلى ما أحدثته النكبة والوعي بأبعاد الهزيمة الذي نجم عنها ، من تغييرات وثورات في البلدان العربية الأخرى أدت إلى إسقاط الأنظمة المرتبطة بالغرب، وإلى تحرر العديد من البلدان من الوجود الاستعماري . وهكذا أصبحت فلسطين ، بما جرى لها وفيها ، ليس فقط عنصراً محركاً للوعي الثوري العربي ، بل عنصراً منمياً ومبلورا ومؤسساً للشعور القومي العربي الحديث بحجم المخاطر المحدقة بالأمة العربية الناجمة عن التهديد الاستعماري الخارجي ، وما زرعه في قلب الأمة من كيان يهدد وجودها . وبالتالي تعزز الشعور لدى الأمة وأقطارها بوحدة مصيرها ، التي تشكل مع وحدة اللغة ووحدة التاريخ والتراث والحضارة العناصر الأساسية المؤسسة للقومية العربية ، وللوحدة العربية . وهكذا كانت فلسطين ، وقضيتها ، ولا تزال ، عنصراً أساسياً وعملياً في قضية الوحدة العربية . ويمكن تلخيص التفاعلات والنتائج التي أحدثتها نكبة العرب في فلسطين فيما يلي: 1- كشفت طبيعة المشروع الصهيوني وأبعاده وأخطاره على الوطن العربي ، وارتباطه بالمشروع الاستعماري الغربي البريطاني الفرنسي، ثم الأمريكي ، وهو ما تجلى لاحقا في الاعتداءات التوسعية التي قامت بها دولة العدوان الإسرائيلية في العدوان الثلاثي الإسرائيلي البريطاني الفرنسي على قطاع غزة ومصر في 29/10/1956 ، وعدوانها في 5/6/1967 ، واحتلالها لما تبقى من الأراضي الفلسطينية (غزة والضفة الغربية) وسيناء من جمهورية مصر العربية ، والجولان من أراضي الجمهورية العربية السورية. وعدوانها على لبنان وصولاً إلى بيروت عام 1982 ، واستمرار اعتداءاتها على الشعب الفلسطيني منذ قيامها حتى اليوم ، وتهديدها للمشروع النهضوي القومي العربي الذي قاده الرئيس جمال عبد الناصر في مرحلة الخمسينات والستينات من القرن الماضي ، وأكمل العمل والإعداد له الرئيس صدام حسين في مرحلة السبعينات والثمانينات والتسعينات من القرن نفسه. وتجسد هذا الموقف الصهيوني الإمبريالي في عدواني 56، 67 على مصر ، وفي ضربها للمفاعل النووي العراقي في تموز (يوليو) 1981 وتحريضها على غزو العراق واحتلاله وتدميره في 2003 ، بل ومشاركتها في ذلك من خلال تواطئها مع اللوبي الصهيوني والمسيحي الصهيوني في الإدارة الأمريكية . ومن خلال الدور التدميري لعروبة العرق الذي تلعبه اليوم عناصرها الاستخبارية وعملاؤها في شمال العراق وجنوبه وفي قلب بغداد . 2- عمقت الوعي القومي العربي ، وأحدثت حراكاً واسعاً في أوساط الجماهير العربية وقواها السياسية من مشرق الوطن العربي إلى مغربه ، وكرست مفاهيم وحدة النضال القومي العربي ، ووحدة القضايا القومية ، ووحدة الصراع العربي الصهيوني ، وربطت بين النضال التحرري العربي لتحرير الأقطار العربية من الوجود والنفوذ الاستعماري الغربي ، والنضال ضد الاحتلال الصهيوني لتحرير فلسطين . إذ أن طرد المستعمر من الأراضي العربية ، وتحرير الثروة والطاقة العربية ، يعزز إمكانيات الأمة وقدراتها في مواجهة جميع أعدائها ، ويعطي مضموناً فعلياً لخطاب "الأمة العربية" و"الوحدة العربية" الذي بات لغة الجمهور العربي ، والذي كان تعبيراً عن آمال وطموحات الجماهير العربية ، أكثر مما كان تجسيداً لواقع يجري على الأرض ، أو يقوم به الحكام العرب والقيادات السياسية ، الذين حالت نزعتهم القطرية ومصالحهم الذاتية والسلطوية ، وارتباطات بعضهم بالمصالح الغربية دون استجابتهم لطموحات ومطالب الجماهير العربية . 3- أكدت ضرورة وأهمية الوحدة العربية ، باعتبارها السبيل الوحيد لحشد طاقات الأمة، وتعزيز قدراتها ، وتنمية أقطارها وتطويرها ، ومن خلال استخدام ثرواتها ووضعها في خدمة الأمة ككل ، وتمكينها من تحرير فلسطين . ذلك أنه بدون حشد الطاقات العربية ممثلة بالوحدة لا يمكن هزيمة المشروع الصهيوني المرتبط بالقوى الاستعمارية العالمية، كما أن الوحدة تمكن الأمة من التصدي لأي عدوان قد يتعرض له أي جزء من أرضها . بل إن الوحدة العربية هي وحدها من يعيد لهذه الأمة مكانتها الدولية ، ورسالتها الحضارية الإنسانية . 4- استفزت كارثة فلسطين الجماهير العربية ، واستنفرتها ، ودفعتها ـ رغم حجم الكارثة ـ إلى رفض الاستسلام ، ورفض القبول بالوجود الصهيوني في فلسطين ، وحرضتها ضد حكوماتها وأنظمتها التي تسبب ضعفها وارتباطها بالقوى الاستعمارية في حدوث الكارثة. وأمام هذا الموقف الجماهيري لم يتجرأ أي نظام عربي ، على مدى عقود من الزمن ، على الاعتراف بدولة إسرائيل ، أو إقامة علاقة معها . وهذا يعكس حالة الغضب والوعي والنهوض التي كانت تسود الجماهير العربية في المراحل التالية للهزيمة ، وقدرتها على منع أي نظام من تقديم تنازلات تمس القضية الفلسطينية ، وقد تجدد هذا الموقف الرافض للاستسلام في أعقاب نكسة حزيران عام 1967 ، رغم ثقل هذه النكسة أيضاً . لكن من المفارقات العجيبة التي عكست حجم التراجعات الخطيرة في موقف النظام الرسمي العربي ، هو موقفه بعد ما سمي انتصاراً عسكرياً في حرب أكتوبر (تشرين أول) 1973 . إذ أن الاستثمار السياسي لنتائج هذه الحرب جاء معاكساً تماماً لدعوى الانتصار ، إذ تم اعتراف مصر بعدها بدولة إسرائيل (زيارة السادات لإسرائيل 1977 ، وتوقيع معاهدة كامب ديفيد 1979). وإقامة علاقات دبلوماسية واقتصادية معها، وإخراج مصر ، القوة العربية الرئيسية ، من دائرة الصراع العسكري بين العرب وإسرائيل . كل ذلك تم مقابل انسحاب إسرائيل من سيناء فقط وبقيت الأراضي العربية الأخرى التي احتلت عام 1967 في الجولان وغزة والضفة الغربية تحت الاحتلال، وبقيت الحقوق العربية الفلسطينية ، بما فيها المقدسات العربية والإسلامية، وعودة اللاجئين الفلسطينيين تحت الاغتصاب الصهيوني . هذا الوضع أدى إلى تجزئة الصراع العربي الصهيوني ، وحوله من صراع قومي إلى صراع قطري ، ووجه ضربة قوية للنضال الوطني الفلسطيني حيث مكن إسرائيل من الاستفراد به وتشديد العدوان عليه . كما أضعف الأقطار العربية الأخرى ، ودفعها للبحث عن حلول فردية لكل منها . فكانت اتفاقية أوسلو الظالمة والمجحفة بالحقوق العربية بين الفلسطينيين وإسرائيل 1993، وتبعتها اتفاقية وادي عربة بين الأردن وإسرائيل (1996). وفتحت هذه الاتفاقيات أبواب الوطن العربي أمام إسرائيل، وراحت بعض دوله القريبة والبعيدة تتسابق في إقامة علاقات معها . كسباً لرضاها ولرضى السيد الأمريكي . بل إن هذه السياسات الجديدة التي سادت المنطقة العربية بعد معاهدة كامب ديفيد، قلبت الموازين والمفاهيم العربية . فبدلا من أن تكون التحالفات عربية/ عربية ضد الاحتلال الصهيوني ، والوجود الأمريكي ، وأن يكون الموقف العربي والنضال العربي موحداً ضد هذين العدوين . جرى التفريق بين الاحتلال الإسرائيلي ، والمشروع الاستعماري الغربي ، ودخلت معظم الدول العربية في تحالفات مع الإدارة الأمريكية ، وأصبحت عنصراً منفذاً لسياساتها ، حتى بلغ بها الأمر أن تكون جزء من الحلف العدواني الأمريكي الغربي الذي حاصر العراق، وغزاه ودمره . حيث لعبت هذه الأنظمة دوراً رئيسياً في ضرب المشروع النهضوي القومي العربي الذي كان يحمله العراق . لقد ترسخ في الوعي العربي في أعقاب هزيمة عام 1948 أن القوة الفعلية التي هزمت العرب هي القوة الكبرى التي أنشأت إسرائيل ، أي الاستعمار الغربي، وأن الهزيمة جاءَت نتيجة الضعف العربي ، والتخلف العربي ، وخضوع المنطقة العربية للنفوذ الاستعماري الغربي ، أكثر مما كانت نتيجة لقوة إسرائيل . وبالتالي فإن تحرير الأقطار العربية من الاستعمار وعملائه ، والقضاء على الفساد ، وإعادة بناء المجتمع العربي ، والقوة العربية ، هو الطريق لتحقيق الوحدة ، وهو الطريق لتحرير فلسطين . من هنا كانت نكبة فلسطين ، وقضيتها هي المنطلق والمحرك لقيام الحركة القومية العربية ، وترجمة القضية القومية من فكرة كانت موجودة لدى النخب السياسية والثقافية العربية قبل النكبة ، إلى حركة سياسية ذات مشروع تحرري وسياسي واقتصادي واجتماعي تمثل في برامج القوى الممثلة للحركة القومية . تمثلت هذه الحركة في ثلاث قوى هي : - حزب البعث العربي الاشتراكي تأسس عام 1946 . - حركة القوميين العرب . بدأت إرهاصات قيامها منذ عام 1949 وتأسست فعليا عام 1951 . - الحركة الناصرية المنبثقة عن ثورة يوليو (تموز) في مصر عام 1952 "صحيح أن الحركة الناصرية لم تكن حزباً أو تنظيماً ، وإنما تمثلت في خطاب عبد الناصر ، وبرنامجه القومي ، الذي التقى مع الحزبين الآخرين في نظرتهما القومية ، وفي رؤيتهما لأبعاد القضية الفلسطينية ، والوحدة العربية ، وهو ما جعله جزءً أساسياً من الحركة القومية ، والعنوان الجماهيري الواسع لها" . وإذا تحدثنا عن تجربة عبد الناصر القومية التي حملها وحمّلها لثورة يوليو ، نرى أن برنامجه قام على العمل على بناء مصر وإعدادها لتكون مركزاً لحركة التحرر القومي العربي، وفي الوقت نفسه العمل على الساحة العربية والدولية لاستكمال مقومات نجاح المشروع التحرري والوحدوي العربي . فاتجه نحو دعم ومساعدة حركات التحرر الوطني في الأقطار العربية الأخرى لتحرير بلدانها ، في المغرب العربي ، وفي شبه الجزيرة العربية ، وفي المشرق العربي أيضاً وفي إفريقيا كذلك . انطلاقا من قناعته أن إضعاف إسرائيل ، تمهيداً لهزيمتها ، يقوم على التخلص من الوجود والنفوذ الاستعماري في المنطقة . وعلى عزل إسرائيل وتضييق الخناق عليها ، ومنعها من نفوذها نحو الدول الإفريقية والآسيوية . وسعياً منه لتحقيق هذه الأهداف ، ورأيناه أيضاً ينطلق مع قادة عالميين آخرين أمثال نهرو في الهند ، وتيتو في يوغسلافيا لإنشاء حركة عدم الانحياز المعادية للاستعمار . كما عزز علاقاته مع المعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفيتي ، لمساعدته على بناء القدرة العسكرية المصرية لمواجهة تطور القدرات العسكرية الإسرائيلية . وكان من المفترض أن تؤدي نجاحات التحرير والبناء التي حققتها حركة التحرر القومي العربية في سنوات الخمسينات والستينات إلى سرعة تحقيق الوحدة العربية ، وتحرير فلسطين . لكن هذا المشروع القومي وُّجِه بمقاومة عنيفة من القوى الاستعمارية التي حاصرت عبد الناصر ، وعملت على الخلاص منه ومن مشروعه . فحرضت إسرائيل واشتركت معها في تنظيم عدواني 1956 ، 1967 لزيادة حجم الكارثة في الواقع العربي ، كما تصدت له ولمشروعه الأنظمة الرجعية العربية التي تقبع تحت النفوذ الاستعماري ، ويرتبط بقاؤها ببقاء الوجود الاستعماري في المنطقة ، فحاكت هذه الأنظمة العديد من المؤامرات والمواجهات ضد عبد الناصر ومشروعه . كما لعبت النزعة القطرية والمصالح القبلية والذاتية لدى هؤلاء الحكام دوراً غير قليل في عرقلة التوجها |