|
|
|
|
|
دور منظمة التحرير في استنهاض الجماهير العربية لإعادة القضية الفلسطينية للصدارة بقلم: عبد الله الحوراني من المعلوم أن منظمة التحرير أنشأت عام 1964 ولم تكن لا الضفة ولا غزة وقتها محتلتين ، أي أن تحرير الأراضي التي احتلت عام 1948، وإعادة اللاجئين الفلسطينيين إلى أراضيهم وممتلكاتهم الأصلية التي هجروا وطردوا منها عام 1948. ولم يكن مشروع إقامة دولة فلسطينية في حدود 67، الذي يجري الحديث والتركيز عليه الآن ، من بين أهداف المنظمة وقت إنشائها ولم يذكر موضوع الدولة الفلسطينية في ميثاق المنظمة الأول الذي حمل اسم الميثاق القومي . بل كانت الأهداف حينها هي التحرير والعودة وتقرير المصير . وكان المنحى الذي يتجه إليه مفهوم تقرير المصير، حينها ، هو أن تكون فلسطين المحررة جزءً من دولة عربية موحدة . وذلك انطلاقاً من البعد القومي للقضية الفلسطينية ، وأن مسؤولية تحريرها هي مسؤولية الأمة العربية بأسرها . باعتبار أن الرؤية القومية ، والثقافة القومية تجاه القضية الفلسطينية كانت تقوم حتى ذلك الوقت على أساس فهمها لمشروع احتلال فلسطين واغتصابها ، بأنه لم يكن مشروعاً صهيونياً فقط ، ولم يكن هدفه أرض فلسطين وحدها وإنما هو مشروع استعماري غربي اعتمد الحركة الصهيونية ومطامعها في البحث عن وطن قومي لليهود في فلسطين ، كوسيلة لتنفيذ مشروعه ضد الأمة العربية . لكن طبيعة المشروع كانت استعمارية غربية ضد المنطقة العربية بأسرها، ضد وحدتها وتاريخها وحضارتها وتراثها، وثروتها ، وهو جرى الحديث عنه بوضوح في وثيقة "كامبل بانرمان" رئيس وزراء بريطانيا في عام 1905 . تلك الوثيقة التي جاءَت نتيجة مؤتمر أوروبي لدولة الإمبراطورية ، رأى أن أكثر منطقة تشكل خطراً على الإمبراطوريات الغربية وتهدد استمرارها هي المنطقة العربية التي سمتها الوثيقة (منطقة شرق وجنوب البحر المتوسط) إذ قالت الوثيقة إن هذه المنطقة نتيجة موقعها الاستراتيجي بين الشرق والغرب ، ونتيجة المجتمع الذي يعيش فيها ويملك لغة واحدة ، وتراثا واحداً، وتاريخاً وقومية واحدة. ونتيجة تطلعه لاستعادة وحدته وقوته التي عاشها عبر التاريخ ، ....فإنه إذا عملت قواه وبلدانه على تحقيق ذلك ، فإنه ، ونتيجة الثروات الهائلة أيضاً التي يمتلكها، سينهي عصر الإمبراطوريات الغربية . ولذلك رأت الوثيقة أنه لمنع هذا الخطر الذي يهدد أصحابها ، لابد من تقسيم هذه المنطقة ، وزرع جسم غريب في قلبها "شرق قناة السويس" يكون موالياً للغرب، ومعادياً لأهل المنطقة . وهذا هو بالضبط ما التقت عليه القوى الغربية مع الحركة الصهيونية وعملتا من أجله. فكانت معاهدة سايكس بيكو ، ووعد بلفور ، وإقامة الكيان الصهيوني في فلسطين . وانطلاقا من هذه الرؤية القومية وقتها، لا يمكن النظر إلى أن إنشاء منظمة التحرير من قبل القمة العربية ، ـ بناء على اقتراح الرئيس الراحل الزعيم جمال عبد الناصر ـ كان يهدف إلى التخلي عن القضية الفلسطينية ، وتحميل مسؤوليتها لأصحابها الفلسطينيين وحدهم ـ كما هو حال وموقف النظام الرسمي العربي الآن ـ وإنما كان الهدف من إنشاء المنظمة هو : أ- خلق إطار سياسي وتنظيمي مهمته تنظيم وتوحيد وتوعية وتعبئة الشعب الفلسطيني ليكون مهيئا للعب دور طليعي في عملية التحرير العربية لفلسطين . ب- قيام هذا الإطار بإبراز وجود ومكانة ودور الشعب الفلسطيني أمام الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي ، وكسب تأييده للشعب الفلسطيني ونضاله ، والرد على المقولات الصهيونية بعدم وجود الشعب الفلسطيني . ج- بالإضافة للهدفين السابقين كانت هناك إرادة عربية لدى التيار القومي لإبقاء القضية الفلسطينية حية وحيوية بين الجماهير العربية من خلال نشاط المنظمة ، لحين استكمال عملية الإعداد العربي لمعركة التحرير . إذ أن هذه المعركة كانت تتطلب إعداداً عسكرياً واقتصاديا كبيراً لمواجهة العدو الصهيوني ، ومواجهة القوى الاستعمارية الغربية التي كانت تواصل ضغطها وتآمرها على الأمة العربية وقواها القومية والتقدمية . لكن إنشاء المنظمة من قبل القمة العربية لم يحظ بتأييد وقبول بعض الأطراف الفلسطينية والأحزاب العربية التي نظرت إليها كجزء من النظام الرسمي العربي ، وأنها ستكون تحت هيمنته وستعمل وفق سياساته ، وسيطرته عليها . ولذلك رأينا حركة فتح التي كانت قد بدأت منذ أواخر الخمسينات في تنظيم نفسها تعلن عن انطلاقها ، وانطلاق تنظيمها المسلح (العاصفة) في 1/1/1965 . حزب البعث العربي الاشتراكي أيضاً ممثلاً بنظامه في سوريا لم يتحمس أيضاً لإنشاء المنظمة بالطريقة التي تمت فيها معتبراً إياها أنها ليست حركة ثورية طالما هي مرتبطة بالقمة العربية ، وبالتالي فهي لن تعتمد نظام الكفاح المسلح والحرب الشعبية الذي يعتبره الحزب طريق التحرير . هذا بالإضافة إلى الخلافات التي كانت قائمة حينها بين نظام البعث ونظام عبد الناصر الذي كان وراء إنشاء المنظمة ، فانعكس ذلك على موقف نظام حزب البعث الحاكم في سوريا من منظمة التحرير . واتجه إلى تأييد ودعم حركة فتح ، باعتبارها من وجهة نظره ، حركة ثورية تعتمد الكفاح المسلح ، أكثر من دعمه وتأييده لمنظمة التحرير . حركة القوميين العرب أيضاً التي كان لها تنظيم مسلح يسمى "شباب الثأر" كانت رؤيتها للمنظمة قريبة من رؤية البعث ، بأن المنظمة لها طابع رسمي عربي وليست حركة ثورية . لكن بعد نكسة 1967 ، وانطلاق العديد من الفصائل الفلسطينية ، الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، والجبهة الديمقراطية التي انشقت عن الجبهة الشعبية ، والجبهة الشعبية (القيادة العامة) "التي كانت موجودة قبل عام 1967 تحت مسمى جبهة التحرير الفلسطينية واتحدت مع شباب الثأر تحت مسمى الجبهة الشعبية ثم تم الانشقاق بينهما وظلت تحمل اسم الجبهة الشعبية (القيادة العامة)". كذلك انطلقت فصائل أخرى مثل جبهة النضال ، طلائع حرب التحرير الشعبية (الصاعقة) تابعة لسوريا، وجبهة التحرير العربية ، تابعة للعراق ، ...... وبعد أن نشأ خلاف بين المرحوم الأستاذ أحمد الشقيري رئيس المنظمة ، وبين المرحوم الرئيس عبد الناصر في أعقاب مؤتمر القمة العربية الذي انعقد في الخرطوم في سبتمبر 1967 ، وركزت قراراته على إزالة آثار عدوان 1967 فقط ، وهو ما رآه الشقيري تخلياً عربيا عن تحرير فلسطين كاملة فقدم استقالته من رئاسة المنظمة. .....وفي الفترة نفسها أيضاً جرت مصالحة بين قيادة فتح والرئيس عبد الناصر ...... كل هذه التطورات التي حدثت في الساحة الفلسطينية ، ساهمت في انضمام الفصائل جميعاً لمنظمة التحرير في الدورة الرابعة للمجلس الوطني عام 1968. وفي الدورة الخامسة عام 1965 تولت الفصائل قيادة المنظمة ، من خلال تمثيلها في اللجنة التنفيذية للمنظمة ، وأصبح الأخ أبو عمار رئيساً للمنظمة . وكان لانطلاق المنظمة بكل فصائلها من مخيمات الشتات ، تأثير كبير على الاهتمام بحق العودة ، وجعله هدفاً أساسياً من أهداف الثورة . وكان حق العودة حافزاً أساسياً لانخراط معظم أبناء الشعب الفلسطيني في صفوف الثورة . نجحت المنظمة بعد أن ضمت جميع فصائل الثورة في استقطاب الشعب الفلسطيني، وفي ترسيخ مفهوم المقاومة كطريق نحو التحرير وتحقيق الأهداف الوطنية ، وفي نشر القضية الفلسطينية على المستوى العربي والعالمي ، وحظيت باعتراف الدول العربية جميعا بها كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني كما جاء في قرار القمة العربية في الرباط عام 1974 . كما حظيت باعتراف واسع على المستوى الدولي ، حيث قبلت عام 1974 أيضاً عضواً مراقبا في الأمم المتحدة كممثل للشعب الفلسطيني . وأصبحت كذلك عضواً رسمياً في منظمة المؤتمر الإسلامي ، ومنظمة دول عدم الانحياز . وبعد أن أعلن عن قيام دولة فلسطين في المجلس الوطني الذي عقد في الجزائر عام 1988 ، حصلت هذه الدولة المعلنة على اعتراف حوالي 114 دولة من دول العالم . ونتيجة لهذه المكانة التي حظيت بها المنظمة على المستوى العربي والدولي تعززت علاقة المنظمة ومكانتها كحركة تحرر وطني مع الأحزاب والقوى السياسية العربية ، ومع الأحزاب والقوى السياسية التقدمية في العالم ، ومع حركات التحرر في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية ، وانتشرت في العالم مئات المنظمات التضامنية مع الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية. كذلك انعكست هذه القوة التي حققتها المنظمة إيجابياً على وضعها الداخلي . فقد عزز ذلك من تمسكها بالثوابت الوطنية ، وفي مقدمتها حق العودة . ومكنها من الصمود في وجه كل الاعتداءات التي تعرضت لها من قبل العدو الصهيوني ، وأهمها اجتياح جنوب لبنان وصولاً إلى بيروت عام 1982 بهدف القضاء على المنظمة . كما تمكنت أيضاً من تجاوز الانقسامات وحروب المخيمات التي تعرضت لها أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات (1983) بسبب تدخلات بعض الدول العربية ، ونجحت في الحفاظ على وحدة المنظمة ، والوحدة الوطنية عموماً . ربما تكون المنظمة أخطأت عندما غالت في تفسير مفهوم كونها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني . فقد تصرفت أحياناً وكأنها المسؤول الأول والأخير عن القضية الفلسطينية ، وأن ليس من حق أي عربي التدخل في شؤون القضية الفلسطينية ، حتى أنها اعتبرت أحيانا نصيحة أو نقد أي قوة سياسية أو شعبية عربية لبعض سياسات المنظمة تدخلاً في شؤون المنظمة ، مما أضعف من مكانة المنظمة على المستوى الشعبي العربي . ومن ناحية أخرى استغلت معظم الأنظمة الرسمية العربية التي تريد التهرب من مسؤولياتها تجاه القضية الفلسطينية موقف المنظمة هذا وابتعدت عن دعمها للقضية الفلسطينية ، مما أضعف المكانة القومية للقضية الوطنية الفلسطينية . لكن التراجع القومي العربي الفعلي تجاه القضية الفلسطينية حدث ، للأسف الشديد ، في أعقاب ما سمي انتصار حرب أكتوبر عام 1973 ، وإطلاق الرئيس أنور السادات مقولاته بأن حرب أكتوبر هي آخر الحروب العربية مع إسرائيل ، وأن حل الصراع العربي الإسرائيلي تملكه الإدارة الأمريكية بنسبة 99% . وانخراطه نتيجة هذه الرؤية السياسية في مفاوضات السلام مع إسرائيل تحت رعاية أمريكية ، وزيارته للقدس عام 1977 ، وتوقيعه معاهدة كامب ديفيد عام 1979 . أدت هذه الاتفاقية ، والسياسة التي ترتبت عليها إلى تجزئة الصراع العربي الصهيوني ، وخروج مصر كأكبر قوة عربية من دائرة هذا الصراع . وهو ما قوى الموقف الإسرائيلي ، وأضعف الأطراف العربية الأخرى المنخرطة مباشرة في هذا الصراع صاحبة الأراضي الفلسطينية والسورية المحتلة . هذا الغياب للرؤية القومية للقضية الفلسطينية ، ولوحدة الصراع العربي الصهيوني الذي نجم عن السياسة المصرية بقيادة الرئيس السادات بعد أن كانت مصر هي رائدة المشروع القومي بقيادة عبد الناصر ، ..... وانشغال العراق بالحرب مع إيران لمدة ثماني سنوات من عام 1980 وحتى عام 1988، دفاعاً عن الأمة العربية في وجه الهجمة الإيرانية الفارسية المذهبية ، ومن ثم ضرب العراق بالعدوان الأمريكي عليه عام 1991 ، وحصاره ، وإضعافه بعد أن كان أكبر قوة قومية عربية ، وصاحب المشروع القومي العربي بعد غياب دور مصر إثر غياب عبد الناصر، .....كل هذه العوامل انعكست ضعفاً على قضية فلسطين ، وعلى منظمة التحرير ، وفرضت على المنظمة وعلى كل الدول العربية الانخراط في العملية السياسية. بدأت هذه العملية بمؤتمر مدريد ، ثم انتقلت المنظمة إلى مفاوضات واتفاقيات أوسلو. كانت الخطيئة الكبرى التي ارتكبتها المنظمة هي توقيعها على اتفاقية أوسلو وفق الشروط التي فرضتها إسرائيل ، والتي لم تحصل المنظمة من خلالها إلا على إقامة سلطة حكم ذاتي في أجزاء من الضفة الغربية وقطاع غزة . ودون أن تحصل من إسرائيل على اعتراف بدولة فلسطينية ، أو حتى على اعتراف إسرائيلي بأن غزة والضفة هي أراض فلسطينية محتلة، وتركت قضايا اللاجئين ، والقدس والاستيطان للتفاوض ، وهو ما يعني ترك التحكم في هذه القضايا للجانب الإسرائيلي . وكان من أخطر ما فرطت به المنظمة في اتفاقيات أوسلو هو التخلي عن حقها في المقاومة ، وعن دورها كحركة تحرر وطني، وقبولها بتعديل ميثاقها الوطني وفق هذه الشروط الإسرائيلية . وقد كان إغراء المنظمة بالسلطة ، وحرصها على الحصول عليها هو الذي دفع بها إلى هذه التنازلات . وبالفعل كان قيام السلطة وتمسك القيادة الفلسطينية بها على حساب منظمة التحرير ، وأدى إلى تراجع دور المنظمة وغيابه . فقد أذيبت المنظمة ومؤسساتها في إطار السلطة وغاب دور مجلسها الوطني الذي مضى على آخر جلسة له أكثر من اثني عشر عاماً ، وأصبحت لجنتها التنفيذية عاجزة نتيجة وفاة ما يقرب من ثلث أعضائها ، وكبر سن وعجز عدد آخر من الأعضاء ، وتعطلت دوائرها السياسية والاقتصادية والثقافية والتربوية والاجتماعية . وتكلس دور منظماتها واتحاداتها الشعبية العمالية والطلابية والفلاحية والتعليمية والإعلامية والأدبية والنسوية . ونتيجة لكل ذلك أصبحت صلة المنظمة ومسؤوليتها عن جماهير شعبنا خارج مناطق السلطة شبه معدومة . وقد أدى انغماس المنظمة وقيادتها في شؤون السلطة ومهماتها إلى فشل كل المحاولات والمطالبات والدراسات الكثيرة التي طرحت لإصلاح المنظمة وإعادة الاعتبار لدورها ، وإعادة بنائها . "وقد كان لي دور كبير في هذا المجال " ولكن جميع هذه المحاولات فشلت ـ كما قلت ـ . ويبدو أن تغييب دور المنظمة ، وإنهاءَه، لا يعود فقط لأسباب تتعلق بالاهتمام بالسلطة وحدها ، وإنما هناك قوى عربية وإقليمية وإسرائيلية ودولية ، وأيضاً فلسطينية ، لا تريد لهذه المنظمة باعتبارها حركة تحرر وطني للشعب الفلسطيني أن تعود ، لأن استمرار تغييبها يبقي دورها كحركة تحرر وطني مغيباً ، ويؤدي إلى عدم التمسك بالثوابت الوطنية التي قامت على أساسها، ويحصرها فقط في إطار النهج التفاوضي وفق خارطة الطريق واتفاقية أوسلو ، الذي تتمسك به وحده . وهو النهج الذي أدى إلى تراجع في الخطاب السياسي الرسمي ، بحيث بات حق اللاجئين في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم الأصلية شبه مغيب عن هذا الخطاب ، بل بات الحديث عنه محرفاً بحيث يجري الحديث عن عودة لاجئ الخارج فقط ، وإلى مناطق السلطة، وليس إلى ديارهم الأصلية ، ويتم تجاهل عودة لاجئي الداخل الذين لا يقل عددهم عن مليوني لاجئ إلى مدنهم وقراهم الأصلية . كما أن من بين العوامل التي تعرقل إعادة بناء المنظمة وتفعيل دورها ، تخوف البعض من دخول التيار الإسلامي إليها ممثلاً بحركتي حماس والجهاد ، كما يتخوف بعض فصائل المنظمة وشخصياتها ، من أن يؤدي تفعيل المنظمة إلى تقلص مكانة ووجود الفصائل الضعيفة التي تحتل مواقع كثيرة داخل المنظمة . هذا الضعف والاندثار الذي وصل إليه حال المنظمة في المجالين السياسي والتنظيمي أدى إلى تصاعد التيار الإسلامي وتقويته . كما أدى إلى تعزيز الانقسام داخل الساحة الفلسطينية ، مما انعكس سلباً على مكانة المنظمة والقضية الفلسطينية عموماً على الساحتين العربية والدولية ، وأعطى مزيداً من المبررات والدوافع لزيادة التعنت والعدوان الإسرائيلي من جهة ، وتهرب الدول العربية التي تخضع للهيمنة الأمريكية ، من مسؤولياتها تجاه الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية . أمام هذا الواقع الصعب والمتردي الذي آلت إليه المنظمة، والقضية الفلسطينية عموماً ، لا يمكن للمنظمة أن تستعيد مكانتها ودورها على الصعيدين العربي والدولي، أو أن تحافظ على ثوابتنا الوطنية ، وتعزز الاهتمام العربي والدولي بها..... ما لم تعد النظر في أوضاعها الداخلية ، ومراجعة سياساتها الفلسطينية والعربية والدولية وفق منظور يقوم على الأسس التالية : 1. القضاء على الانقسام الداخلي الذي يدمر القضية الوطنية، واستعادة الوحدة الوطنية . 2. ضم كل القوى السياسية من مختلف التيارات الوطنية والقومية والإسلامية لمنظمة التحرير الفلسطينية . 3. التمسك بالثوابت الوطنية وفي مقدمتها حق اللاجئين في العودة إلى أراضيهم وممتلكاتهم الأصلية ، دون أي تنازل عن حق العودة أو التفريط به ، أو تحريف مفهومه ، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة الكاملة ، على كامل أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة ، وعاصمتها القدس العربية ، ورفض أي شكل من أشكال الاستيطان على أي منطقة فلسطينية . 4. إعادة النظر في الإستراتيجية السياسية التي تعتمدها قيادة المنظمة حالياً، والتي تقوم على مبدأ التفاوض فقط ، بعد أن اتضح فشل هذه السياسة ، واستحالة تحقيق الحد الأدنى من حقوقنا الوطنية الثابتة في ظل الأوضاع الفلسطينية الصعبة، والضعف العربي ، والتعنت الإسرائيلي ، والهيمنة الأمريكية. 5. اعتماد إستراتيجية جديدة تبقي خيار المقاومة قائماً لاستخدامه عند الضرورة بقرار وطني جماعي ، وتتخلى عن مبدأ الرهان على السياسة الأمريكية المنحازة تماماً للموقف الإسرائيلي . 6. تحرير المنظمة ومؤسساتها من سيطرة السلطة عليها ، وتحديد طبيعة العلاقة بين المنظمة والسلطة ، بحيث تستعيد المنظمة دورها كمسؤولة عن السلطة وكمرجعية لها . 7. استقلالية مالية منظمة التحرير عن مالية السلطة ، وإيجاد أساليب ووسائل لتأمين الميزانية المستقلة لمنظمة التحرير . 8. تفعيل دور مؤسسات منظمة التحرير ودوائرها واستعادة صلاحياتها، بحيث تقوم بمسؤولياتها الفعلية تجاه أبناء شعبنا في مناطق الشتات. 9. تفعيل دور الاتحادات والمنظمات الشعبية ، وتجديد قياداتها من خلال انتخابات ديمقراطية . 10. تفعيل دور الجاليات الفلسطينية في الخارج عن إجراء عملية إحصاء لها، وإنشاء قيادات لها عبر الانتخابات ، وإشراك ممثليها في مؤسسات منظمة التحرير . 11. تجديد قيادات المنظمة ومؤسساتها من خلال إشراك الأجيال الشابة الأكثر كفاءَة ونشاطاً . 12. استعادة المنظمة لدورها وعلاقاتها مع الأحزاب والقوى السياسية، والمنظمات الشعبية في الوطن العربي ، بعد أن أهملت المنظمة هذا الجانب في حركتها السياسية ، واكتفت بالعلاقة مع الأنظمة الرسمية العربية . ومن خلال عودة العلاقة مع القوى السياسية والشعبية العربية وتنشيطها يمكن أن نعيد للقضية الفلسطينية مكانتها القومية. 13. كذلك على المنظمة ومؤسساتها الشعبية أن تعيد تفعيل دور لجان التضامن والدعم الدولية التي أهملت المنظمة علاقاتها بها ودورها بعد قيام السلطة الوطنية . إن إنجاز هذه المهمات جميعاً يتطلب عقد دورة للمجلس الوطني تقوم على أساس إجراء انتخابات لأعضاء المجلس الوطني في الداخل والخارج ، وفق التمثيل النسبي الكامل. ولكن إذا كانت عملية الانتخابات ستأخذ وقتاً طويلاً حتى يمكن تأمينها وترتيبها، نظراً لأن الأمر لا يتعلق بشعبنا وحده ، وإنما يحتاج الأمر إلى اتفاقات وترتيبات مع البلدان العربية التي يعيش فيها الفلسطينيون ، هذا بالإضافة للاتفاق على كيفية تمثيل فلسطيني الأردن الذين أصبحوا جزءً من المملكة الأردنية، ويشاركون في انتخاباتها كمواطنين ، ويمثلونهم في مجلس النواب الأردني. كما أن إجراء انتخابات لدى الجاليات الفلسطينية في بلدان العالم يحتاج إلى ترتيبات قد تأخذ وقتاً كعمليات الإحصاء والتسجيل ، فهل يمكن إبقاء حال المنظمة العاجز كما هو عليه لحين إنجاز الانتخابات ، أم علينا أن نجد طريقاً لعقد دورة سريعة للمجلس الوطني تسبق دورة الانتخابات . بالطبع لا يمكن أن يتم ذلك من خلال عقد دورة للمجلس الحالي الذي أكل الدهر عليه وشرب ، والذي لا يمكن اعتباره ممثلاً حقيقياً للشعب الفلسطيني. وبالتالي لن تكون هناك موافقة من معظم القوى على عقد دورة للمجلس بوضعه الحالي. يبقى الخيار هو أن نعقد دورة سريعة لمجلس وطني مجدد وفق الأعراف والتقاليد التي كانت تقوم بها القيادة الفلسطينية لتجديد تركيبة أعضاء المجلس وفق الأسس التالية : 1- تعيد الفصائل والقوى السياسية تسمية أو تغيير ممثليها في المجلس . 2- تعيد الاتحادات والمنظمات الشعبية تسمية ممثليها في المجلس وفق انتخابات تجريها هذه الاتحادات لتجديد قياداتها . 3- يتم تغيير ممثلي القوى العسكرية والأجهزة الأمنية بناء على التغييرات التي تتم في قياداتها استناداً لإعادة بنائها على أسس وطنية وكفاءات مهنية. 4- الاتفاق على ضم عدد من ممثلي الفصائل الموجودة خارج المنظمة (حماس والجهاد) إلى عضوية المجلس الوطني . 5- الاتفاق على تسمية شخصيات وطنية مستقلة من منظمات المجتمع المدني، ومن الجاليات الفلسطينية في الخارج لضمهم لعضوية المجلس الوطني بدلاً من عشرات الشخصيات الذين استشهدوا أو وافتهم المنية من بين أعضاء المجلس الوطني . هذا الحل السريع هو الخيار المتاح ، والذي يمكن إقناع الجميع به ، خاصة إذا أكدنا أن اعتماد هذا الخيار للإسراع في عقد المجلس لا يعني التخلي عن الخيار الأول والأساسي القائم على إجراء انتخابات لأعضاء المجلس . ويمكننا منذ الآن أن نشكل لجنة للتحضير لمجلس الانتخابات ، على أن تنجز عملها خلال سنة على أبعد تقدير . ومع ذلك يبقى التوصل لمثل هذه الحلول ، والاتفاق على تنفيذها ليس سهلاً بسبب التنافس الفصائلي على المحاصصة والمصالح الذاتية . وبسبب التدخلات الإقليمية والدولية، واستمرار الاعتداءات والعقبات الإسرائيلية . وهذا يدعونا لبذل جهود كبيرة لتجاوز هذا الواقع الصعب . كما أن نهوض القضية الفلسطينية، واستعادة مكانتها العربية مرتبطٌ أيضاً بتطور الواقع العربي واهتمامه بالقضية الفلسطينية وتحرره من هيمنة السياسة الأمريكية . وهو ما يقتضي بذل جهود فلسطينية كبيرة ، رسمية وشعبية ، بهذا الاتجاه. * * * |
موقع عبد الله الحوراني
حقوق الطبع محفوظة