Abdullah  Al-Hourani

 

 

فلسطين في حياة جمال عبد الناصر

 

عـبد الله الحـوراني

 

مقـدمــة

جمال عبد الناصر، الشاب والضابط الثائر المقاتل والزعيم السياسي المفكر، قائد ثورة 23 يوليو 1952 في مصر، لم يكن فقط مجرد رئيس بين الرؤساء, وقائد مصري عربي عالمي بين القادة، الذين ساقتهم الأقدار إلي الانغماس في معارك تحررية وتنموية جبارة في دنيا العرب عموماً وفي غمرة الصراع ضد قوى الاستعمار والصهيونية بخاصة .. بل كان ظاهرة متفردة .. نسيجاً وحده .. من قماشة قيادية كارزمية صنعها التاريخ وساهمت في صنع التاريخ.

يذكر عبد الناصر بين يدي قضايا التحرر والاستقلال العربي ومناجزة الاستعمار بأحلافه والصهيونية بكيانها السياسي إسرائيل. يذكر بصفته من أولئك الزعماء القلائل الذين ما افتقدوا الرؤية الصحيحة لمسار التاريخ ولم تلههم معركة عن أخرى ولا ضلت خطواتهم وبوصلتهم رغم كثرة الأعداء وشدة بأسهم.

خاض عبد الناصر في أكثر من مفازة وأقلع في بحار لجية .. كان يقاتل في فلسطين وعينه على مصر ودورها في عالمها العربي. وكان يدافع عن تحرر مصر وإجلاء المستعمر البريطاني عنها وخاطره في فلسطين. كان يدرك أن أصل الداء في مصر وفلسطين وأمة العرب واحد، وهو التحالف الاستعماري الذي استزرع إسرائيل في فلسطين لتفصل مشرق العرب عن مغربهم وتتربص بمصر، قلب المشرق والمغرب. كان يدرك أن أصل الداء واحد وكان يدرك أن الدواء واحد أيضاً: وحدة النضال العربي في مصر وفلسطين ومشرق العرب ومغربهم.

وعلى كثرة نضالاته وشواغله داخل مصر وخارجها ولاسيما في مواجهة التحالف الاستعماري الصهيوني (الإسرائيلي)، ما كان عبد الناصر شعاراتيا محلقاً في فضاء من الكلمات والخطب الرنانة. كان رجل تكتيك وإستراتيجية .. يعرف عالمه جيداً ويعي حجم قدراته وموازين القوى مع الأعداء، ويعمل في ظلال أولويات يحددها بدقة ويتفييء بالقانون والشرائع الدولية حتى وإن لم يراها تحقق العدل الذي يروم. كان يبحث عن التسوية المشرّفة، فيما يعد العدة لاستئناف القتال. وكان يبني جبهته الداخلية دون أن يلهه ذلك عن الجبهة الخارجية .. يهتم بتجميع أسباب القوى داخل مصر وداخل عالمها العربي، ولا يتجاهل تأليف قلوب المحالفين والأصدقاء في طول العالم وعرضه.

بدأ عبد الناصر أول معاركه في فلسطين، وأنهى حياته بمعركة سياسية يدافع فيها عن دماء الفلسطينيين ووحدة الجبهة العربية حول فلسطين.

في هذا الجهد نحاول تفصيل هذه التعميمات، لنفي عبد الناصر بعض حقه على فلسطين..التي كان لها النصيب الأوفر من حياته، شاباً ثائراً وضابطاً مقاتلاً وزعيماً مبرزاً ثم شهيداً طيب الأثر خالد الذكر.  

 

رؤيـة عـبد النـاصـر للصـراع

العـربي الصهيـوني وقضيـة فلســطين

كي نقدر حجم وضوح الرؤية وجلائها لدى جمال عبد الناصر تجاه طبيعة الصراع العربي الصهيوني، لابد من التدبر في الحيثيات التاريخية لمولد هذا الصراع وتبلوره. وفي هذا الإطار يصبح من الضروري تفهم موقع هذا الصراع من المواجهة التاريخية الأشمل بين الاستعمار الغربي ونوازعه الاستغلالية وبين الأمة العربية وامتدادها وإشعاعها الحضاري الإسلامي الأوسع.

ربما لم يحدث عموماً أن ربط زعيم عربي قبل عبد الناصر بين المشروع الاستعماري الغربي وبين بروز الصراع العربي الصهيوني ونشوء إسرائيل مثلما فعل عبد الناصر. وعندما نستعرض الأدبيات الخاصة بحركة الاستعمار وعصر التحرير في العالم العربي، نجد إننا مع عبد الناصر بصدد زعيم امتلك زمام هذه الأدبيات وتفهمها تماماً وتأثر بها في سلوكه السياسي قدر تأثيرها على فكره ورؤيته للعالم من حوله.

فلنتابع أولاً مقاربة الأدبيات الموثوقة لطبيعة المشروع الاستعماري الغربي وأطرافه وأهدافه في المنطقة العربية .. ثم لنتأمل تالياً رؤية عبد الناصر للعلاقة بين المشروعين الاستعماري الأم والصهيوني التابع .. لنرى كيف تمكن عبد الناصر من التحليل الدقيق لهذه العلاقة، حتى ليمكن اعتباره ضمن منظريها الكبار.

تقول الأدبيات أن القوى الاستعمارية والإمبريالية الغربية، ممثلة أولاً بفرنسا وبريطانيا ثم بالولايات المتحدة الأمريكية توافقت على مجموعة من الأهداف والمصالح في المنطقة العربية ومنها بلا حصر..

* تفكيك الجغرافيا السياسية للوطن العربي وإقامة الدول القطرية.

* منع قيام الوحدة العربية بمختلف معانيها.

* التعامل مع المنطقة العربية بما يضمن الاتصال بين أجزاء المستعمرات الغربية في أسيا وأفريقيا.

* التواصل مع الأقليات الدينية والمذهبية الطائفية والقومية وتشجيع الميول الانفصالية لديها.

* السيطرة على الثروة النفطية العربية ودوام تدفقها إلى عالم الغرب بأسعار بخسة.

* الحيلولة دون تطور البلدان العربية وتنميتها علمياً وتقنياً.

* إشغال العالم العربي وإنهاكه بقوة عدوانية توسعية وتوظيف ذلك لدفع بعض الأقطار العربية للاحتماء بالغرب مما يعزز وجوده في المنطقة.

لقد جرى التوافق على هذه المصالح بشكل أو بآخر منذ مستهل القرن التاسع عشر ونما بمرور الوقت. وفي مرحلة الحرب الباردة التي استعرت بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي في أعقاب الحرب العالمية الثانية، أضيف إلى هذه المصالح والأهداف ضرورة منع وقوع المنطقة العربية في فلك المعسكر الاشتراكي بزعامة الاتحاد السوفيتي، ومطاردة التيارات الشيوعية وتشجيع النظم والتيارات الرأسمالية. وقد تصاعد في هذه المرحلة ـ كهدف استراتيجي للتحالف الغربي الصهيوني ـ الحفاظ على وجود الدولة الصهيونية، بصفتها إحدى التعبيرات الإستراتيجية، وقاعدة متقدمة للتحالف في وجه كل من النفوذ السوفيتي من جهة، وكافة الطموحات العربية المناهضة للهيمنة الغربية، وذراعاً لمحاربة النظام العربي القومي، وحركة التحرر القومي العربية التي شهدت نهوضاً أقلق الوجود الاستعماري الغربي والكيان الصهيوني ومصالحهما في المنطقة خلال عقدي الخمسينات والستينات، وظلت محاربة المشروع العربي النهضوي، والتآمر عليه، وضربه هدفاً دائما للتحالف الغربي الصهيوني، تمثل في ملاحقة التطلعات القومية لمصر في عهد عبد الناصر حتى تم ضربها، كما تم لاحقاً ضرب المشروع نفسه الذي حمله العراق وحاول النهوض به بقيادة صدام حسين.

والواقع أن تلمس القوى الاستعمارية الغربية لسبل إنشاء كيان غريب واستزراعه في قلب المنطقة، ظل من ثوابت سياسات هذه القوى في مختلف المراحل، قبل الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة وبعدهما، كما ظل التفكير في الاعتماد على العنصر اليهودي الصهيوني لإقامة هذا الكيان ضمن هذه الثوابت أيضاً.

جاء في كتاب "الهند وفلسطين" لتوماس كلارك المطبوع في منشستر عام 1961 ما يلي: "إن بعث الأمة اليهودية سوف يعود علينا بأفضل المنافع .. ومن المؤكد أن احتلال اليهود لفلسطين تحت حماية بريطانيا يجب أن يكون بمثابة ضرورة .. فإذا كانت بريطانيا تعتمد على تجارتها كحجر زاوية في عظمتها، وإذا كان أقرب مجرى للتجارة وأفضله يمر عبر محور القارات الثلاثة الكبرى، وبما أن اليهود يعتبرون شعباً تجارياً في الجوهر .. فهل هناك بادرة أكثر طبيعية ومنطقية من زرعهم على طول ذلك الطريق العظيم للتجارة القديمة ؟!".

وبعد زهاء نصف قرن تقريباً لم يفقد هذا التحليل جاذبيته وظهرت دلائل على أنه أصبح أكثر مقبولية وتجذرا في العقيدة السياسية الدولية لـ "بريطانيا العظمي" رأس القوى الاستعمارية الغربية في ذلك الحين. نفهم ذلك مثلاً من تعميم الأفكار التي طرحها كلارك في المؤتمر الشهير بمؤتمر كامبل بنرمان عام 1907. وكان حزب المحافظين البريطانيين قد دعى لجنة من كبار علماء التاريخ والاجتماع والزراعة والبترول والجغرافيا والاقتصاد تمثل كل الإمبراطوريات الاستعمارية القائمة وقتذاك اجتمعت بين عامي 1905 و1907 .

استعرض التقرير الصادر عن المؤتمر أسباب زوال الإمبراطوريات الاستعمارية السابقة في التاريخ، وقارن بين تلك الإمبراطوريات وبين ما يحتمل حدوثه للدول المشاركة في المؤتمر، فرأى أن الأخطار التي كانت سبباً في زوال تلك الإمبراطوريات يمكن أن تكون، كذلك، سبباً في زوال استعمار تلك الدول.

كما رأى "أن الخطر ضد الاستعمار في آسيا وإفريقيا ضئيل، ولكن الخطر الضخم يكمن في البحر المتوسط، وهذا البحر هو همزة الوصل بين الغرب والشرق، وحوضه مهد الأديان والحضارات، ويعيش على شواطئه الجنوبية والشرقية، بوجه خاص، شعب واحد تتوافر له وحدة التاريخ والدين واللسان، وكل مقومات التجمع والترابط. هذا فضلا عن نزعاته الثورية وثرواته الطبيعية".

وأسهب التقرير في تحليل أوضاع الوطن العربي فرأى أن كل أسباب القوّة والتحرّر والنهوض متوافرة له نتيجة "لنزعاته التحرّرية وثرواته الطبيعية وموارده البشرية المتزايدة". وقدَّر التقرير عدد سكان الوطن العربي في ذلك الحين بـ 35 مليون نسمة، وأن هذا العدد سوف يصل، بعد قرن من الزمن، إلى مائة مليون نسمة. (وقد أخطأ التقرير في تقديره هذا إذ وصل عدد سكان الوطن العربي بعد أقل من قرن إلى ما يقرب من ثلاثمائة مليون نسمة أو أكثر).

بعد كل ما تقدم، طرح التقرير التساؤلات التالية:

1. كيف يمكن أن يكون وضع هذه المنطقة إذا توحَّدت، فعلاً، آمال شعبها وأهدافه، وإذا اتجهت هذه القوة في اتجاه واحد؟.

2. ماذا لو دخلت الوسائل الفنية الحديثة ومكتسبات الثورة الصناعية الأوروبية إلى هذه المنطقة؟.

3. ماذا لو انتشر التعليم وعممت الثقافة في أوساط هذا الشعب؟.

4. ماذا سيكون إذا تحررت هذه المنطقة واستغلت ثرواتها الطبيعية من قبل أهلها؟.

وأجاب التقرير ، نفسه، على هذه التساؤلات، بكلام جازم:

"عند ذاك، ستحل الضربة القاضية حتما بالإمبراطوريات الاستعمارية، وعندها ستتبخر أحلام الاستعمار بالخلود، فتتقطع أوصاله، ثم يضمحل وينهار كما انهارت إمبراطوريات الرومان والإغريق".

وقد عالج التقرير، في نهايته، هذه الأخطار، وقرر، بصددها، ما يلي:

1-      على الدول ذات المصالح المشتركة أن تعمل على استمرار تجزئة هذه المنطقة وتأخرها، وإبقاء شعبها على ما هو عليه من تفكك وتأخر وجهل.

2-      ضرورة العمل على فصل الجزء الإفريقي في هذه المنطقة عن الجزء الأسيوي.

وتقترح اللجنة لذلك إقامة حاجز بشري، قوي وغريب، يحتل الجسر البري الذي يربط أوروبا بالعالم القديم، ويربطهما معاً بالبحر الأبيض المتوسط، بحيث يشكل، في هذه المنطقة، وعلى مقربة من قناة السويس، قوة صديقة للاستعمار، وعدوة لسكان المنطقة.

وقد وضعت اللجنة هذا التقرير وأودعته وزارة الخارجية البريطانية، بعد أن أوصت بزرع "إسرائيل" في قلب الوطن العربي "كحاجز بشري، قوي وغريب" ... وكقوة "صديقة للاستعمار وعدوة لسكان المنطقة"، تفصل بين جناحي الوطن العربي المتمثلين بمشرقه ومغربه، كما أوصت باستمرار "تجزئة هذه المنطقة ... وإبقاء شعبها على ما هو عليه من تفكك وتأخر وجهل". ثم عهدت إلى بريطانيا بتنفيذه، فنفذته بحذافيره، حيث حققت، بالاشتراك مع فرنسا، اتفاقية "سايكس ـ بيكو" التي أدت إلى تجزئة المشرق العربي، وأطلقت وعد بلفور، وأقامت الوطن القومي لليهود في فلسطين على حساب أهلها من العرب بعد أن شرَّدتهم من ديارهم، فكان هذا المؤتمر الاستعماري هو المحطة الأولى والأساسية في مراحل أغرب مؤامرة وأطول مؤامرة في التاريخ، وهي "مؤامرة الغرب على العرب".

 

من المعروف أن هناك من يشكك في انعقاد هذا المؤتمر ومقترحاته، غير أن ثمة قرائن سابقة ولاحقة على رواية المؤتمر توجب الاعتقاد في صحة هذه الرواية. فقد كانت الحركة الصهيونية قد بلورت مشروعها وطرحته على الملأ منذ مؤتمرها الأول في مدينة بال بسويسرا عام 1897، وراحت تبحث عن قوة دولية تتبناه. كما أن الوقائع التالية للمؤتمر ومفهومه تنسجم بشدة مع المقترحات الواردة في وثيقة بانرمان، وأهمها الاستقرار على فلسطين كمنطقة مرشحة لاستقبال المشروع الصهيوني الاستيطاني بسبب موقعها الجغرافي المتميز بالنسبة لفاعلية تلك المقترحات.

من دلائل هذا التقدير، المذكرة التي رفعها هربرت صموئيل إلى الحكومة البريطانية في فبراير 1915 بشأن وضع فلسطين بعد الحرب العالمية الأولى. وهذا الرجل هو من وقع عليه الاختيار ليكون أول مندوب سامي بريطاني في فلسطين غداة احتلالها في نهاية تلك الحرب. وقد ورد في المذكرة .. أن مستقبل فلسطين يراوح بين عدد من البدائل كالضم إلى فرنسا أو أن تترك بيد تركيا أو يجري تدويلها .. لكن صموئيل بعد أن يستعرض هذه البدائل بحسناتها وسيئاتها بالنسبة لمصالح بلاده بريطانيا، ينتهي إلى ترجيح احتمال تحويل فلسطين إلى محمية بريطانية، يتم التواطؤ البريطاني على تكوين أكثرية يهودية فيها. وهنا لم يتحدث صموئيل عن خيار الحكم الذاتي للفلسطينيين ولا عن حقهم في تقرير المصير أو تحريرهم. كان هذا كله مستبعداً من تفكيره بعقليته الاستعمارية؟؟.

ولكن ما الفائدة التي ستعود على بريطانيا من مقترحه بإغراق فلسطين باليهود تحت حمايتها؟. قال صموئيل في مذكرته: "إن الإمبراطورية البريطانية باتساعها وازدهارها الحاضر ليس لديها بعد ما تضيفه لعظمتها .. لكن فلسطين على صغر مساحتها تبدو ضخمة في مخيلة العالم حتى أن كل إمبراطورية مهما كانت عظيمة قد ترفع من مكانتها ومركزها بامتلاكها لها. إن ضم فلسطين إلى الإمبراطورية البريطانية سيزيد من لمعان التاج البريطاني، ويشكل قوة لشعب المملكة المتحدة إذا ظهر كوسيلة معلنة لمساعدة اليهود على احتلال البلاد من جديد ..".

ولا يتجاهل صموئيل فوائد احتلال فلسطين للدفاع عن سلامة مصر تحت الاحتلال البريطاني .. فيذهب إلى أنه: "إذا كانت المصاعب السياسية تحول دون الاستيلاء على الإسكندرون فيجدر بنا الالتفات إلى حيفا لعلها تفي بالمطلوب. كما أن الدفاع عن حدود مشتركة مع جارة أوروبية في لبنان (يقصد فرنسا على الأرجح) هي مخاطرة أقل بالمصالح البريطانية من الحدود المشتركة عند العريش.." وبالمناسبة، تكررت هذه المعاني الإستراتيجية للعلاقة بين أمن الاحتلال البريطاني في مصر وإقامة المشروع الصهيوني وتبنيه بريطانياً في معظم أفكار المنظرين الاستعماريين البريطانيين.

فقد كتب هربرت سايدبوثام في نوفمبر 1915 بصحيفة المنشستر جارديان ما معناه "إن احتلال فلسطين وإقامة كيان يهودي متحالف مع بريطانيا يمثل معقلاً نموذجياً لوقاية الوجود البريطاني في مصر..".

في كل حال تبدو المصالح المادية الاستغلالية لتكوين المشروع الصهيوني في فلسطين مسألة غير قابلة للنقاش، بسبب وضوحها في الخطاب الاستعماري الغربي. ففلسطين تعد همزة وصل بين المستعمرات البريطانية في الشرق الأوسط وجنوب أسيا ولاسيما في الهند بمنظور الحقبة الاستعمارية. كما أن السيطرة على فلسطين تضمن فصم مشرق العالم العربي عن مغربه وتتيح فرصاً لوجستية أوسع لممارسة حملات تأديبية وقمعية ضد من تسول له نفسه عربياً للاضطلاع بمقاومة المصالح النفطية والتجارية الغربية .. غير أنه إلى جوار هذه المصالح والأسس المادية التي تفرض المؤازرة الغربية للمشروع الصهيوني، وكيانه السياسي إسرائيل، هناك أبعاد مصلحية غير مادية وغير منظورة تفرض الأمر ذاته. أبعاد لم يلتفت إليها الكثيرون من أنصار نظرية التحليل المادي لصيرورة الصراع الصهيوني العربي في فلسطين وجوارها .. مع أنها تمثل الجانب الأرسخ الذي يمكنه أن يعيش بلا سقف تاريخي محدد، لأنه يصل التحالف الاستعماري الغربي الصهيوني بجذور ثقافية دينية روحية يصعب تغييرها بالوتيرة التي يمكن أن تتغير بها المصالح المادية المنظورة. وأساس هذه الأبعاد الثقافية الدينية هو إيمان جماعات قوية في المنظومة الأوروبية الأمريكية بثلاثة أفكار تدفع الغرب لمساندة الحركة الصهيونية وإسرائيل.

 

الفكرة الأولى:

إن الصهيونية نتاج الفكر الحضاري الغربي، وأن الحضارة الغربية لها شقان: مسيحي ويهودي. فبعض الكنائس المسيحية البروتستانتية ذات الصلة بالعقيدة الألفية والفكر الاسترجاعي تتخذ موقف التأييد من قيام دولة يهودية في فلسطين بوصفها حقاً تاريخياً ودينياً لليهود، باعتبار أن عودة اليهود إلى الأرض الموعودة (فلسطين تحديداً) هي برهان على صدق التوراة وعلى اكتمال الزمان والعودة الثانية للسيد المسيح.

وترتبط العقيدة الألفية بدعوة "الاسترجاع" أي إرجاع اليهود إلى فلسطين، ويركز الألفيون والاسترجاعيون على أن إسرائيل وشعبها "المختار" هم طبقاً للعهد القديم، عنصر مقدس يجب الدفاع عنه، ويعتبرون أن إسرائيل الواردة في التوراة هي إسرائيل المعاصرة في فلسطين، وغالباً ما يطلق على هذه الاتجاهات الدينية مصطلح "الصهيونية المسيحية" وعلى معتنقيها "الصهيونيين غير اليهود".

ويعتبر "الإنجيليون" أبرز الطوائف المسيحية تبنياً لهذه الأفكار، وهم كما هو معروف، منتشرون بكثرة في الغرب، حتى أن عددهم في الولايات المتحدة الأمريكية يتجاوز الأربعين مليوناً.

كما يلاحظ أن تبني المشروع الصهيوني من جانب بريطانيا تحديداً، إبان صدارتها في النظام الدولي عشية الحرب العالمية الأولى وغداتها، لم يكن مجرد استجابة للطموحات الاستعمارية في المشرق العربي، بل أنه مثل في أحد وجوهه الهامة، منهجاً منسجماً مع ما ترسخ في الثقافة الإنجليزية من تأثر بالأفكار التوراتية، قبل صدور وعد بلفور بوقت طويل، حتى أن المؤرخة اليهودية "بربارة توشمان"، تؤكد أنه بدون التراث التوراتي الذي تغلغل في الفكر والأدب والتعليم والطقوس الدينية الإنجليزية، كان من المشكوك فيه أن يصدر وعد بلفور عام 1917، أو يتم الانتداب البريطاني على فلسطين بعد ذلك بوقت قصير، وذلك رغم العوامل الإستراتيجية التي برزت على المسرح فيما بعد.

وقد أضحى معلوماً الآن، أن التأثيرات الفكرية الصهيونية غير اليهودية، بكل أطيافها كانت منتشرة في معظم دول أوروبا والولايات المتحدة، وإنها قد وجدت صداها في مواقف قادة وزعماء سياسيين وتجار ومفكرين وأدباء ورجال اللاهوت، الأمر الذي فعل فعله في المراحل التحضيرية لإنشاء الكيان الصهيوني، ومازال صداه يتردد في الخطاب الثقافي والسياسي الغربي تجاه هذا الكيان حتى الوقت الحاضر، فقائمة "الألفيين" المؤثرين في صناعة القرار في الغرب، ضمت بين جنباتها أسماء معاصرة على قدر عظيم من الأهمية (مثل الرئيسين الأمريكيين السابقين كارتر وريغان ..).

إن هذه الهالة المقدسة التي تضفي على الوجود الإسرائيلي، تفرض على أصحاب هذه المعتقدات أن يدافعوا عن هذا الوجود، ومما لا يخلو من مضامين في هذا الصدد، ما يؤثر عن الرئيس الأمريكي بيل كلينتون من أنه قال في إحدى المناسبات "آمنت بدعم إسرائيل منذ عرفت أول شيء عن قضيتها، وربما كان لنشأتي الدينية علاقة بذلك. لقد ذكر لي قسيس بأنه يأمل أن أرشح نفسي في الانتخابات الرئاسية، وأنني إذا خذلت إسرائيل فإن الله لن يسامحني أبداً".

 

الفكرة الثانية:

أن الصهيونية بنزعتها الاستيطانية تمثل إحدى حركات الاستيطان الغربي في عوالم الآخرين، كالأمريكيتين، وجنوب أفريقيا، ونيوزيلندا، والجزائر، وبالطبع فلسطين، فلابد من نصرتها في كل الأحوال. وهذه الحقيقة تؤكد أن تجربة الاستيطان الصهيوني قد زرعت في رحم الفكر الاستيطاني الغربي، وولدت، ثم نمت وأينعت في أحضان نماذجه التطبيقية، وأن دروب الصلة بين حركة الاستيطان الأوربي والاستيطان الصهيوني في فلسطين متعددة، بحيث لا يسهل الخوض في احتمال الفصم بين المجتمع الاستيطاني الإسرائيلي، وبين أصله الأوربي، وشبيهه في جنوب أفريقيا.

فمن ناحية، يمثل الاستيطان الصهيوني بالنسبة إلي الغرب وحضارته، أحد نماذج هجرة الأقليات الأوربية للبحث عن عالم جديد (البيوريتانز من بريطانيا، الهوجونوت والكالفانيين من فرنسا، اليهود من أوربا عموماً...) وقد تمت أول هجرة استيطانية يهودية خارج أوربا صوب الولايات المتحدة، وذلك حين اصطحب "كولومبوس" في رحلته الاستكشافية، خمسة من اليهود وبصفة عامة لم تنفصل الحركة الاستيطانية اليهودية عن الحركة الأوربية الأم منذ البداية، وهذا يدخل في تفسير التعاطف الغربي مع المجتمع اليهودي في فلسطين.

ومن ناحية ثانية، فإن علاقة المجتمع الصهيوني بأوربا قد تحددت في ضوء الصلة بين المجتمع الاستيطاني وبين بلدان المنشأ أو الأصل، حيث تظل بلدان الأصل علي تواصل عاطفي مع المجتمع المهاجر في موطنه الجديد.

ومن ناحية ثالثة، يمكن القول أن علاقة المجتمع الصهيوني في فلسطين بالولايات المتحدة، تقوم في أحد مداخلها علي استشعار الأمريكيين وتأثرهم بالتجربة الاستيطانية المشتركة، كذلك يتغذى التعاطف الأمريكي من فكرة أن كلا من المجتمع الأمريكي والمجتمع الإسرائيلي هو مجتمع أقليات مهاجرة، وأن كلا منهما يسعي لصهر هذه الأقليات في بوتقة لبلورة مجتمع جديد يافع. ومن هنا لا يستهجن معظم الأمريكيين الممارسات الإسرائيلية، ولا يرون أن ما يحدث في فلسطين أمر غير طبيعي.

ومما يتصل بالجوانب السابقة، أن بين أبناء المجتمعات الغربية من هم قادرون علي فهم تجربة إسرائيل من حيث نشأتها، ومكانتها بالنسبة إلي محيطها الإقليمي في إطار نظرتهم إلي دور الرجل الأبيض ورسالته التاريخية في تمدين الآخرين، فإسرائيل عندهم، تجسيد حي للفلسفة التي تمجد الحضارة الغربية، والتخلي عنها يعني هدم ما بناه هذا الرجل في "الشرق الأوسط المتخلف". وبالنسبة إلي الثقافة الأمريكية، فإن إسرائيل- ورجلها المهاجر الأبيض- نجحت في إنجاز ما قام به الرواد في أمريكا، حين أحالوا البراري القاحلة إلي جنات وارفة. وهنا تكون إسرائيل عامل حضارة ومدنية في إقليم لا يعترف بالجميل. وذات حين أثار الرئيس الأمريكي الأسبق "كارتر" هذا المفهوم حين قال: "لقد أقام رواد وأقوام تجمعوا من كلا الشعبين من دول شتي الولايات المتحدة وإسرائيل. فشعبي كذلك أمة مهاجرين، كما أننا نتقاسم معا ميراث التوراة".

إن نظرة لها مثل هذا الإيغال في تضاعيف العقل الغربي، تجعل من إسرائيل دون شك جزءا من الميراث الحضاري الغربي. وهي نظرة لا علاقة لها بتغير النظام الدولي، فإسرائيل، بكلمات أخرى، تبدو كممثل دائم للغرب وحضارته في هذه المنطقة، وليس في الأفق حتى الآن ما يوحي بتغيير رؤية الغرب لنفسه أو إيمانه بسطوته الممتدة في كل مكان، وبخاصة في ضوء يبشر به جانب من الفكر الغربي بالنسبة إلي زوال كل منافسة للحضارة الغربية وقيمها علي نطاق عالمي.

   

الفكرة الثالثة:

تنجم عن عوامل الانحياز الحضاري والإعجاب السياسي في الغرب بالفكر الصهيوني والنظام الإسرائيلي. أن جوهر هذه الدوافع الداعية إلي دعم إسرائيل، في الغرب، هو الجزم بأن إسرائيل هي، من حيث بنيتها وممارستها السياسية، لا تعدو كونها مثالاً حياً في "الشرق الأوسط" للبنى والممارسات السياسية الغربية، ليس هذا فحسب، بل أن هناك مركبا فكرياً ينساب في الوعاء اللاشعوري للرأي العام الغربي علي مستوى خاصة الناس وعامتهم: بأن إسرائيل هي في كل جوانب حياتها القيمية والفلسفية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية لا تخرج، بحال، عن الجوانب الغربية المثيلة، سواء من حيث الفكر أو الحركة. فاليهودي الذي يعيش في إسرائيل الآن، عاش مطولا بين الغربيين، واستقي منهم مُثلُه وتقاليده على كل الصعد عبر قرون ممتدة، وينظر الغربيون حولهم فيجدون ما يؤكد هذا المركب الفكري، ذلك أن مظاهر الصلة الإسرائيلية بهم مازالت حية متواترة بينهم، ويمكن التأكد منها، بمجرد إلقاء نظرة علي المؤسسات المالية والبنوك والأنشطة الاقتصادية والإعلامية، ومختلف مناحي الحياة المؤثرة.

إن الغرب لا ينظر في أعماقه إلي إسرائيل باعتبارها مجرد "دولة شرق أوسطية" تسعى إلي سلوك الطريق الغربي والفلسفة الغربية في الحياة والاقتداء بهما، كما هو شأن دول أصلية كثيرة في المنطقة، لكنه يتقيد بكونها جزءا منه، يحمل جيناته الوراثية - إذا صح التعبير- في كل شيء، إسرائيل عند الغرب، دولة شرق أوسطية بالمفهوم الجغرافي والاستراتيجي فقط، بينما هي من حيث الفكر والسلوك دولة غربية صرفة. ولذلك، ما علي مجتمعات الشرق الأوسط، ولاسيما العربية منها، إلا أن تحذو حذو إسرائيل وتستهدي بنظمها الاقتصادية والسياسية وتقدمها التقني، إذا أرادت الاقتداء بالغرب.

كذلك فان مما يلقى إعجابا واهتماماً في أوروبا، ويصل إلي حد الانبهار في الولايات المتحدة، صورة إسرائيل "الدولة الديمقراطية الصغيرة المثابرة" وفي هذا الشأن فإن إسرائيل القوية المنتصرة في "الشرق الأوسط" تؤدي ـ حسب تصور الغرب ـ مهمة جليلة للعالم الحر، في هذه المنطقة ذات القوى الاستبدادية والنظم الديكتاتورية الممثلة للشخصية الشرقية.

ومن جانبهم، لا ينكر الإسرائيليون معرفتهم بهذه المنطلقات، ويسعون إلى تعضيدها. وقد أشار بن جوريون إلي ذلك حين ذكر: "أن إسرائيل جزء من الشرق الأوسط من حيث العامل الجغرافي فقط". ورغم أن الوقت تكفل بإظهار الكثير من سوءات النظام الإسرائيلي علي صعد مختلفة، ككذب الادعاء بديمقراطية الحياة السياسية على الأقل تجاه الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة، وكبر حجم المشكلات الهيكلية الاقتصادية وعنصرية القيم الصهيونية...، رغم ذلك، فان الغرب مازال ينظر إلي إسرائيل بحكم الاعتقاد بانتمائها إليه، على أنها الراعي الوحيد الذي يمكن الوثوق به لحراسة مثله في "الشرق الأوسط".

في ضوء هذه المنظومة من الدوافع التاريخية الدينية الثقافية، التي تؤطر العلاقة الغربية ـ الإسرائيلية، وتتغلغل في تضاعيفها، تبدو مسألة استمرار الرعاية الغربية لإسرائيل عبر أفق زمني يصعب تحديده، قضية بديهية. فمن الثابت، أن الاستعصاء على تفكيك وعدم المرونة أو القابلية للتغير، هي سمات لصيقة بطبيعة هذه الدوافع، على الأقل مقارنة بما قد يعتري الروابط ذات الطبيعة المصلحية المادية البحتة، وإذا صح الوصف، أمكن القول أن المحدد التاريخي الثقافي الذي ينظم الصلة الغربية ـ الإسرائيلية، وهو محدد عابر للنظم الدولية والإقليمية، مهما كان مخرجها النهائي، لن يقود إلى عزوف الغرب عن مساعدة إسرائيل على تبوء مكانة الصدارة في محيط وجودها. لاسيما، أن شعور الغرب بالانتصار النهائي في الصراع الأيديولوجي على نطاق عالمي، قد يقترن على الأرجح، بالشعور بإمكانية تحقيق النموذج الإسرائيلي ـ المتفرع بتاريخه عضوياً وقيمياً عن الغرب ـ لانتصار نهائي رديف في هذه المنطقة من العالم، وتجدر الإشارة إلي أن إسرائيل كانت قد حددت خياراتها منذ ما قبل الحرب الباردة وأثناءها، فحرصت على إبقاء محيطها الإقليمي (المنطقة العربية أو الشرق الأوسط) موضوع لتغلغل المثل الغربية، ومما يذكر في هذا الشأن، أن إسرائيل تطلعت في الخمسينات للانضمام إلي حلف الأطلنطي. وعندما فشلت في ذلك طلبت رسمياً توقيع معاهدة للدفاع المشترك مع واشنطن، والالتحاق بالجماعة الأوربية. وفي كل الأحوال، فقد انحازت إسرائيل إلي الغرب ضد المثل الاشتراكية عالمياً والمثل القومية العربية إقليمياً، التي عارضها الغرب على حد سواء. ومن المتصور أنها في كل التحولات الدولية والإقليمية المواتية للغرب، سوف تعكف على محاولة استثمار خدماتها الأيديولوجية السابقة، لتعزيز مكانتها في أية ترتيبات يزمع الغرب، المنتصر أيديولوجيا ونظاميا، إعدادها.

ومن جهتهم يبادل الصهاينة الغرب وداً بود، فهم يعتبرون أنفسهم نتاجاً لثقافة الغرب ومثله في كل مكان، نجاحهم في الشرق نجاح له، والعكس بالعكس، وبغض النظر عن تنقل مركز قيادة الصهيونية بين القوى الغربية، فإن كل هذه القوى تتحرك من داخل دائرة حضارية واحدة، وتجمعها ثوابت إستراتيجية، ثقافية، دينية، تحدد صلاتها بالعرب كجوهر حضاري - ثقافي مختلف، ومنافس ويمكنه ممارسة دور مقاوم وربما يكون ندا للتوجهات الغربية الصهيونية.

ومن وجهة نظر معتبرة تجب هذه الأسس الثقافية الدينية الروحية للتحالف غيرها من الأسس وتسبقها عند اللزوم. وخير دليل علي ذلك عدم تراجع مكانة إسرائيل الإستراتيجية - العسكرية مثلاً  أثناء وبعد حروب الخليج الثانية والثالثة (غزو العراق واحتلاله)، رغم أن البعض توقع العكس باعتبار أن إسرائيل كانت معوقاً للحركة العسكرية الغربية (الأمريكية) بأكثر مما كانت مسهلاً لهذه الحركة.

هذه هي باقتضاب رؤية الأدبيات التحررية العربية للعلاقة بين الاستعمار الغربي والصهيونية وإسرائيل، فكيف كانت رؤية ثورة يوليو المصرية وزعيمها عبد الناصر لهذه العلاقة؟.

حين قامت ثورة يوليو 1952 لم يكن قد مضى على نكبة فلسطين إلا بضعة أعوام. لكن النكبة كانت حاضرة في وجدان الثورة وتفكيرها قبل انطلاقها. فمعظم ضباط الثورة بمن فيهم قائدهم كانوا مشاركين في معركة الدفاع عن فلسطين وشهودا علي النكبة وضحاياها .. لدرجة أن بعض المؤرخين والمحللين نسبوا الثورة لتأثيرات النكبة. خاصة وأن تداعيات معركة فلسطين أخذت تتفاعل في البلدان العربية الأخرى التي شاركت في الحرب (انقلابات سوريا المتعددة بين 1949 و1952، اغتيال الملك عبد الله ملك الأردن في القدس عام 1951..). وفي مصر ذاتها، كانت نتائج المعركة مازالت تتفاعل في المجتمع المصري وفي الحياة السياسية المصرية .. من الحديث عن الأسلحة الفاسدة, إلي الاتهامات الموجهة للقصر الملكي وأتباعه حول تواطئهم ضد الجيش, إلي حريق القاهرة, وغيرها من التفاعلات التي كانت تمور بها السياسة المصرية.

وقد حرص عبد الناصر في وقت مبكر بعد قيام الثورة إلى تحديد أسبابها الحقيقية .. فلم ينف تأثيرات نكبة فلسطين في قيام الثورة، ولم يجعلها في الوقت ذاته السبب الوحيد أو حتى الرئيس.

فقد جاء علي لسانه في "فلسفة الثورة " قوله: "ليس صحيحاً أن ثورة يوليو قامت بسبب النتائج التي أسفرت عنها حرب فلسطين، وليس صحيحاً كذلك أنها قامت بسبب الأسلحة الفاسدة التي راح ضحيتها جنود وضباط.. إنما الأمر في رأيي كان أبعد من هذا، وأعمق أغواراً". ولكنه في الوقت نفسه والمكان نفسه يقول: "إن نتائج هذه الحرب ربما كان أكبر تأثير لها أنها تستحثنا على الإسراع في طريق الثورة". أي أنه كان يرى أن ما جرى في فلسطين، قد كشف حقيقة ما وصلت إليه الأوضاع في مصر، الأمر الذي يتطلب سرعة التغيير.

من ناحية أخرى، أراد عبد الناصر أن يؤكد على الترابط بين أهمية وضرورة التغيير في مصر، وبين ما جرى في فلسطين، باعتبار فلسطين امتدادا لمصر، وجزءًا من أمنها القومي. فهو يقول في هذا المجال: "إن القتال في فلسطين، ليس قتالاً في أرض غريبة، وليس انسياقا وراء عاطفة، وإنما هو واجب يحتمه الدفاع عن النفس". ففي رأي عبد الناصر أن مصر حين تحارب إسرائيل تقوم في المقام الأول بواجب الدفاع عن نفسها. فقال: "كنت مؤمناً بأن الذي يحدث لفلسطين، كان يمكن أن يحدث ـ ومازال احتمال حدوثه قائماً ـ لأي بلد في هذه المنطقة، مادام مستسلماً للعوامل والعناصر والقوى التي تحكمه الآن، فتجعله ضعيفاً إزاء مطامع إسرائيل في التوسع". ويفسر عبد الناصر مشاركته ومشاركة إخوانه الضباط الأحرار في الدفاع عن فلسطين، واستبسالهم في معركتها، المتطوعون منهم، والنظاميون، "بأنها انعكاس لما ترسخ في وعيهم من أن رفح ليست آخر حدود بلادنا، وأن نطاق سلامتنا يقضي أن ندافع عن حدود إخواننا الذين شاءت لنا أحكام القدر أن نعيش معهم في منطقة واحدة".

هذا يعني بوضوح أن مواجهة إسرائيل وعدوانها علي الأراضي العربية هي قضية وطنية مصرية وواجب مصري، وأن تحرر مصر وحمايتها، لا يكتملان إلا بتحرير الأرض العربية المجاورة وحمايتها من العدوان الإسرائيلي. وهو يعني أيضاً خطأ التصور السائد الآن، والقائل بأن تحرير مصر قد اكتمل بانسحاب القوات الإسرائيلية من سيناء.

ويمكن تلخيص هذه الرؤية الناصرية للعلاقة بين الاحتلال الصهيوني لفلسطين، والخطر القائم على مصر وعلى أي بلد عربي آخر بأنها رؤية قومية لوحدة الصراع وأبعاده، وعدم تجزئة الصراع مع العدوان الصهيوني إلى صراع قطري يخص كل بلد عربي على حدة، بحيث تقع على عاتق كل بلد وحده مسؤولية مواجهة العدوان الإسرائيلي عليه.

وفي ذلك يقول: "إن ما يعنيني من حرب فلسطين درس عجيب. فقد دخلتها شعوب العرب جميعاً بدرجة واحدة من الحماسة، ثم خرجت منها هذه الشعوب بنفس المرارة والخيبة. هذه جيوش إخواننا، جيشاً جيشاً، كلها أيضاً محاصرة بفعل الظروف التي كانت تحيط بحكوماتها التي كانت جميعاً تبدو كقطع الشطرنج، لا قوة لها إلا بقدر ما تحركها أيدي اللاعبين، وكانت شعوبنا جميعاً تبدو في مؤخرة الخطوط، ضحية مؤامرة محبوكة أخفت عنها، عمداً، حقيقة ما يجري، وضللتها عن وجودها نفسها". وهذا يعني أن عبد الناصر أيقن أن ما يحدث في فلسطين، كان، ومازال يمكن أن يحدث لأي بلد في المنطقة. هذا هو الفهم الذي زرعته في عقله معركة فلسطين، فقد صارت المنطقة لديه كلاً واحداً.

وفضلا عن إدراك عبد الناصر المبكر أن الاحتلال الصهيوني لفلسطين هو تهديد لأمن مصر القومي، وأن مواجهة هذا الاحتلال هي مسؤولية وطنية مصرية يحتمها الدفاع عن حدود مصر، باعتبار ذلك حقيقة ترسخت في الوجدان الوطني المصري، وشكلت جزء من تراثه عبر التاريخ منذ العهد الفرعوني، مروراً بالغزو الصليبي، (معركة حطين 1187) والمغولي (معركة عين جالوت 6 أيلول 1260) وحتى حرب فلسطين عام 1948. أدرك عبد الناصر مبكراً أيضاً ارتباط إسرائيل بالاستعمار الغربي وأهدافه، وتبعيتها الكاملة له. وكان عبد الناصر يرى في الاستعمار العدو الأول لمصر. وأن هذا الاستعمار لا يتورع عن تجنيد واستخدام قوي داخلية وخارجية لإحكام سيطرته على مصر. وأن إقامة دولة إسرائيل في فلسطين هي جزء من مخططات الاستعمار لتهديد أمن واستقلال الدول العربية المجاورة لها.

ومما ساعد على تأكيد إحساس عبد الناصر بخطورة الاستعمار وخطورة إسرائيل بالتالي، أنه ابتدأ منذ تولي الضباط الأحرار زمام السلطة، في مجابهة حادة مع بريطانيا التي تحتل قواتها منطقة قناة السويس، وتستخدم قواعدها فيها لتهديد مصر والضغط عليها والحد من استقلالية سياستها. ولذلك كان الجهد الأبرز الذي انصرفت له قيادة الثورة منذ أيامها الأولي هو تحقيق جلاء القوات البريطانية وتصفية نفوذها في مصر.

كان عبد الناصر مؤمناً بأن إسرائيل هي صنيعة بريطانيا في المنطقة العربية." .. فبريطانيا هي التي رعت الأطماع الصهيونية في فلسطين ودعمتها، واحتلال بريطانيا لفلسطين هو الذي مهد الطريق لقيام الدولة الصهيونية. وقد بدأ التمهيد لزرع الجسم الصهيوني في الأرض العربية بتقسيم بلاد الشام إلي أربعة أجزاء في معاهدة سايكس بيكو (1916). ثم إعلان بريطانيا وعد بلفور (1917) الذي يمنح اليهود حق إقامة وطن قومي لهم في فلسطين، ووضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني لتمكين الحركة الصهيونية من إقامة الدولة الإسرائيلية عبر السماح لليهود بالهجرة إلي فلسطين، وتسليحهم وتدريبهم. فبريطانيا إذن، هي المسؤولة أولاً وأخيراً، عن إيجاد دولة إسرائيل..".

وبإيمان كهذا يمكن فهم، لماذا اقترن موقف عبد الناصر من إسرائيل بالموقف من بريطانيا الاستعمارية. فهو يقول: "لم تكن إسرائيل إلا أثراً من آثار الاستعمار البريطاني، وكان من شأن الفكرة الصهيونية، لولا دعم بريطانيا لها، أن تظل خيالاً مجنوناً ليس له أي أمل في الواقع". فالعدو إذن هو الاستعمار، وإسرائيل هي التابع، هي النتيجة .. أو كما قال عبد الناصر "الاستعمار هو القوة الكبرى التي تفرض على المنطقة كلها حصاراً قاتلاً أقوي وأقسي ألف مرة من الحصار بخنادقنا في (الفالوجا)، وبجيوشنا جميعاً، وبحكوماتنا في العواصم التي كنا نتلقى منها الأوامر".

وإذا كان عبد الناصر يركز على الاستعمار البريطاني، فذلك لدوره الأول في إنشاء إسرائيل، ولأن بريطانيا في ذلك الوقت كانت ما تزال قوة عظمى في العالم، وهي رمز الاستعمار العالمي، ولأنها هي التي كانت جيوشها موجودة على أرض مصر، وتفرض هيمنتها على مصر، وتتحكم في سياستها. وقد رأى في الطبقة الحاكمة في مصر قبل الثورة ونظامها الإقطاعي مرتكزاً للاستعمار البريطاني، يحول دون تطورها ونهوضها، ويحد من قدرة البلاد على التصدي لأعدائها الداخليين والخارجيين. ولذلك ربط التحرر السياسي والاقتصادي والاجتماعي بالتحرر من الاستعمار. وفي ذلك يقول: "إن أعدى أعدائنا يتمثل في ثالوث كريه هو الظلم الاجتماعي والاستبداد السياسي والاحتلال البريطاني".

  بصفة عامة كان عبد الناصر واضحاً في الربط العضوي بين إسرائيل والاستعمار، ويصح القول بأنه كان في طليعة من أدركوا الدور الوظيفي لإسرائيل في خدمة الاستعمار ومشروعه الاستغلالي. إذ لا يكاد يخلو أي تحليل لقضية فلسطين والاحتلال الصهيوني من جانبه من الاستطراد إلى هذا الدور. وذلك وفقاً للعناصر الآتية:

* قضية فلسطين هي في جوهرها قضية اغتصاب وطن ساعد عليه الاستعمار ممثلاً في بريطانيا.

* قضية فلسطين قضية مصرية بمعني أن الدفاع عن مصر يقتضي تحرر فلسطين لأن هذا الدفاع يتجاوز حدود مصر في رفح.

* قضية فلسطين قضية عربية واغتصابها لا يشكل إضراراً بالفلسطينيين فحسب، لكنه خطر على الدول العربية كلها. فإسرائيل دولة عدوانية. وبالتالي فإن تحريرها هو مسؤولية قومية تقع على عاتق العرب جميعاً.

* مواجهة إسرائيل وتحرير فلسطين يتطلبه أولاً تحرر مصر وكل البلاد العربية من السيطرة الاستعمارية وسلطة القوى العملية للاستعمار.

وفي الميثاق الذي جسد معظم أفكار عبد الناصر ورؤاه تتأكد هذه المعاني "..إن قطعة من الأرض العربية في فلسطين قد أعطيت من غير سند من الطبيعة أو التاريخ لحركة عدوانية عنصرية أرادها المستعمر لتكون سوطاً في يده يلهب به ظهر النضال العربي إذا استطاع يوماً أن يتخلص من المهانة وأن يخرج من الأزمة الطاحنة .. كما أرادها المستعمر فاصلاً يعوق امتداد الأرض العربية ويحجز المشرق عن المغرب. ثم أرادها عملية امتصاص مستمرة للجهد الذاتي للأمة العربية تشغلها عن حركة البناء الإيجابي..".

ويمضي عبد الناصر قائلاً: "إن الاستعمار انقض على الوطن الفلسطيني في قلب الأمة العربية وفرقه وحطم معالمه وحضارته وأرغمه على الحياة في مخيمات اللاجئين وأقطع أرضه إقطاعاً لعنصرية عدوانية دخيلة، مهد لها بالخيانة والخداع وبالمؤامرة والحرب لتكون له وسط الشعوب العربية قاعدة تنفذ خططه ومطامعه في ضرب الوحدة العربية والأمن العربي والسلام العربي والتقدم العربي..".

ومما يسترعي الانتباه في مقام هذه الرؤية هو ثبات عبد الناصر عليها على مدار زعامته، قبل الثورة وبعدها، وكذا في غضون المراحل المختلفة التي خاضتها الثورة في عهده في مواجهة الاستعمار وإسرائيل.

في ديسمبر 1953 ذكر عبد الناصر في خطاب له بالنادي الفلسطيني في الإسكندرية: "إن الاستعمار بعد ما انتهى من استجداء العرب وتخلص الإنجليز من الأتراك، نقضوا عهودهم واخلفوا ما وعدوا به أثناء الحرب (يقصد الحرب العالمية الأولي)، وبدأ الإنجليز في تقسيم البلاد العربية وبث روح التنافر والفرقة بين أبناء البلد الواحد". لكن عبد الناصر لا ينفي في ذلك الخطاب مسؤولية العرب حين يقول: ".. ماذا فعلنا إزاء هذا .. لم نفعل شيئاً وأخذ كل بلد يفكر في نفسه .. ثم أعلن وعد بلفور الذي هو بداية الطريق نحو نهاية فلسطين. أعلن هذا الوعد ولم نفعل شيئاً إلا الخطب والاجتماعات وإدخال الطمأنينة إلي القلوب. فكان الإنجليز دائماً يظهرون نياتهم وكانت اتجاهاتهم نحو اليهود ظاهرة، والأمة العربية كانت تستمع وتتقدم بطلبات ولكن طلباتها كانت ترفض. فماذا فعلنا بعد هذا الرفض؟!. لقد أعلن المستعمرون مبادئ العالم الحر وقالوا إن لكل دولة تقرير مصيرها، ووقف العرب ينتظرون. وكانت النتيجة أن أصحاب مبادئ العالم الحر بدأوا عملهم بنكبة فلسطين، التي لم يكن مثلها في تاريخ البشرية. وبعد هذا رفرف الاستعمار على رؤوس العرب فمن المسؤول؟.

من الذي دفع اليهود وشجعهم على احتلال فلسطين والقضاء على الشعب العربي فيها.. إنها إنجلترا. عندما حاربنا في فلسطين منعت إنجلترا السلاح عن العرب في حين كان السلاح يأتي لليهود من كل مكان. اليهود لو اعتمدوا على أنفسهم وقتئذ لما نجحوا بتاتاً. وإنما كانت إنجلترا تدفعهم فهي السبب الأول في نكبة فلسطين. إن إسرائيل يسندها الاستعمار الذي لا يريد لهذه المنطقة أية حرية ويعتبرها مزرعة لمصالحه الخاصة. كما هي خطة الاستعمار في القضاء على الأمة العربية جميعاً..".

بعد هذا الخطاب بثلاثة أعوام ذهب عبد الناصر في حديث له في يوليو 1955 إلي أن: "إسرائيل تمثل محاولة السيطرة علينا من خلال هذه الدولة. هي تمثل الضغط الأجنبي على العرب. تمثل السعي إلى تفريق كلمتهم وإشاعة الفرقة فيهم والحيلولة بينهم وبين أن يجتمعوا ويتفقوا أو يستفيدوا من تراث بلادهم وما في بطون أراضيهم من معادن أو خيرات وما في مركزهم الجغرافي".

وفي مايو 1956 أكد عبد الناصر مفهومه للصراع مع التحالف الاستعماري الصهيوني بالقول: "نحن اليوم لا نواجه إسرائيل وحدها وإنما إسرائيل والاستعمار. وطالما كان هناك استعمار لا يمكن أن يكون سلام. لأن الاستعمار معناه الاستغلال والسيطرة والتحكم، ونحن لا نقبل استغلالاً ولا سيطرة ولا تحكماً. إذن فهناك حرب بيننا وبين الاستعمار رغم إرادتنا لأننا نحارب من أجل الدفاع عن كياننا واستقلالنا وشرفنا وحريتنا وكرامتنا. وطالما كان هناك استعمار فلن نشعر بالاطمئنان.. كلنا نعرف الأسباب التي من أجلها خلقت إسرائيل. لا من أجل وطن قومي لليهود فحسب، ولكنها خلقت لتكون عاملاً من عوامل القضاء على القومية العربية الموجودة في هذه المنطقة من العالم .. خلقت إسرائيل لإضعافنا وإثارة المتاعب في طريقنا..".

تجدر الإشارة هنا إلي أن الفترة ما بين قيام ثورة يوليو 1952 وصولاً إلي مايو 1956، شهدت مرور مياه كثيرة في نهر السياسة المصرية الداخلية والخارجية ومقاربتها للصراع مع إسرائيل. فقد أجبرت الثورة على التخلي عن سياسة التهدئة والتركيز على قضايا الإصلاح الداخلي وإجلاء المستعمرين البريطانيين، إلى رفع درجة الاستعداد العسكري وطلب التسليح من الكتلة الاشتراكية والانتباه إلى الخطر الإسرائيلي بصورة أكبر. ذلك بعد أن شنت إسرائيل غارة كبيرة على القوات المصرية في غزة يوم 28 فبراير 1955. تلا ذلك تطورات أخرى مهمة مثل رعاية العمل الفلسطيني الفدائي ضد إسرائيل الذي عرف بنشاط "الكتيبة 141 فدائيون" تحت قيادة مصطفي حافظ، وهو أحد الضباط المصريين الأفذاذ الذي اغتالته إسرائيل لاحقاً. هذا علاوة على قيام الثورة بتأميم قناة السويس وتوابعه التي كان أهمها العدوان الثلاثي الفرنسي البريطاني الإسرائيلي على مصر، واحتلال قطاع غزة الذي كان تحت الإدارة المصرية منذ نكبة 1948. وصولاً إلى مناهضة مصر الثورة وعبد الناصر بعد اندحار العدوان لسياسة الأحلاف الغربية في المنطقة العربية.

سوف نستطرد لاحقاً إلى هذه التطورات، غير أن ما يعنينا في هذا المقام هو عكوف عبد الناصر على رؤيته لطبيعة الصراع، بل وتوكيد التطورات المشار إليها لصحة هذه الرؤية.

فبعد غارة 28 فبراير قال عبد الناصر "إن هذا الاعتداء جعلنا ندقق في معني توازن القوي في هذه المنطقة فوجدنا أن هناك تحيزاً لإسرائيل. إنهم يعملون علي منع السلاح عنا في نفس الوقت الذي يعملون علي تموين إسرائيل بالسلاح. لقد قررت مصر إزاء هذا الخطر الذي يهددها نتيجة تفوق إسرائيل أن تتسلح حتى يمكن أن تدافع عن نفسها ضد العدوان الإسرائيلي..".

وقد كان عبد الناصر يسخر من مفهوم الغرب للتوازن العسكري بين العرب وإسرائيل. وتساءل في 14 مايو 1956 "أي توازن هذا الذي يمكن أن يقوم بين أربعين مليوناً من العرب ومليون ونصف في إسرائيل؟ بل أي توازن يمكن أن يقوم بين 23 مليون من المصريين ومليون ونصف من الإسرائيليين؟!..".

كان عبد الناصر يلحظ بذلك الدور الغربي في حجب السلاح عن مصر وإسناده لإسرائيل بكل أنواع الأسلحة، ليس فقط في مواجهة مصر وإنما لضمان تفوقها علي العرب أجمعين. وكانت غارة غزة نقطة تحول كبيرة في تفكير الثورة المصرية وتفكيره تجاه الدور الإسرائيلي في إشغال مصر عن معركتها التحررية بين يدي مفاوضاتها لإجلاء القوات البريطانية ومحاولة إجبارها علي الارتماء مجدداً في أحضان الغرب عموماً فيما عرف بقضية الأحلاف العسكرية التي عرضت علي قيادة الثورة. وقد علق عبد الناصر على هذا الدور بالقول: ".. إن معركة الأحلاف العسكرية المفروضة من الخارج قادتنا إلى اشتباكات خطوط الهدنة مع ِإسرائيل. هذه الاشتباكات بدأت بالغارة الإسرائيلية على غزة. إن دخان غارة غزة انجلى ليكشف عن حقيقة خطيرة هي أن إسرائيل ليست الحدود المسروقة وراء خطوط الهدنة، وإنما هي في حقيقة أمرها رأس حربة للاستعمار ومركز تجمع قوى أخطر من إسرائيل ومن الاستعمار هي الصهيونية العالمية..".

كان عبد الناصر على قناعة راسخة بالدور الوظيفي لإسرائيل في إطار المشروع الاستعماري الأشمل تجاه الأمة العربية. وفي كتابه "فلسفة الثورة" أكد أن: "الاستعمار هو القوة الكبرى التي تفرض على المنطقة العربية كلها حصاراً قاتلاً غير مرئي، وأقوى وأقسى مئة مرة من الحصار الذي كان يحيط بخنادقنا في الفالوجا وبجيوشنا جميعاً وبحكوماتنا في العواصم التي كنا نتلقى منها الأوامر". وكان يؤمن بأن المنطقة العربية تواجه كفاحاً مشتركاً ".. مادامت المنطقة واحدة وأحوالها واحدة ومشاكلها واحدة ومستقبلها واحد والعدو واحد مهما يحاول أن يضع على وجهه من أقنعة مختلفة.. فلماذا نشتت جهودنا؟!.. ولقد زادتني التجربة بعد الثورة إيماناً بهذا الكفاح الواحد وضرورته، وبدأت في اتصالات سياسية لأجل توحيد الكفاح..".

والواقع أن رؤية عبد الناصر هذه لم تحلق في الفضاء ولا كانت طوباوية. فقد كان يعتقد أن القوى الاستعمارية حققت بعض أهدافها من قيام إسرائيل وهي ماضية في تحقيق بقية هذه الأهداف. نلمس هذه الواقعية في أكثر من موضع في خطابه السياسي والتعبوي. ففي 5أغسطس 1959 يتحدث عبد الناصر بكل أسى عن المشهد السياسي للمنطقة العربية معتبراً أن: "الاستعمار نجح إلي حد ما في تنفيذ خطته. فاستطاع أن يقيّم إسرائيل لتفصل بين عرب أفريقيا، ولتقضي على القومية العربية في فلسطين كمقدمة للقضاء على العرب وعلى قوميتهم في المنطقة الممتدة من النيل إلي الفرات .. وهذا ليس تخميناً وإنما قيل بواسطة قادة إسرائيل، لأنهم تكلموا عن مُلك إسرائيل الذي يمتد من الفرات إلي النيل..".

وفي خطاب له أمام ما عرف في حينه بالاتحاد القومي في يوليو 1960 نلاحظ تجديد عبد الناصر لأهمية الوصل بين إسرائيل والمشروع الاستعماري ".. علينا أن نذكر دائماً وجود إسرائيل وأن ندرك دائماً أن إسرائيل ليست وحدها أمامنا .. وإنما هي رأس جسر للاستعمار ومركز أمامي لأطماع الصهيونية العالمية في وطننا.. وعلينا أن ندرك أن حقوق شعب فلسطين ليست مجرد أمنية قومية وإنما هي ضرورة حيوية لسلامة الأمة العربية كلها..".

وبقليل من التأمل نستطيع أن نلحظ كيف أن السلوك الإسرائيلي معطوفاً على السياسة الغربية، ممثلة بفرنسا وبريطانيا، لم تترك فرصة للتشكيك في هذه الرؤية. وكانت المشاركة الإسرائيلية في العدوان الانجلوفرنسي ضد مصر عام 1956 قمة التعبير عن سلامة تقديرات عبد الناصر ورؤيته. فغداة العدوان لم يعد عبد الناصر أكثر اقتناعاً بصحة هذه التقديرات، وإنما صارت مقولاته أيضاً أكثر إقناعا لعامة الجماهير العربية، بحيث اكتسبت صدقية شعبية أدت إلى رفع أسهمه لدى هذه الجماهير علي نحو مدهش. وقد خطب عبد الناصر في حلب بسوريا ـ إبان عهد الوحدة المصرية السورية ـ في 17 مايو 1958 فذكر أن: "إسرائيل استخدمت العدوان لتكون رأس جسر للعدوان علي بلادنا. فقد بدأت الحرب علينا بالهجوم من إسرائيل بعد تحريض من بريطانيا وفرنسا لاحتلال بلادنا وإخضاعها. وإن إقامة إسرائيل في هذا المكان من العالم العربي إنما يهدف إلي تهديد العرب وتفتيت القومية حتى يرتمي العرب في أحضان الدول الاستعمارية ويطلبوا الحماية..".

 

مكونات الرؤية وجذورها:

ربما لم تكن قضية فلسطين أو هزيمة 1948 السبب المباشر في اندلاع ثورة يوليو. غير أن حيثيات القضية والهزيمة العربية فيها ونكبة الشعب العربي في فلسطين كانت ضمن أهم مكونات رؤية جمال عبد الناصر ومفهومه للصراع الصهيوني العربي، ووعيه بالدور الاستعماري في نشأة هذا الصراع وتطوره.

لقد فجرت قضية فلسطين الوعي بالعروبة والانتماء للأمة العربية لدى عبد الناصر في مرحلة مبكرة من حياته. يفضي عبد الناصر بهذه الحقيقة في "فلسفة الثورة" عندما يقول: "..أنا أذكر فيما يتعلق بنفسي أن طلائع الوعي العربي بدأت تتسلل إلى تفكيري وأنا طالب في المدرسة الثانوية.. أخرج مع زملائي في إضراب عام في الثاني من نوفمبر كل سنة احتجاجاً على وعد بلفور الذي منحته بريطانيا لليهود، ومنحتهم به وطناً قومياً في فلسطين اغتصبته من أصحابه الشرعيين.. وحين كنت أسأل نفسي في ذلك الوقت لماذا أخرج في حماسة، ولماذا أغضب لهذه الأرض التي لم أراها، لم أكن أجد في نفسي سوى أصداء العاطفة..".

بيد أن الوعي بالعروبة عبر فلسطين لا مجرد تعبير عاطفي، بل نبع أيضاً عن فكر موضوعي واقتناع كامل. هذا واضح في قوله: "ثم بدأ نوع من الفهم يخالج تفكيري حول الموضوع، لما أصبحت طالباً في الكلية الحربية أدرس تاريخ حملات فلسطين بصفة خاصة، وأدرس تاريخ المنطقة وظروفها التي جعلت منها في القرن الأخير فريسة سهلة تتخطفها مجموعة من الوحوش الجائعة، ثم بدأ الوعي يتضح وتتكشف الأعمدة التي تتركز على حقائقه لما بدأت أدرس في كلية أركان الحرب حملة فلسطين ومشاكل البحر المتوسط بالتفصيل. ولما بدأت أزمة فلسطين كنت مقتنعاً في أعماقي بأن القتال في فلسطين ليس قتالاً في أرض عربية وهو ليس انسياقا وراء عاطفة وإنما هو واجب يحتمه الدفاع عن النفس".

وفي موضع أخر يتجلى الوعي ذاته: "إن نطاق سلامتنا يقضي علينا أن ندافع عن حدود إخواننا الذين شاءت لنا أحكام القدر أن نعيش معهم في منطقة واحدة".

ومثلما كانت القضية الفلسطينية مسؤولة عن تكوين الوعي العروبي لعبد الناصر وزملائه من قادة ثورة يوليو، فقد كانت بعض وقائعها التفصيلية مسؤولة عن احباطات عبد الناصر واشتعال الغضب في نفسه، والبحث عن سبل التواصل مع هذه القضية بشكل أكثر نجاعةً وإيجابية. ويمكن العثور على هذه التفصيلات في بعض المشاهد والأحداث التي واجهها عبد الناصر في ساحة معركة فلسطين عام 1948. فهو كقائد من قادة القوات المصرية التي شاركت في تلك المعركة ببسالة، وجرح فيها وحوصر وصمد وكان شاهد عيان ميداني، أدرك بالتجربة كثيراً من جوانب الضعف والقوة في الجبهة الفلسطينية والعربية، ومدى تأثير الأوضاع الداخلية للدول المشاركة في المعركة والضغوط الخارجية الاستعمارية علي مسار المعركة التي انتهت بجرح النكبة.

نقرأ في يوميات عبد الناصر عن وقائع المعركة التي خطها بيده في قلب الميدان وخنادق المواجهة، ما يفيدنا بقوة عن مرارته من الاستعدادات العربية الضعيفة للتصدي لما وصف وقتذاك بالعصابات الصهيونية في فلسطين: ".. كانت هناك نغمة بين الضباط تقول بأن الحرب سياسية، وكان لهذه النغمة ما يؤيدها ويتناسق معها في كل ما رأوا حولهم. لم يكن معقولاً أن تكون هذه حرباً .. لا قوات تحشد ولا استعدادات في الأسلحة والذخائر، ولا خطط ولا استكشافات ولا معلومات. ومع ذلك فهم هنا في ميدان القتال. إذاً فهي حرب سياسية.. هي إذن حرب ولا حرب، تقدم بلا نصر ورجوع بلا هزيمة. هي حرب سياسية فقط ..".

ويتهكم عبد الناصر على سيرورة الحرب من جانب العرب ومدى جدية الجانب الصهيوني. ".. كانت أيام الحرب بالنسبة لنا حرباً ولا حرب. وبالنسبة لليهود حرب فقط. وأصبحت أيام الهدنة بالنسبة لنا سلاماً ولا سلام، ولم تصبح عند اليهود سلاماً قط ..".

شأنه شأن أي محلل استراتيجي، تناول عبد الناصر نتائج معركة 1948 من كافة الجوانب بهدف استخلاص العبر.. وملخصها ما يلي:

أولاً:     رفض إسرائيل لفكرة التواصل بين عرب المشرق والمغرب والاستيلاء على أرض النقب، وقد قتل الوسيط برنادوت على خلفية اقتراحه بسيطرة العرب على النقب.

ثانياً:     كانت صدمة الهزيمة في فلسطين قوية على المجال السياسي لمصر خاصة والعرب عامة. وقد سخر عبد الناصر من الحديث عن إسرائيل المزعومة أو عدم ذكر كلمة إسرائيل في الإعلام العربي، وكأن هذا العدو الذي أستقر في قلب أمتنا يُضعِف من وجوده أن نتجاهله على هذه الصورة المضحكة.

ثالثاً:     عرف الضباط الأحرار قادة ثورة يوليو في خنادق فلسطين أين يجب أن تدور المعركة الحقيقية. وأن مكانها يجب أن يكون القاهرة، لإزالة الفساد الكبير الذي زكمت رائحته الأنوف.. وقد أستدرج الجيش المصري إلى معركة فلسطين، وحاول الملك (فاروق) وحاشيته أن يتاجروا بمغانم هذه المعركة بالمتاجرة بالسلاح والغنائم المالية. يقول عبد الناصر في ذلك: "كنا نحارب في فلسطين ولكن أحلامنا كانت في مصر..". وقد أحصى عبد الناصر خسائر مصر من الضباط والجنود في المعركة.. وعبر عن غضبه من أنه لم يكن ثمة اكتراث حقيقي بالكفاح الذي يدور على أرض فلسطين، وكيف أن الضباط الأحرار قالوا في خنادق فلسطين أن القاهرة هي ميدان العمل القادم.

رابعاً:    القيادة العليا الفلسطينية ممثلة في الهيئة العربية العليا (بزعامة المفتي الحاج محمد أمين الحسيني) غير قادرة على حمل عبء الكفاح في فلسطين لقعودها في القاهرة. إذ أخذ عبد الناصر على هذه القيادة ابتعادها عن الميدان وقت المعركة. ويسرد مقتطفات من تقارير القنصل المصري في فلسطين أحمد فراج طايع عن سفر مئات العائلات الفلسطينية الكبيرة إلي البلاد العربية المجاورة. واعتقد طبقاً لما ورد في يومياته أن العمل في فلسطين يحتاج إلي كفاح شعبها: "فهم رأس الرمح الذي يجب أن ينفذ إلي أحشاء الكيان الإسرائيلي..".

خامساً:   قوبلت الهزيمة المصرية والعربية في فلسطين باللامبالاة في الدوائر المصرية الرسمية. وبالمرارة البالغة في دوائر الجيش المصري، ولاسيما بين الضباط الأحرار الذين بدأوا يحكمون تنظيمهم ويمدون نطاقه

 

الجلاء وتحرير الإرادة المصرية

والمواجهـة مـع إسـرائيل

لم ينظر عبد الناصر لإسرائيل بمعزل عن حقائق الحالة الاستعمارية. وكان يقول إن أعداءه ثالوث الظلم الاجتماعي والاستبداد السياسي والاحتلال البريطاني. وإذا كان عبد الناصر لم يضف إسرائيل إلي هذا الثالوث فلأن ذلك عنده تحصيل حاصل، باعتبارها جزءاً من الاستعمار وامتدادا له. ولأن التحرر من الاستعمار وتطهير الجبهة الداخلية وتنميتها وتقويتها، يقود تلقائياً إلي توفير عناصر المجابهة والتصدي للعدوان الصهيوني.

ومع ذلك، كان عبد الناصر حريصاً والثورة المصرية بقيادته في سنواتها الأولى على عدم التحرش بإسرائيل. وذلك تجنباً لفتح معركة خارجية قبل تأمين الجبهة الداخلية من الاستعمار ومرتكزاته. بمعنى أن عبد الناصر كان واعياً بفقه الأولويات الإستراتيجية. ولهذا ركزت الثورة جهدها على الانتصار في معركة إجلاء القوات البريطانية عن أرض مصر، وتحرير إرادتها من خلال المفاوضات مع الحكومة البريطانية. وعلى اتخاذ إجراءات داخلية لإنصاف الطبقات الكادحة والفقيرة، من خلال قانون الإصلاح الزراعي وبعض التعديلات الهامة التي أدخلت على قوانين العمل وأنظمته لصالح العمال.

لم يشأ عبد الناصر أن يلهيه شيء عن تحرير مصر من الوجود البريطاني. ولمعرفته بطبيعة إسرائيل، فانه تجنب إثارة شهيتها للعدوان، لدرجة أنه تجنب ذكر اسمها في أحاديثه العامة. وقد ظل على حرصه هذا حتى توقيع اتفاقية الجلاء في خريف 1954 وإلي ما بعد هذا التاريخ بوقت قصير، ربما كانت نهايته جريمة الاعتداء الإسرائيلي على القوات المصرية في غزة في فبراير 1955.

هذا السلوك المصري الحذر تحت قيادة عبد الناصر وثورته الوليدة لم يعجب إسرائيل، التي بدأت تشعر بالقلق تجاه التغيرات في مصر. إذ كان نجاح الثورة في إجلاء البريطانيين مصدر إزعاج لإسرائيل من احتمال افتقاد الظهير الاستعماري البريطاني القوي علي الجبهة المصرية. ولذا فإنها حاولت بكل السبل تخريب مفاوضات الجلاء وإفسادها. وفي سبيل ذلك مارست تل أبيب ضغوطاً على بريطانيا للتشدد والبقاء في قناة السويس. ففي صيف 1953 رفعت تل أبيب مذكرة إلي الحكومة البريطانية طلبت فيها إيراد نص في معاهدة الجلاء المزمعة مع مصر، تتعهد بموجبه الأخيرة، صراحة، باحترام حق إسرائيل في استخدام قناة السويس. كما عبرت إسرائيل صراحة عن عدم استعدادها للقبول بنص عام تتعهد فيه مصر بحرية الملاحة في القناة. وقد عرض هذا المطلب على المفاوض المصري الذي رفضه بشدة، والتزم بعدم السماح لإسرائيل بالملاحة في القناة باعتبار ذلك أمراً سيادياً، وكون إسرائيل دولة في حالة حرب مع مصر، لا يحق لها المطالبة باستخدام القناة. وقد ظل هذا الوضع سارياً إلى أن وقعت مصر اتفاقية السلام مع إسرائيل في 26/3/1979. وذلك على الرغم من الضغوط الجبارة التي مارستها إسرائيل ومحالفيها الدوليين بهذا الخصوص على مدار أكثر من ثلاثة عقود.

ومع فشل دبلوماسية الضغوط السياسية راحت إسرائيل تفكر في وسائل أخرى لإحباط جهود عبد الناصر في إجلاء القوات البريطانية بدون عوائد تستفيد منها إسرائيل، وإفشال مفاوضات الجلاء أصلاً إذا أمكن ذلك. ولجأت في سبيل هذا إلى القيام بأعمال تخريبية وتفجيرات في مصر تمس المصالح البريطانية والغربية عموماً. وأشرف على هذه العمليات وزير الدفاع الإسرائيلي بنحاس لافون ونفذها بعض اليهود المصريين.. وشكل اكتشافها فضيحة لإسرائيل اشتهرت بفضيحة لافون.

 

فضيحة لافون (يوليو 1954)

كان وزير الدفاع الإسرائيلي بنحاس لافون من أصحاب النيات السيئة ضد مصر، وكان ينادي بالقيام بعملية عسكرية لفك الحصار البحري المصري عن شرم الشيخ، على ميناء إيلات، ومهاجمة السوريين في بحيرة طبريا لإطلاق أعمال الصياديين الإسرائيليين في البحيرة. بل وكان من آرائه ضم قطاع غزة إلى إسرائيل بعد احتلاله. وكانت تلك الآراء بالطبع تطوي قدراً كبيراً من العداء للعرب بعامة، ومصر الثورة وعبد الناصر بخاصة.

وقد لاحظ كثيرون أن لافون كان يتصور أن الهدنة بين العرب وإسرائيل ليست سوي مؤامرة ضد إسرائيل .. وأن الغرب يعادي إسرائيل وينبغي العمل مباشرة في الدول العربية لأجل فرض الهلع على عالم الغرب، حتى يتخلى عن أي سعي للتحالف مع العرب ضد السوفيت.

وتحت تأثير نظريات لافون أصدرت الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية تعليمات إلى مجموعة عملاء لها في مصر، معظمهم من اليهود، بوجوب العمل الفوري لمنع أو تأجيل الاتفاقية البريطانية المصرية بشأن جلاء بريطانيا عن قناة السويس، وذلك بواسطة القيام بعمليات ضد أهداف بريطانية على نحو يؤدي إلى تدهور العلاقات البريطانية المصرية، والغاية من هذه الأعمال طبقاً للتعليمات القيادية الاستخبارية هي: "هزيمة الغرب بالحكومة المصرية بواسطة التسبب بانعدام الأمن العام. وبأعمال تؤدي إلى اعتقالات ومظاهرات وردود فعل انتقامية .. لمنع تقديم مساعدات اقتصادية وسلاح لمصر".

هكذا ورد في مذكرات موشي شاريت أول وزير خارجية لإسرائيل وثاني رئيس لحكومتها.

والواقع أن السلطات المصرية تمكنت من اعتقال هذه المجموعة ومحاكمتها، وهنا اتجهت إسرائيل إلى أداة أخرى للتنغيص على مصر الثورة واستفزازها. إذ قامت بشن حملة على القاهرة متهمة إياها باضطهاد مواطنيها اليهود والإيقاع بهم دون أن يرتكبوا ذنباً. هذا في حين وسطت شخصيات دولية ودوائر أجنبية مختلفة لدى عبد الناصر، مقترحة إطلاق سراح المعتقلين ضمن صفقة تفاهم بين مصر وإسرائيل.

ويتحدث شاريت في مذكراته عما يصفه بشد الحبل مع عبد الناصر ... ويذهب إلى أنه في الفترة بين أواخر 1953 وأوائل 1954 أنصب اهتمام إسرائيل على مصر وسياستها وما يدور فيها بدرجة مركزة. ويعود ذلك لعاملين:

الأول، ازدياد الحديث عن إمكانية وصول مصر وبريطانيا إلي اتفاقية لجلاء القوات البريطانية عن قناة السويس، على ما يمنحه ذلك من حرية عمل لمصر.

الثاني، هو سعي الغرب للتقرب من مصر وخطب ودها، لعله يفلح في تحويلها إلى قاعدة لأحلافه في المنطقة.

كانت إسرائيل معارضة لانسحاب بريطانيا من السويس لكنها لم تعلن ذلك، ولذا اقترح بعضهم في إسرائيل التحرش بمصر.. بمحاولة تمرير سفينة إسرائيلية في القناة مثلاً أو اختطاف سفينة مصرية في البحر وإحضارها لإسرائيل، أو نسف أخرى عند مداخل القناة لسدها. لعل ذلك يسهم في تأخير أو إلغاء الانسحاب البريطاني.

في هذه الغضون مضت إسرائيل في تنفيذ خطة لافون التي انتهت بالقبض على الشبكة الإسرائيلية. وهنا حاولت إسرائيل التفاهم مع عبد الناصر.. وبالفعل مضت في هذا السبيل عارضة موافقتها على منح مصر ممراً برياً في النقب يصلها بالأردن، والمساهمة في توطين اللاجئين في غزة. لكن القضاء المصري كان قد مضى في محاكمة الشبكة الإسرائيلية مما أدى إلى إلغاء المحاولة. وقد حاول شاريت تجديد الاتصال بعبد الناصر، بإيعاز من الأميركيين، مشترطاً اعتبار المحكوم عليهم في قضية لافون معتقلين سياسيين، وإطلاق سفينة إسرائيلية احتجزتها مصر أثناء محاولتها المرور من قناة السويس. ومرة أخرى اتضح التلاعب الإسرائيلي والرغبة في استفزاز عبد الناصر بدلاً من عقد صفقة سلمية معه، حيث شنت إسرائيل في أواخر فبراير 1955 هجوماً واسعاً على قطاع غزة أسفر عن مصرع ثمانية إسرائيليين وخمسة وثلاثين مصرياً. وقد باشر المصريون بعد ذلك في مهاجمة أهداف إسرائيلية على حدود غزة، وراح موقف عبد الناصر يتصلب أكثر.. ووصلت إسرائيل معلومات بأن مصر توصلت إلى تقييم مفاده أن إسرائيل تسعى للحرب. وليست معنية بتسوية القضية الفلسطينية أو بالصلح مع العرب وفي مقدمتهم مصر.

والحال أن الاستفزازات الإسرائيلية مختلفة الأشكال لم تصرف عبد الناصر وأركان قيادة الثورة عن هدفهم تحقيق الجلاء البريطاني. والواقع أن عبد الناصر راعى أيضاً في تلك المرحلة عوامل أخرى مثل: موازين القوى المختلة لصالح إسرائيل وقوى تحالفها مع المعسكر الإمبريالي الغربي، ومحدودية القدرة العربية العامة عسكرياً واقتصادياً ضد هذا التحالف. كذلك كانت تجربة عبد الناصر في معركة فلسطين 1948 / 1949 قد علمته ألا يقود معركة دون الاستعداد الكامل لها. هذا علاوة على تصوره لوضع إسرائيل دولياً، والتزامه بالشرعية الدولية والقانون الدولي العام الذي قد يعتبر الهجوم على إسرائيل بمثابة عدوان.

وحين نجحت الثورة في انتزاع الموافقة البريطانية على الجلاء، شعر عبد الناصر وزملاؤه أن مصر أصبحت أكثر امتلاكاً لحريتها وإرادتها، وأكثر قدرة على تحديد اختياراتها وتوجهاتها الداخلية والعربية والدولية، وأكثر انتباهاً للخطر الإسرائيلي الذي يتهدد أمنها الوطني والأمن القومي العربي. وقد انشغلت الثورة عاجلاً بعد ذلك بالتركيز على بناء الجيش لتأمين الاستقرار الداخلي والدفاع الخارجي وحماية السيادة الوطنية .. فحاول عبد الناصر أكثر من مرة الحصول على أسلحة من بريطانيا أو الولايات المتحدة. لكن الغرب لم يتجاوب مع طموحاته لامتلاك السلاح الحديث. فاتجه للبحث عنه في المعسكر الاشتراكي والاتحاد السوفيتي الذي كان بدوره يراقب التطورات الجارية في مصر وينتظر الفرصة للاقتراب من النظام الجديد. وقد جاءته الفرصة من خلال حاجة عبد الناصر وجيشه للسلاح. وكانت النتيجة هي توقيع اتفاقية ما سمي بصفقة الأسلحة التشيكية في مايو (أيار) 1955 وكانت تلك هي المرة الأولى التي يكسر فيها العرب احتكار الغرب لسلاحهم والتحكم فيهم من  خلاله. (كانت الحكومة الوطنية في سوريا قد حصلت على بعض الأسلحة من نفس المعسكر قبل الصفقة التشيكية، لكنها لم تكن بحجمها، ولا بأهميتها، ولا بأثر التحولات التي أحدثتها في مصير منطقة الشرق الأوسط).

بعد نجاح مصر في توقيع اتفاقية الجلاء مع بريطانيا، ونجاحها في صفقة الأسلحة التشيكية، باتت "إسرائيل" تتحسب أكثر للخطر عليها من المواقف والسياسات المصرية. فقد رأت آنذاك بأن السوفييت قد حصلوا على أكبر موطئ قدم لهم في "الشرق الأوسط"، وأن عبد الناصر قد حصل أيضاً على دعم معنوي وعسكري كبير ثبت أقدامه كزعيم للمعادين للإمبريالية الغربية في المنطقة العربية، وكعقبة في وجه البريطانيين والفرنسيين، خاصة بعد مساندة الفدائيين الفلسطينيين في قطاع غزة، وثوار الجزائر ضد الاستعمار الفرنسي.

وعقب الإعلان عن "صفقة الأسلحة التشيكية"، زادت إسرائيل من تحركها لدفع الغرب لمزيد من التشديد على عبد الناصر الذي أصبح يمثل خطراً كبيراً عليها وعلى المصالح الغربية، وعلى دورها في المنطقة كراعية لهذه المصالح. وهو ما شجعها إلى أن تطلب أسلحة من كل من فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، وأنشأت صناديق للتبرع بالمال من أجل شراء السلاح المضاد للسلاح السوفييتي. وقد نجحت إسرائيل من وراء تحركها هذا في التهيئة للعدوان الثلاثي الذي شاركت فيه بقوة مع كل من بريطانيا وفرنسا في أواخر أكتوبر عام 1956، بعد قيام مصر بتأميم قناة السويس في تموز (يوليو) من نفس العام .

وتشير معلومات أخرى إلى أن تخوف إسرائيل من نتائج ثورة يوليو في مصر وتطورها، نما في وقت مبكر حتى قبل اتفاقية الجلاء، وصفقة الأسلحة التشيكية. إذ ورد في مذكرات "موشيه شاريت" أول وزير خارجية للكيان الصهيوني، ورئيس وزراء الدولة الصهيونية بين عام 1954، 1955 أن: "شن حرب كبرى ضد مصر، تهدف إلى احتلال أراضي غزة وسيناء، كان على جدول أعمال القيادة الإسرائيلية منذ خريف 1953 في أقل تقدير".

وتقضي الأمانة أن نقول: إن قضية فلسطين، والخطر الصهيوني القابع على أرضها، مهدداً محيطها العربي، كان له الأثر الأكبر في دفع القيادة المصرية في هذا الاتجاه. وهنا تبرز قضية فلسطين مرة أخري كعامل مؤثر في تحديد توجهات واختيارات الثورة وضرورة الإسراع بها. فالسلاح السوفيتي هنا لم يكن مجرد شهادة منشأ، وإنما تحديد خيار سياسي، يعني الابتعاد عن الغرب، والاقتراب من المعسكر المعادي له، أو الوقوف بينهم على الأقل. فقد جاء الحصول على السلاح السوفيتي نتيجة حاجة ملحة فرضتها الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على المدنيين في قطاع غزة والذي كان تحت الإدارة المصرية، وعلى القوات المصرية المرابطة فيه. فخلال الأعوام من 53 – 56 قامت القوات الإسرائيلية بسلسلة من الاعتداءات على معظم مناطق القطاع في غزة والبريج وخان يونس، ذهب ضحيتها المئات من المدنيين والعسكريين. وكان أبرز هذه الاعتداءات ذلك الذي جرى في 28 فبراير (شباط) 1955 وسقط فيه (71) من الشهداء المدنيين والعسكريين. مما حرك مئات الآلاف من اللاجئين والمواطنين الفلسطينيين في مظاهرات عارمة استمرت عدة أيام .

 وقد نجحت الكتائب في زعزعة الكيان الصهيوني الحديث الولادة عبر عمليات يومية غطت أكثر من نصف مساحة إسرائيل، واستهدفت الجنود والمستعمرات والطرق والجسور وخزانات المياه ومحطات الكهرباء. لكن حركة الفدائيين وعملياتهم لم تتوقف. والحق أن الأعمال الفدائية التي رعتها قيادة الثورة المصرية تحت عنوان "الكتيبة 141 فدائيون" لم تنل حظها كثيراً في أدبيات الصراع الصهيوني العربي والقضية الفلسطينية، ذلك على الرغم من الدور البارز الذي مارسته في إحياء الأبعاد الكفاحية والعربية والفلسطينية بعد بضعة أعوام فقط من النكبة الفلسطينية التي هزت الوجدان العربي. وبالتوجه نحو بناء القدرة العربية عسكرياً واقتصاديا، كانت قد تعززت أكثر فأكثر قناعة قيادة الثورة بطبيعة التحالف القائم بين إسرائيل والقوى الاستعمارية الغربية ووحدة أهدافهما ومخططاتهما المعادية للمصالح القومية العربية، إذ أن الضغط العسكري الذي كانت تمارسه إسرائيل ضد مصر، وعلى الحدود العربية الأخرى مع سوريا والأردن، لم يكن بعيداً عن التنسيق مع الدول الغربية بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية. فقد جربت هذه الأخيرة أن تستثمر ضغطها السياسي والاقتصادي وضغط إسرائيل العسكري، ومنع السلاح الغربي عن الجيش المصري، لإجبار عبد الناصر- عبر وساطة قامت بها- على توقيع صلح مع إسرائيل والتخلي عن الحقوق الفلسطينية. وقد رفض عبد الناصر القبول بالشروط والمطالب الإسرائيلية والغربية، وطلب عودة إسرائيل إلى حدود قرار التقسيم، وإعادة اللاجئين الفلسطينيين، وأشار إلى ذلك في خطابه يوم تأميم قناة السويس بقوله: "إنهم يريدوننا أن نسمع أوامرهم بخصوص إسرائيل التي يقولون أنها موجودة بحكم الواقع، ويقولون: إن عرب فلسطين ندفع لهم شيئاً من المال، ولكننا نعتز بعروبتنا وأراضينا، وهي لا تقدر بمال". وكان بذلك يشير إلى ما عرضته الولايات المتحدة في وساطتها وقد اتضحت الإشارة أكثر حين أضاف: "يريدوننا أن نسلم لإسرائيل بكل شيء,  ونهمل فلسطين، ونتنكر لها ولإخواننا في شمال إفريقيا ... ولكن مصر أبت، وأرادت أن تكون لها شخصيتها المستقلة، فمنع الغرب عنها السلاح وسلّح إسرائيل".

 

الأحوال في قطاع غزة

ودورهـا في الأحـداث

ونظراً للدور الذي لعبه قطاع غزة، والأحداث التي شهدها أواسط الخمسينات، في إحداث التأثيرات على توجهات السياسة المصرية بعد قيام الثورة، من الضروري أن نعطي صورة للأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي كان يعيشها القطاع بعد أحداث النكبة عام 1948.

من المعلوم أن مساحة قطاع غزة هي في حدود 360كم2 احتشد في هذه المساحة الضيقة ما يقرب من 220 ألف لاجئ إثر النكبة، بالإضافة إلى حوالي 100 ألف مواطن من سكانه الأصليين. (طبعاً يبلغ عدد سكان القطاع حالياً مليون ونصف إنسان، يشكل اللاجئون 70% من أعدادهم).

في ما بين عام 1948 (عام النكبة) وعام 1952 (سنة قيام الثورة المصرية) كان القطاع يعيش أوضاعاً اقتصادية ومعيشية صعبة. إذ كان مئات الألوف من اللاجئين فيه يسكنون الخيام، ولا مصادر للرزق في القطاع من النواحي الزراعية والصناعية، ولا مواد غذائية فيه غير ما تضخه فيه من غذاء وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين. ولم تكن الإدارة المصرية التي تحكم القطاع تقدم له الدعم والمعونات الكافية لحياة سكانه. وعندما قامت الثورة المصرية ظلت في سنواتها الأولى مشغولة بقضايا مصر الداخلية، وبالتحديات التي تواجهها وهي تحاول تثبيت وجودها. الأمر الذي جعلها لا تؤثر بدرجة كبيرة في المشكلات اليومية التي تجابه القطاع وأهله. وهو ما جعل طابع العلاقة بين سكان القطاع والإدارة المصرية خلال هذه الفترة لا يحظى بإيجابية كبيرة، خاصة بعد أن بدأت تتسرب للقطاع أخبار عن اتصالات بين الحكومة المصرية ووكالة غوث اللاجئين حول إمكانية توطين لاجئي القطاع في جزء من أراضي سيناء، مع أن سكان القطاع الذين تحمسوا لقيام الثورة المصرية كانوا يأملون أن يؤدي قيام الثورة إلى تحسين أحوالهم، وأن يفتح الأبواب أمام تحرير وطنهم وعودتهم إلى أراضيهم.

دفعت أحوال القطاع هذه, الهيئة العربية العليا إلى رفع مذكرة بتاريخ 3/2/1953 إلى اللواء محمد نجيب رئيس الحكومة المصرية حينذاك، تشير إلى أن وضع المنطقة يستدعي اتخاذ إجراءات مستعجلة.

وفيما يلي بعض المطالب والمقترحات التي جاءت بالمذكرة، ووصفت بأنها ستحول دون تصفية القضية الفلسطينية وإبادة الفلسطينيين وتشتتهم وإبعادهم عن حدود بلادهم، وهي:

1. سبق للحكومة المصرية أن قررت تشكيل قوة عسكرية فلسطينية لذلك نرجو المبادرة في تنفيذ هذا المشروع الهام والتوسع فيه، لأن فائدة تجنيد الشباب الفلسطيني لا تقتصر على الناحية العسكرية فحسب، بل من شأنها توفير أسباب المعيشة لعائلات كبيرة.

2. نرجو الحكومة إلغاء الرسوم الجمركية أو تخفيفها عن البضائع والمنتجات الضرورية كالمواد الغذائية والوقود والألبسة القطنية ومنتجات المنطقة الزراعية وغيرها. وأن الرسوم الجمركية التي تستوفى حالياً في قطاع غزة هي نفس الرسوم التي كانت تستوفى في عهد الانتداب البريطاني وهي رسوم مرهقة.

3. كذلك الحال بالنسبة للضرائب المحلية التي تجبى من أهل منطقة غزة، فإنها ضرائب باهظة كانت تفرضها حكومة الانتداب البريطاني وترفعها عاماً بعد عام، تنفيذاً لسياستها المنصوص عليها بالمادة الثالثة من صك الانتداب، وهي وضع فلسطين في حالات سياسية واقتصادية تُسَهّل إنشاء الوطن القومي الصهيوني. لذلك نرجو تخفيض هذه الضرائب بشكل يتناسب مع حالة السكان الاقتصادية وظروفهم القاسية.

4. نرجو إعادة النظر في القيود والأنظمة القادمة بما يكفل للفلسطينيين حرية التنقل والسفر من المنطقة والعودة إليها. ومما هو جدير بالذكر أن الفلسطينيين الذين يجتازون الحدود الفلسطينية المصرية إلى أراضي سيناء بحكم الاضطرار للارتزاق الشريف يقبض عليهم ويزجون في سجن العريش، حيث يوجد الآن عشرات منهم.

5. ونظراً لضيق مساحة منطقة غزة ولحاجة السكان واللاجئين للعمل والارتزاق، فإننا نرجو من الحكومة المصرية السماح للفلسطينيين المقيمين في قطاع غزة بحرية التنقل والعمل في الأراضي المصرية، على أن يكون هذا إجراءاً ريثما يتيسر للاجئين العودة إلى ديارهم.

6. في طريق رفح وخان يونس ودير البلح وجباليا وغزة وبيت حانون مساحات من الأراضي الأميرية وأراضي الجفتلك الرملية لا يستفيد منها السكان لأنها محظورة عليهم. وبالنظر لحاجة السكان إلى الأراضي، فإننا نرجو من الحكومة المصرية أن توزع عليهم هذه الأراضي ليقوموا بإصلاحها للزراعة والاستفادة منها، وفي ذلك فوائد كثيرة للسكان والإدارة .

أما على الصعيد السياسي ، فلم تكن العلاقات حسنة بين قيادة الثورة والحاج أمين الحسيني وأركان الهيئة العربية العليا التي يرأسها، لأن مفتي فلسطين سبق وأن رفض التعامل مع الضباط الأحرار عندما اتصلوا به خلال عام 1948، عارضين أنفسهم للعمل كمتطوعين، وذهب جمال عبد الناصر بنفسه لمقابلة المفتي الذي فضل بالمقابل استمرار علاقاته بالأجهزة الرسمية القائمة.

هذا إضافة إلى أن التعاون بين الإدارة المصرية والهيئة العربية العليا وحكومة عموم فلسطين كانت ستلقي على عاتق العهد الجديد في مصر تبعات سياسية لم يكن على استعداد لتحملها، على ما يبدو. لذا وافقت الحكومة المصرية حينذاك على قرار مجلس الجامعة العربية، الذي يعتبر بمثابة تصفية لحكومة عموم فلسطين.

كما لم يكن من مصلحة الثورة التعامل مع الطرف التقليدي والمنافس للحاج أمين وحكومة عموم فلسطين وهم آل الشوا، والذي كانت لهم رؤى مختلفة مع رؤية الإدارة المصرية في غزة منذ عام 1951، حين تبنى أحد رجالاتهم (رشدي الشوا) محاولات نقل القوات البريطانية من قناة السويس إلى قطاع غزة تحت شعار: "دعوا الدولارات تدخل كي نستطيع التنفس" .

والجدير بالذكر أن قطاع غزة عرف خلال هذه الفترة ظاهرتين حزبيتين فاعلتين: هما الإخوان المسلمون والشيوعيون. ولقد كان لقرب قطاع غزة من مصر أثره الواضح في تحديد طبيعة الأحزاب التي عرفها سكان القطاع، وهذا ما أدى إلى تأخر وجود الأحزاب القومية في قطاع غزة، مثل حزب البعث العربي الاشتراكي الذي لم تبدأ تباشيره في القطاع قبل أواخر عام 1954، وحركة القوميين العرب التي لم تدخل القطاع إلا أواخر عام 1956.

ولكن شهر العسل لم يدم طويلاً بين الإخوان المسلمين والسلطة، كما أن الشيوعيين أعداء الأمس بالنسبة للإخوان تحسنت علاقتهم في ضوء وحدة الموقف السياسي تجاه مشاريع التوطين، بل نرى تقاسم الشيوعيين والإخوان المسلمين زعامة اللجنة الوطنية التي قادت مظاهرات مارس 1955. ولقد زاد في هذا التقارب تحول الإخوان المسلمين إلى حزب معارض إثر الصدام الذي حصل بينهم وبين قادة الثورة في مصر، والذي انتهى بحظر هذا الحزب.

وعلى الرغم من أن هذه التطورات السياسية لم تنتقل إلى قطاع غزة، إلا أنها أدخلت العلاقة بين الإخوان المسلمين والشيوعيين، وبين الإخوان والسلطة في مسار جديد وجعلتهما يقعان معاً في خندق سياسي واحد ضد السياسة المصرية، الأمر الذي دفع بالإدارة المصرية إلى توجيه ضربة قاصمة للحزبين.

ومما هو جدير بالاهتمام الإشارة إلى وجود ترابط بين الحياة السياسية في قطاع غزة وتطورات الأوضاع السياسية في مصر، وأن الحياة الحزبية في قطاع غزة على الرغم من تأثرها الشديد بالظروف المحيطة بها، إنما كانت بشكل أو بآخر تتأثر بالحياة الحزبية في مصر وبالمفاهيم التي كانت تطرحها أحزابها، ودليل ذلك موقف كل من الشيوعيين والإخوان في القطاع.

فالشيوعيون في القطاع كانوا في اصطدام مع النظام الجديد الذي كان موقفه في نظرهم استطراداً لموقف النظام القديم، تجاههم. هذا إضافة إلى الموقف المبدئي للشيوعيين المصريين وتعاطف شيوعيي غزة معهم الذين اعتبروا الثورة المصرية نوعاً من الانقلاب العسكري غير البعيد عن نشاطات الدول الاستعمارية الكبرى. وكان يعزز موقفهم هذا سببان، الأول حملات القمع التي استمرت ضد الشيوعيين، والثاني الموقف غير العدائي الذي اتخذته الثورة المصرية تجاه الولايات المتحدة الأمريكية، حيث كانت الثورة المصرية تركز هجومها على الاحتلال البريطاني للقناة. ولم يكن موقف الإخوان المسلمين مختلفا عن موقف الشيوعيين مع اختلاف الأسباب والدوافع، إذ أن علاقة الإخوان الحسنة بقيادة الثورة سرعان ما انهارت بعد المحاولة الفاشلة لاغتيال جمال عبد الناصر، وبعد تحالف الشيوعيين والإخوان في مصر مع اللواء محمد نجيب وانغماسهم في الصراع الدائر داخل مجلس قيادة الثورة على السلطة، الذي انتهى بسقوط محمد نجيب، وحل حزب الإخوان في غزة، ولكن هؤلاء أصبحوا تلقائياً في الموقع المعادي للحكم المصري بحكم ترابط وتناسق مواقفهم مع موقف قيادتهم الروحية في مصر .

مما سبق نرى أن نمط العلاقة السياسية بين حكومة الثورة ممثلة بالعناصر التي أوكلت إليها مسئولية القطاع من ضباط المخابرات وبين التنظيمات السياسية بالقطاع، وكذلك ملابسات مشروع التوطين وغيرها من المواقف السياسية التي اتخذتها قيادة الثورة، أثرت كلها على العلاقة بين السلطة وأهالي القطاع، وعمقت في نظر البعض، هوة عدم الثقة بين الطرفين، وحجبت عن جماهير القطاع حقيقة التحولات التي أخذ بشهدها مجلس قيادة الثورة واتجاهه نحو المزيد من التجذر وبلورة المواقف.

في ظل هذه الظروف الصعبة التي كان يعيشها قطاع غزة، دخل عليه عاملان إضافيان خطيران، زادا من صعوبة الأوضاع فيه، وأديا إلى تفجر الأوضاع داخله، مما أدى إلى تغيرات وتطورات هامة في مسار القضية الفلسطينية، وفي توجهات سياسة حكومة الثورة المصرية. هذان العاملان هما :

1. مشروع توطين اللاجئين الفلسطينيين في سيناء.

2. تصاعد الغارات والاعتداءات الإسرائيلية على سكان القطاع، وعلى القوات المصرية الموجودة فيه.

 

1. مشروع التوطين في سيناء :

منذ النكبة التي حلت بالشعب الفلسطيني عام 1948 لم تنقطع سلسلة المشاريع المطروحة لتصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين، وعلى رأسها محاولات التوطين التي اصطدمت بمعارضة قوية جداً من اللاجئين أنفسهم، إذ اعتبرت شكلاً من أشكال التصفية للقضية الفلسطينية. وقد انصب القسم الأكبر من تلك المشاريع على لاجئي قطاع غزة تبعاً لطبيعة المشكلات الاجتماعية والاقتصادية الحادة التي كان يعانيها القطاع نظراً لوجود عدد كبير من اللاجئين بلغ ضعف عدد سكانه الأصليين، الأمر الذي جعل من هذه المشكلة مشكلة متفجرة لا حل لها في ضوء الإمكانيات الاقتصادية المحدودة جداً للقطاع، إضافة على أن وجود اللاجئين كان يشكل عنصر ضغط هائل على الحكومة المصرية وغيرها من الجهات ذات العلاقة التي يهمها دفع القضية الفلسطينية، ومن ضمنها مشكلة اللاجئين، في مجاري الحل.

لهذه الاعتبارات اكتسبت مشاريع التوطين في حياة القطاع أهمية خاصة جداً، واستؤنفت المحاولات التي كانت قد بدأت قبل ذلك لتوطينهم. ولقد استفادت المحاولات اللاحقة من التجارب السابقة الفاشلة بعد أن تأكد المعنيون بالأمر أن قضية التوطين ليست بالأمر السهل الذي يمكن تنفيذه ببساطة. ومن هنا اتسمت المشاريع المطروحة في هذه الفترة بطابع أكثر تنظيماً وعمقاً وشمولاً، حيث تعددت هذه المشاريع واتسعت بحيث تشمل اللاجئين الفلسطينيين في أماكن وجودهم، ومن ضمنها قطاع غزة. ومنها مشاريع خاصة للاجئي القطاع وحدهم. كما أن هناك مشاريع بقيت في إطار المقترحات العامة، بينما تحولت مشاريع أخرى إلى خطط وبرامج عمل ودراسة مستفيضة تعاونت بشأنها عدة جهات دولية ومحلية ضمن سياسة ثابتة، تقوم على أن عدد اللاجئين المستفيدين من الإغاثة يجب أن يتناقص تدريجيا. ويجب أن يستمر التحقيق في عدد اللاجئين الذين يتلقون المعونة، حيث اعتبرت تصفية اللاجئين قضية اقتصادية ينبغي حلها بالأساليب الاقتصادية في دائرة تنمية اقتصاديات البلاد العربية بشكل يسمح بتوطين اللاجئين في البلدان العربية. من هذه النظرية جاء بيان جون فوستر دالاس، وزير خارجية الولايات المتحدة في يونيو/حزيران 1953 بشأن اللاجئين إذ قال: "إن بعض هؤلاء اللاجئين يمكن إسكانهم في المنطقة التي تحتلها إسرائيل حالياً ولكن غالبيتهم يستطيع بصورة أو بأخرى أن يدمج في حياة البلدان العربية المجاورة، بيد أن هذا يعتمد على مشاريع الري التي بواسطتها يمكن استثمار أراضي جديدة".

ولقد تمت ترجمة بيان دالاس هذا إلى مشروع أريك جونستون القائم على توزيع مياه نهر الأردن وروافده بين العرب واليهود لحل مشكلة لاجئي سوريا ولبنان والأردن، في الوقت الذي كان ينفذ فيه مشروع آخر بقطاع غزة جاء نتيجة تعاون مشترك بين وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين، والحكومة المصرية، هو مشروع شمال غرب سيناء.

 

مشروع توطين اللاجئين في شمال غرب سيناء :

في هذا الوقت كانت دراسة مشروع توطين اللاجئين في شمال غرب سيناء تسير على قدم وساق، لوضع المخططات الكفيلة بتنفيذه. بدأت ردود الفعل لدى جماهير اللاجئين بالظهور في الوقت الذي كان فيه الموضوع لا يزال في إطار المشاورات بين الجهات المعنية. وفي محاولة من السلطات المصرية لتهدئة الرأي العام المتحفز وتطمينه أصدرت بيانين، الأول في 28 مايو/ أيار 1953، والثاني في 19سبتمبر/ أيلول 1953، موجهين إلى أهالي غزة، نكتفي بنص البيان الثاني والموقع من نائب الحكم الإداري العام:

"كانت بعض الصحف المحلية قد نشرت خلال شهر مايو 1953 أن هناك محاولات لإسكان اللاجئين خارج فلسطين، مستندة في ذلك إلى ما نشر في بعض الصحف الخارجية حول مشروع تقدمت به هيئة الإغاثة الدولية التابعة لهيئة الأمم المتحدة لتشغيل وإسكان اللاجئين في شبه جزيرة سيناء وغزة، مما دعانا أن نصدر بياننا المؤرخ في 28 مايو 1953، نعلن فيه أنه قد صار إرجاء البحث في هذا الموضوع. ولما كان هذا المشروع قد أصبح شاغلاً للأهالي ومدار حديثهم ولما تعلمه هذه الإدارة التي دأبت جاهدة على العمل لما فيه الخير والرفاهية للجميع، وتحقيقاً لرغباتهم، ليسرها أن تعلن لأهالي ومهاجري المنطقة جميعاً بأنه تمت مقابلة بين السيد القائد العام للقوات المسلحة والسيد الحاكم الإداري العام للمنطقة الخاضعة لرقابة القوات المصرية لفلسطين بخصوص هذا الموضوع، وقد انتهت بالموافقة على أن موضوع إسكان اللاجئين هو محل إعادة نظر السلطات المختصة في الوقت الحاضر، ولن تتخذ أية إجراءات أو خطوات إلا بما يحقق أماني الفلسطينيين ومصالحهم، ولذلك نلفت النظر إلى أن الحديث حول هذا المشروع قد أصبح غير ذي موضوع".

للأسف، كان نائب الحاكم الإداري العام لا يقول الحقيقة، لأن الحكومة المصرية كانت قد اقترحت نهر النيل كمصدر مياه لري الأراضي الواقعة مباشرة شرق قناة السويس. ونتيجة لهذا الاقتراح، أتمت وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين في 30 يونيو 1953 اتفاقية مع الحكومة المصرية أتاحت بموجبها دفع مبلغ ثلاثين مليون دولار يخصص جزء منها لأغراض "أبحاث ودراسة المشروع في شبه جزيرة سيناء وغزة، والباقي ينفق في الإنشاء والاستيطان. إذا ما أثبتت الدراسات الأولية أن هناك مشروعات عملية يمكن القيام بها".

إلا أن تخوف الأهالي واللاجئين في القطاع كان له ما يبرره لأن الاتفاق المشار إليه قد وقع بتاريخ 30 يوليو 1953، بينما أصدر نائب الحاكم الإداري العام بيانه الثاني بتاريخ 19 سبتمبر 1953. إضافة إلى ذلك وقبل مرور أقل من شهر على صدور البيان المذكور (أي في شهر أكتوبر 1953)، أسندت حكومة جمهورية مصر ووكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين بالشرق الأدنى التابعة للأمم المتحدة إلى المجلس الدائم لتنمية الإنتاج القومي ومكتب وكالة الغوث بالقاهرة، المسؤولية المشتركة لإدارة أبحاث ودراسات عن المشروع المحدد بالاتفاقية، والتي وقعها عن حكومة جمهورية مصر رئيس المجلس الدائم لتنمية الإنتاج القومي، وعن وكالة الغوث مدير مكتبها في القاهرة لتقرير مدى صلاحية هذا المشروع للتنفيذ وتقدير تكاليفه.

والجدير بالذكر أن هذا المشروع الذي لم يكتب له النجاح استغرق الإعداد له من أبحاث ودراسات من تاريخ توقيعه في أكتوبر/ تشرين أول 1953 وحتى 28 يونيو/ حزيران 1955، حيث انتهت اللجنة الموكل إليها العمل ووضعت تقريرها الذي رفعته إلى وزير الدولة المصري لشؤون الإنتاج ومدير وكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين، ويمكن اعتبار هذا المشروع الذي عد خصيصاً لتوطين لاجئي قطاع غزة من أكثر المشاريع خطورة. ولذا علينا أن نقدم عرضاً موجزاً للمسائل التي تطرق إليها والغرض من إعداده. كما وردت في تقرير المجلس الدائم لتنمية الإنتاج القومي في جمهورية مصر بالتعاون مع وكالة الغوث، فيما يلي مقتطفات من التقرير:

"تأييد إمكانية التنفيذ الطبيعية والهندسية بتحويل 50.000 فدان في الشمال الغربي من سيناء إلى أراضي مزروعة، وكذلك إمكان استيطان جزء من سكان غزة من اللاجئين هناك كأعضاء نافعين عاملين في المجتمع".

كما وردت في التقرير كذلك التكاليف المقدرة لهذا التعمير والدخل المحتمل الحصول عليه من هذا المشروع "وسوف يتم اختيار سكان المشروع من اللاجئين الذين يستوطنون غزة حالياً والذين قدر عددهم في مايو 1955 بحوالي 214.000 نسمة من جملة سكان القطاع البالغ عددهم 302.000 نسمة".

وأوصى التقرير بأن يؤخذ الهيكل الاجتماعي للاجئين في الاعتبار، وأن يكون ذلك بالحفاظ على الطابع الاجتماعي التقليدي للعلاقات، ولأن اللاجئين في معسكرات القطاع انضموا في مجموعات حسب عشائرهم وقبائلهم وقراهم، لذا يجب أن يؤخذ هذا بعين الاعتبار عند توزيعهم على قرى المشروع والتي تقرر أن يكون عددها 23 قرية منها ثلاث قرى رئيسة تعتبر كمراكز .

ثم تطرق التقرير بعد ذلك إلى النظام المقترح على صعيد الضرائب وقوات الأمن والبوليس والمطافئ وجهاز القضاء ونظام البريد والهاتف، إضافة إلى تفاصيل وشكل القرى المقترحة، ومواقع البناء، وشكل المنازل، وحتى مواد البناء المستعملة.

وأكد التقرير على إرضاء اللاجئين بأن قبولهم للفرص التي تهيأ لهم للإسكان والتوطين لا تتعارض مع حقهم في العودة، ودعا التقرير أيضاً إلى بذل اهتمام خاص بالمصادر التقليدية للزعامة.

وقدر المشروع عدد الذين سيتم توطينهم وإسكانهم بحوالي 59.500 نسمة يشكلون 12.000 أسرة، منهم 10.000 أسرة زراعية، و1750 أسرة للخدمات العامة، و700 أسرة للقطاعات الأخرى.

وعن كيفية خلق الدوافع لدى اللاجئين للقبول، اقترح التقرير الآتي:

"توفير مستوى معيشة يفوق بكثير متوسط المعيشة الذي اعتاده اللاجئ وما يستخدمه من أرض وعقار، إذا ما تقرر منح الملكية للاجئين يجب أن يكون ذلك تحت شروط التحديد حتى ولو كان إسمياً في بعض الحالات". كما قدر التقرير الفترة الكافية التي يستغرقها توطين الأسر بعشر سنوات.

هذا إضافة إلى مجموعة كبيرة من التفاصيل التي تطرق إليها التقرير والتي لا يتسع المجال لذكرها، الأمر الذي يمكننا معه القول إن ذلك التقرير لم يترك صغيرة ولا كبيرة إلا وتطرق لها. ولذا يمكن اعتباره المشروع الوحيد المتكامل من بين ما قدم من مشاريع لتوطين اللاجئين.

ومع أن المشروع تجنب الحديث عن الجوانب السياسية وأهملها عمداً، إلا أن ذلك لا يلغي الإفرازات السياسية التلقائية له، باعتبار إنهاء الجانب الاقتصادي لمشكلة اللاجئين هو خطوة رئيسية ومهمة على طريق الانتهاء الكلي لمشكلتهم تمهيداً لتصفية القضية الفلسطينية برمتها.

ورغم تأكيدات وتصريحات المسؤولين الرسمية - سواء في وكالة الغوث أو رجال الحكم في القطاع - من أن التوطين لا يلغي حق اللاجئين بالعودة، إلا أن ردة فعل الجماهير كانت من أعنف ردود الفعل التي شهدها القطاع، حيث كانت في مستوى الخطورة التي كان يمثلها مشروع التوطين. وكان العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في فبراير 1955 سبباً في انفجار القطاع بأكمله احتجاجاً على المذبحة في انتفاضة استمرت حتى العاشر من شهر مارس 1955، كان من أهم نتائجها إسقاط مشروع شمال غرب سيناء للتوطين، وإلى الأبد.

كما أوضحت انتفاضة مارس 1955 أيضاً معنى وجود موقف سياسي واضح ومبدئي تجاه مصالح الغالبية الساحقة من الجماهير قادرة على بلورة موقف تستند إليه هذه الجماهير وتناضل من أجله. ويمكننا القول إن انتفاضة مارس نقلت دور أهالي القطاع من لاجئين ومن دور الكتلة الجماهيرية الخاملة، إلى دور الكتلة الفاعلة والقادرة على ممارسة الرفض المؤثر الذي دفع حكومة الثورة في مصر ووكالة الأمم المتحدة وغيرها من الهيئات الدولية إلى التفكير في موضوع اللاجئين بطريقة مختلفة. وبدأت الحسابات بشأنهم تأخذ منحنى جديداً، كما يمكننا القول أيضاً إن هذه الانتفاضة نقلت القضية الفلسطينية برمتها من قضية مؤجلة إلى قضية متفجرة، إذ لم يعد ممكناً تجاهلها من قبل أي مسؤول.

 تصاعد الغارات والاعتداءات الإسرائيلية :

منذ توقيع اتفاقية الهدنة بين الحكومة المصرية والحكومة الإسرائيلية في 24/2/1949، لم تتوقف الاعتداءات الإسرائيلية على قطاع غزة، من شماله إلى جنوبه، وعلى المناطق الحدودية مع مصر. لكن أبرز هذه الغارات هي تلك التي حدثت يوم 28/2/1955، والتي لا تكمن أهميتها فقط في حجم الخسائر التي نجمت عنها، وإنما في الأهداف التي كانت تخطط لها إسرائيل من ورائها، وفي النتائج والتطورات السياسية التي نجمت عنها.

كانت ثورة يوليو قد بدأت مفاوضات الجلاء مع البريطانيين، ورأى بن غوريون في نتائج هذه المفاوضات خطراً يجب القضاء عليه خوفاً من مصر المستقلة مسقبلاً. كما كان بن غوريون يخشى أن تؤدي سياسة خليفته في رئاسة الوزارة الإسرائيلية موشيه شاريت، إلى تسوية سلمية مع مصر نتيجة سعيه لإقامة علاقات طيبة مع العرب، فقرر بن غوريون القيام بعمليات تصعيد العدوان ضد مصر، وضد قطاع غزة الذي تديره مصر، بهدف هز أركان النظام الثوري في مصر، فكانت الغارة الإسرائيلية على غزة يوم 28/2/1955، والتي استشهد فيها 29 جندياً، كما أصيب 40 آخرون بجراح.

يقول صلاح نصر في مذكراته: "فيما كان عبد الناصر يفكر في وضع خطط لمواجهة حلف بغداد الذي تم إعلان توقيع تركيا والعراق على معاهدته الرسمية يوم 24 فبراير 1955، والتي عرفت باسم حلف بغداد، قامت إسرائيل يوم 28 فبراير 1955 بهجوم مدبر على القوات المصرية المرابطة على شريط قطاع غزة، وهذا رسخ في ذهن عبد الناصر، أن حلف بغداد وغارة غزة ليستا سوى جزء من مؤامرة غربية كبرى لتدمير ثورة 23 يوليو، ولإعادة سيطرة الإمبريالية الغربية على الوطن العربي بأكمله". وكانت بمثابة الصخرة التي تحطمت عليها أماني عبد الناصر في حسن نوايا الغرب. ويقول المقربون من عبد الناصر في هذه الفترة إنه ظل عدة ليال ساهراً يكاد لا يغفو، يفكر في حل يواجه به هذا الموقف الجديد.

يعلق عبد اللطيف البغدادي على هذه الغارة المفاجئة بالقول: "فوجئنا بغارة إسرائيلية من الجيش الإسرائيلي على معسكر لنا قرب مدينة غزة، وكانت تلك الغارة بداية لسلسلة من الغارات المتبادلة بين إسرائيل وبيننا. وقد دفعت كل منا إلى السباق في التسلح. ولقد كانت تلك الغارة ضد قواتنا النظامية، الأمر الذي جعلنا نتصور ونعتقد أن الغرض منها هو العمل على إضعاف نظامنا الثوري الوليد، خاصة وأنه كان في بداية الطريق، وهناك مقاومة داخلية له من الأحزاب السابقة ومن جمعية الإخوان المسلمين ومن الشيوعيين أيضاَ، وكذلك ممن أصابهم ضرر من قيام الثورة".

ويضيف البغدادي قائلاً: "وحتى تلك اللحظة، لم نكن قد اتجهنا إلى  الاتفاق على تسليح جيشنا بالقدر الكافي لبناء جيش قوي وحديث، لأن الثورة كانت في حاجة إلى كل الاستثمارات المتاحة لها لإنفاقها على مشروعات إنتاجية وخدمات تعود بالنفع على المواطنين، وكان قد شجعنا على هذا الاتجاه الهدوء النسبي الذي يسود الحدود المصرية - الإسرائيلية منذ توقيع الهدنة في فبراير 1949. وكان هذا الهجوم الإسرائيلي مؤشراً لنا وعلامة مهمة بضرورة إعادة النظر في موقفنا والعمل على تسليح جيشنا وإعداده بالقدر الكافي للتصدي لمثل هذه الهجمات، وإلا اهتز موقف الثورة أمام الجيش والشعب معاً.

لقد ظهر منذ اللحظة الأولى أن الغارة على غزة عمل سياسي أكثر منه عمل عسكري، وكان القصد منه أن يحقق عدة أهداف في وقت واحد، منها إحراج القاهرة وإظهار عجزها أمام العالم العربي الذي انقسم على نفسه بسبب الأحلاف الغربية، ثم ما ترتب على ذلك من هزة تؤثر على وضع النظام في مصر. كذلك فإن الغارة كانت إنذارا لمصر بأن خطوطها مع إسرائيل مكشوفة، وأنه كان أولى بها أن تترك الإنجليز في منطقة قناة السويس ولا تلح عليهم بالجلاء عن أراضيها.

والحقيقة أن توقيت الغارة على غزة في فبراير 1955 أثار عدة أسئلة. أما إسرائيل، فقد ادعت أن الغارة كانت رداً على ازدياد نشاط الفدائيين، ومهدت لها بحملة منظمة على مصر. غير أن وقوعها في أعقاب مساعي مصر لمنع قيام حلف بغداد جعلت كثيرين يعتقدون بأن هدف إسرائيل هو إشعار مصر بأن سياسة الحياد غير مجدية. ويذهب البعض إلى أبعد من ذلك، وهو أن إسرائيل أرادت أن تدبر خطة بعيدة المدى تستهدف اضطرار مصر إلى توثيق روابطها مع الكتلة الشرقية حتى يتسنى لإسرائيل أن توثق روابطها بالغرب، وبذا تستطيع أن تحصل على السلاح دون قيد.

رفعت مصر شكوى إلى مجلس الأمن الذي أصدر قراراً جماعياً بتاريخ 29 مارس 1955 تحت رقم 106، بالتنديد بإسرائيل على هذه الغارة ووصفها القرار بأنها اعتداء وحشي على جنود آمنين. غير أن المندوب الفرنسي لم ينس أثناء المناقشات أن يدعو الدول الأعضاء إلى بحث الأسباب البعيدة للخلاف والعمل على تلافيها، وفضلاً عن ذلك لم يخل تقرير بيريز، كبير مراقبي الهدنة، من التقريع الذي تستحقه إسرائيل، ووصف الغارة بأنها كانت عملا تم ترتيبه سلفاً وتخطيطه مقدماً من قبل السلطات الإسرائيلية التي أمرت بالهجوم، بل إنه تضمن لوماً للعرب لأنهم لا يتوقفون عن تهديد إسرائيل بالدمار، وضم مجلس الأمن هذا التقرير إلى حيثياته. وكما هو معروف، لم يؤد قرار مجلس الأمن إلى شيء.

لم يكن من خطط الحكومة المصرية الرد على هذه الغارات الإسرائيلية بأعمال مماثلة تقوم بها القوات النظامية، بل لجأت إلى تشجيع الفدائيين العرب من الفلسطينيين الذين جهدت مصر بتشكيل كتائب منظمة منهم بعد ذلك، كما سوف نرى في موضع لاحق، وقام هؤلاء بغارة ناجحة على دير العبد في النقب وأخرى على بئر السبع، وتمكنوا من إصابة أنابيب المياه عصب للمستعمرات اليهودية في المنطقة.

ردت إسرائيل مرة أخرى بغارة على مركز الشرطة في خان يونس بتاريخ 31 مايو 1955، حيث قتل 36 جندياً.

كان الهدف من هذا الهجوم وهجوم ثانٍ تبعه بتاريخ 31 أغسطس 1955 على خان يونس أيضاً هو قطع المواصلات بين رفح وغزة باحتلال خان يونس، وتدخلت قوة الدفاع الفلسطينية (الفدائيون) والتي خسرت 46 شهيداً وخمسين جريحاً. وفي الليلة نفسها توغل الفدائيون إلى عمق 30 كيلو متر داخل إسرائيل، وأسفرت عملياتهم عن مقتل 29 إسرائيلياً.

المصادر الغربية اعتبرت الاعتداءات الإسرائيلية هذه، وخاصة الغارة على غزة، نقطة تحول في سياسة عبد الناصر تجاه إسرائيل والغرب، ودليل ذلك تعليقاتهم عليها، وفيما يلي بعضاً منها:

"كان الهجوم على غزة يمثل في نظر بعض المراقبين للمرحلة نقطة تحول في موقف عبد الناصر من إسرائيل والغرب، وتصور عبد الناصر أن ربط الاعتداءات الإسرائيلية على غزة بحلف بغداد يمثل هجوماً مزدوجاً على الثورة المصرية، التي قررت الدول الغربية أنها تهديد لسيادتها في العالم العربي. وحتى ذلك الهجوم لم يكن عبد الناصر مشغولاً بشدة بإسرائيل في ذلك الحين باعتبارها تهديداً لمصر، وكان على استعداد أن يوافق على أن تتمتع بكل مزايا التعايش السلمي دون الاعتراف بها رسمياً، بالإضافة إلى استعداده للتوقيع على الاتفاق مع واشنطن ولندن بوضع المسألة العربية - الإسرائيلية على حد تعبيره "بثلاجة". كما كان عبد الناصر على استعداد أيضاً لعدم مهاجمة حلف بغداد لو لم تقم إسرائيل خلال أربعة أيام من توقيع الحلف بين تركيا والعراق بشن غارتها على غزة، خاصة وأن أثارها لم تقتصر على قطاع غزة بل تعدته إلى مصر، باعتبارها أن غالبية الضحايا من الجنود المصريين، مما زاد من آثار الغارة على الرأي العام المصري.

كما أن ردة الفعل شملت الجنود المرابطين في قطاع غزة، والذين كان عبد الناصر في زيارتهم قبل الغارة بوقت قصير، وأكد لهم شخصياً أنه ليس هناك خطر وقوع معركة، الأمر الذي اعتبره عبد الناصر إهانة شخصية له، إضافة إلى إحساسه بالمسؤولية الرسمية تجاه جنوده وحاجتهم إلى السلاح. ولم يعد بإمكان عبد الناصر إخبار زائريه أنه ليس على استعداد لتكرار خطأ إسرائيل في صرف 60% من الميزانية على التسليح.

وتأكيداً للانعطاف الواضح في موقف حكومة الثورة في مصر بعد غارة غزة قول عبد الناصر في كلمة جاء فيها: "سوف نعتمد على قواتنا الذاتية لا على مجلس الأمن وقراراته، وأعطيت التعليمات لقادة القوات المسلحة بالرد على العدوان. وبعد حادث 28 فبراير واعتداء إسرائيل الغادر لن نخدع بنداءات السلام".

لقد تمثلت السياسة الجديدة بتحولات في سياسة مصر على الصعيدين الدولي والعربي، وعلى صعيد مواجهة إسرائيل أيضاً، حيث صعّدت حكومة الثورة من حربها ضد الأحلاف في المنطقة، رداً على المحور الهاشمي (العراق والأردن)، وتوقيع أحد أطرافه، العراق، معاهدة الدفاع المشترك مع تركيا تمهيداً لدخول حلف بغداد.

أما على الصعيد الدولي، فقد تجسدت سياسة حكومة الثورة بصفقة الأسلحة التشيكية التي أعلن عنها عبد الناصر في خطاب له يعتبر من أهم خطاباته، وذلك يوم 27 ديسمبر 1955، وأكثرها تأثيراً في تاريخ المنطقة. تقول بعض المصادر إن قرار عبد الناصر بترميم قواته قد اتخذه خلال تلك الليلة المضطربة والتي قضاها ساهراً يكاد لا يغفو.

وتعتبر صفقة الأسلحة التشيكية ذات أبعاد سياسية علاوة على صفتها العسكرية، إذ لأول مرة تقوم حكومة مصرية بخرق عقدة العداء للشيوعية وتقيم علاقات مباشرة مع دولة شيوعية. وبهذا أنهت مصر مرحلة إرسال الوفود الباحثة بلا جدوى عن سلاح في الدول الغربية، وقد تم تبرير صفقة الأسلحة تلك لأن مصر أدركت نيات إسرائيل العدوانية، ولئلا تتكرر مأساة فلسطين. والجدير بالذكر أن الرجل العربي العادي اعتبر صفقة الأسلحة هذه ضربة معلم.

تلخص الوثائق البريطانية رد فعل عبد الناصر على غارة غزة، التي يقول عنها إنها ردة فعل متوقعة، بالإجراءات التالية:

أولاً      : قرر أن عليه شراء الأسلحة الضرورية لردع أي هجمات إسرائيلية، ولما لم تكن أي دولة غربية مستعدة لتزويده بالسلاح، كان على استعداد لشرائها من أي دولة على استعداد لبيعها له.

ثانيا      : بعد أن أخفق في منع حلف بغداد، لجأ إلى تقوية حلف الدفاع العربي بسلسلة من اتفاقيات الدفاع بين مصر وأوثق حلفائها العرب بصفة ذلك الوسيلة الوحيدة لإحباط ما اعتبره مؤامرة غربية لتدمير مصر تتزعمها إسرائيل والعراق.

ثالثاً      : أمر بوجوب تدريب المتطوعين الفدائيين بشكل صحيح من أجل شن عمليات أكثر، ولو داخل إسرائيل.

رابعاً     : صعد حملاته الإ&#